إن فكرة "حل الدولتين" ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج قرن من الصراع العربي، والعربي الفلسطيني مع القوى الاستعمارية والإمبريالية البريطانية والفرنسية والأمريكية. ولقد مرت هذه الفكرة برحلة طويلة من الرفض المطلق إلى القبول المبدئي، لكنها وصلت في النهاية إلى مأزق خطير يهدد وجودها أساسًا.
فكرة الدولتين في وعد بلفور:
أعلن وزير الشؤون الخارجية آرثر جيمس بلفور باسم الوزارة البريطانية في 2 نوفمبر 1917 بياناً، سمي، لاحقا، بوعد بلفور. وكان يتألف من جملة واحدة "تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم جلياً أنه لن يُؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".
هذه اللغة الدبلوماسية الناعمة المخادعة وتعبيرها الغامض، أوضحت فيها بأن بريطانيا قد وافقت على إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. ومن المهم الانتباه هنا، في مضمون هذا الوعد. فآرثر بلفور لم يذكر الغالبية العربية العظمى في سكان فلسطين التي بلغت آنذاك حوالي (94%) سوى بطريقة مواربة بصفتهم "الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين". أي أنهم قد وصفوا باصطلاح "غير" وبشكل مؤكد أنهم لم يوصفوا كأمة أو كشعب، ولم تظهر مفردات "الفلسطينيين" أو "العرب" بين مفردات الوعد. وُعِدَتْ هذه الأغلبية العظمى من السكان فقط "بحقوق مدنية ودينية" وليس بحقوق سياسية ولا وطنية. وبالمقارنة، منح بلفور حقوقاً وطنية لما وَصَفَهُ "الشعب اليهودي" الذي كان سنة 1917 أقلية ضئيلة (6%) من سكان المنطقة.
ويحلل البروفسور الفلسطيني، رشيد الخالدي، في كتابه "حرب المائة عام على فلسطين: 1917-2017" بأن هذا الوعد قد جاء لتعزيز دور الحركة الصهيونية التي كانت بالأساس مشروعاً استعمارياً يبحث عن راع من القوى العظمى قبل أن تضمن الدعم البريطاني، بعد أن فشل ثيودور هرتسل في الحصول على دعم الإمبراطورية العثمانية والألمانية وغيرهما. وقد تمكن خليفة هرتسل، حاییم وایزمان وزملاؤه من النجاح أخيراً في اتصالاتهم مع وزارة الحرب البريطانية برئاسة ديفيد لويد جورج وحصلوا على دعم أعظم قوة في ذلك العصر. كان الهدف الرئيسي لبريطانيا هو السيطرة على فلسطين لأسباب جيوسياسية إستراتيجية سبقت الحرب العالمية الأولى، ولكن سارعتها أحداث الحرب. لم تتحرك الإمبراطورية البريطانية أبداً بدافع من الإيثار، كما يشير مضمون وعده!. ويؤكد الخالدي بأن دعم وتأييد المشروع الصهيوني كان يخدم جيداً المصالح البريطانية الإستراتيجية، مثلما كانت تحركاتها الأخرى في المنطقة أثناء الحرب والتي كان من بينها وعود قدمت سنة 1915 و 1916 بمنح الاستقلال للعرب بزعامة الشريف حسين في مكة الواردة في مراسلات حسين - ماكماهون، واتفاق سري سنة 1916 مع فرنسا (اتفاقية سايكس- بيكو) التي وافقت فيها القوتان على تقسيم استعماري للدول العربية الشرقية-. ولقد كشف ليون تروتسكي، مسؤول العلاقات الخارجية في الحكومة البلشفية الروسية عن هذه الاتفاقية السرية بين فرنسا وإنجلترا وروسيا القيصرية، وذلك بعد أن فتحت الثورة البلشفية وثائق ومستندات العهد القيصري.
- كتاب الخالدي تفاصيل "ولادة" وعد بلفور. فخلال وليمة عشاء في بيت بلفور سنة 1922 ضم ثلاثة من أهم رجال الدولة البريطانيين في تلك الفترة: لويد جورج وبلفور وونستون تشرشل الذي كان وزير الدولة لشؤون المستعمرات، وقد أكدوا لوايزمان أن اصطلاح "وطن قومي للشعب اليهودي" كان يعني دائماً "إنشاء دولة يهودية". أقنع لويد جورج الزعيم الصهيوني وايزمان بأن بريطانيا لن تسمح بسبب ذلك أبداً بوجود حكومة نيابية في فلسطين، ولم تفعل ذلك. لذلك، أصبح مشروع الصهاينة مدعوماً "بجدار حديدي" لا غنى عنه من القوة العسكرية البريطانية. أما بالنسبة لسكان فلسطين فقد كان وعد بلفور بمثابة بندقية وجهت مباشرة نحو رؤوسهم. كان إعلان حرب من الإمبراطورية البريطانية على السكان المحليين. وهذا ما فَجَّرَ صراعاً استعمارياً صريحاً واعتداءً أستمر قرناً من الزمن على الشعب الفلسطيني بهدف دعم إنشاء "وطن قومي" حصري وإقصائي على حسابهم. جاء رد فعل الفلسطينيين على وعد بلفور متأخراً، وكان في البداية مُخَفَّفاً وخافتاً.
ويسترسل الخالدي في المزيد من التداعيات الفلسطينية والعربية من جراء انتشار أخبار التصريح البريطاني في أغلب أرجاء العالم الأخرى فور إعلانه، فيما عدى الصحف المحلية في فلسطين التي كانت قد أُغلقت منذ بداية الحرب العالمية الأولى من قبل الانتداب البريطاني. وبعد أن احتلت القوات البريطانية مدينة القدس في ديسمبر 1917، مَنَعَ النظام العسكري نشر أخبار عن وعد بلفور، وبالفعل، لم تسمح السلطات البريطانية للصحف بالظهور في فلسطين فترة سنتين. وعندما وصلت أخبار وعد بلفور إلى فلسطين أخيراً، فقد تسربت ببطء وانتشرت بالمشافهة ثم في نسخ من الصحف المصرية التي جلبت من القاهرة. أصابت هذه القنبلة مجتمعاً واهنا منهكاً في تلك المرحلة المتأخرة من الحرب. شعر الذين أدركوا زحف الحركة الصهيونية بالتهديد والخطر بسبب قدرتها على شراء إقطاعيات كبيرة من الأرض الخصبة وطرد الفلاحين المحليين منها، وبسبب نجاحها في زيادة الهجرة اليهودية. وبالفعل، وصل حوالي 40 ألفاً من المهاجرين اليهود في الفترة 1914-1919م. وأسست الحركة الصهيونية 18 مستعمرة جديدة (مِن عَددٍ كلِّي بَلَغَ 52 سنة 1914 على أراض كانت قد أشترت أغلبها من ملاك غائبين). حرم كثير من الفلاحين في القرى المجاورة للمستعمرات الجديدة من أرضهم نتيجة بيع الأراضي، كما أصيب بعضهم في المواجهات المسلحة مع وحدات الميليشيا الأولية التي شكلها المستوطنون الأوروبيون اليهود. بعد إصدار وعد بلفور أصبحت النتائج الكارثية لمستقبل فلسطين واضحة. خَرَجَ سكان فلسطين إلى عالم ما بعد الحرب وهم يعانون من صدمة جماعية وواجهوا واقعاً جديداً مختلفاً بشكل جذري: كانوا يخضعون لحكم بريطانيا، وكانت بلادهم قد حُجزَتْ لِتُصْبِحَ "وَطَنا قوميا" لآخرين، وفي مقابل ذلك يمكنهم وضع آمالهم باحتمال الحصول على استقلال العرب وحقهم في تقرير مصيرهم حسب وعد البريطانيين للشريف حسين سنة 1916، وتكرر ذلك الوعد في مطالب علنية بعد ذلك مراراً بما فيها تصريح انكلو - فرنسي سنة 1918 قبل أن يُنَصَّ عليه في ميثاق عصبة الأمم الجديدة سنة 1919، في مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرهم.
النضال السلمي والعنيف، بعد صدور وعد بلفور:
- تلك المرحلة تعمق وتبلور الوعي الجماعي للشعب الفلسطيني، بعد أن كان هذا الوعي مفقوداً بين طبقات وشرائح المجتمع. لقد أصبح الوعي الجمعي يشمل الهوية التي بدورها تشمل حُبَّ الوطن، ورغبة في تطوير المجتمع، وارتباطاً دينياً بفلسطين، ومعارضة للسيطرة الأوروبية. وعليه، بدأ الفلسطينيون في تنظيم أنفسهم سياسياً حالما تمكنوا من ذلك في نهاية الحرب العالمية الأولى واعترضوا على الحكم البريطاني وعلى فرض الحركة الصهيونية كمفاوض متميز للبريطانيين. ويستعرض الخالدي الجهود التي بذلتها الفئات الناشطة من الشعب الفلسطيني، حيث شَمَلَتْ هذه الجهود بتقديم عرائض للبريطانيين، وإلى مؤتمر السلام في باريس، ومؤسسة عصبة الأمم الجديدة. وقد كان أكثر جهودهم وضوحاً هي سلسلة من سبعة مؤتمرات عربية عن فلسطين نظمتها شبكة جمعيات وطنية مسلمة - مسيحية عُقِدَتْ في الفترة بين 1919 إلى 1928. حيث وَضَعَتْ هذه المؤتمرات سلسلة متماسكة من المطالب التي ركزت على استقلال فلسطين العربية، ورفض وعد بلفور، وتأييد حكم الأغلبية، وإنهاء الهجرة اليهودية غير المحدودة، ومنع شراء الأراضي الفلسطينية بالإجبار والخداع. وقد شكلت المؤتمرات إدارة تنفيذية عربية اجتمعت عدة مرات مع مسؤولين بريطانيين في القدس ولندن دون فائدة. كان حواراً بين طرشان. حيث رفَضَ البريطانيون الاعتراف بسلطة تمثيل المؤتمرات أو بزعمائها وأصروا على قبول العرب لوعد بلفور وشروط الانتداب التي أيدته كشرط مبدئي لأي حوار، وكانت تعارض مباشرة جميع مطالب العرب الأساسية. حاولت القيادة الفلسطينية هذا السعي القانوني غير المُجدي لأكثر من عقد ونصف من الزمن.
- هذه المبادرات التي قادتها النخبة الفلسطينية، انفجر استياء شعبي من تأييد البريطانيين لأهداف الصهيونية تم التعبير عنه بشكل مظاهرات واضرابات وشغب وتفجر العنف بشكل خاص في سنوات 1920، 1921، 1929. كانت كل مرحلة أكثر شدة من سابقتها، وفي كل الحالات كانت هذه الانفجارات عفوية، وغالباً ما أثارتها جماعات صهيونية أظهرت قوتها وعنفها. قَمَعَ البريطانيون المظاهرات السلمية بقسوة، ولكن الغضب والاستياء العربي كان في تصاعد. ففي بداية الثلاثينيات، اندفعت عناصر من الشباب المتعلم من الطبقات الدنيا والوسطى الذين فرغ صبرهم من مواقف النخبة التصالحية في فلسطين، ونظموا جماعات أكثر تشدّداً وتسلّحاً شملت شبكة من النشطاء انتشرت في مناطق شمال فلسطين أنشأها داعية متجوّل من أصل سوري اسمه الشيخ عزالدين القسام الذي كان يُخطط سِراً لثورة مسلحة، وكذلك حزب الاستقلال الذي يُلَخّصُ اسمه أهدافه. انطلقت جميع هذه الجهود في البدء تحت ظل نظام عسكري بريطاني صارم استمر حتى سنة 1920م.
نص وعد بلفور في وثيقة عصبة الأمم:
- عصبة الأمم سنة 1922 قرار الانتداب في فلسطين الذي أسس حكم بريطانيا في البلاد. ويشير كتاب الخالدي بأن هذا الانتداب قد قدم هدية غير عادية للحركة الصهيونية بإدراج نص كلمات وعد بلفور مع زيادة على مضمون هذا الوعد. تبدأ وثيقة الانتداب البريطاني بالإشارة إلى المادة 22 لميثاق عصبة الأمم التي تنص على أنه "في مجتمعات معينة... يمكن الاعتراف المبدئي ببعض الجماعات كأمم مستقلة"، وتبعه بالتأكيد على "الالتزام بتنفيذ وعد بلفور". النتيجة الواضحة من مضمون هذه الوثيقة هو أن شعباً واحداً في فلسطين يمكن الاعتراف بحقوقه القومية وهو الشعب اليهودي، في تناقض تام مع كل وثائق انتداب آخر في جميع المناطق الأخرى في الشرق الأوسط، حيث تنطبق شروط المادة 22 على مجموع السكان، وتشير في النهاية إلى السماح بنوع من الاستقلال لهذه الدول. لقد ذكر الشعب اليهودي وحده في المقطع الثالث من مقدمة وثيقة الانتداب ووصف بأن لديه علاقة تاريخية بفلسطين. وبالنسبة إلى كتاب تلك الوثيقة فإن ظروف البلاد التي امتدت ألفي سنة بقراها ومقدساتها وقلاعها ومساجدها وكنائسها ونصبها التذكارية التي ترجع إلى العصور العثمانية والمملوكية والأيوبية والصليبية والعباسية والأموية والبيزنطية والعصور التي سَبَقَتْ، كل ذلك لا تنتمي إلى أي شعب على الإطلاق، أو أنها تتعلق فقط بفئات دينية عديمة الشكل. لا شك بأنه كان هنالك أناس موجودون غير أنهم بلا تاريخ ولا وجود مجتمعي ويمكن بالتالي تجاهلهم.
يضيف الخالدي هنا، نقطة مهمة، حيث اعتبر مقدمة وثيقة الانتداب البريطاني على فلسطين بمثابة اعتراف بـ"الإبادة السياسية" للشعب الفلسطيني، وبكل وضوح وجلاء. حيث أن أضمن طريقة لاستئصال حقوق شعب وحرمانه من أرضه هي إنكار ارتباطهم التاريخي بها. لا توجد إشارة أخرى إلى الفلسطينيين كشعب له حقوق قومية أو سياسية في أي من 28 مادة من مواد صك الانتداب. بل لا ترد فيه أي كلمة "عربي" أو "فلسطيني"، تماماً مثلما هي الحالة كذلك في نص وعد بلفور، والحماية الوحيدة التي أشير إليها للغالبية العظمى من سكان فلسطين كانت تتعلق بالحقوق الفردية والدينية وحماية الوضع الحالي القائم في المواقع المقدسة. لقد خُصِّصَتْ سَبعٌ من 28 مادة في صك الانتداب للامتيازات والخدمات التي ستقدم للحركة الصهيونية لتنفيذ سياسة الوطن القومي. كما تم تعيين الوكالة اليهودية في فلسطين بصراحة ووضوح كالممثل الرسمي لسكان البلاد من اليهود، على الرغم من أنه قبل الهجرة الكبيرة للصهاينة الأوروبيين الملتزمين، كانت فئة اليهود في فلسطين تتألف بشكل رئيسي إما من اليهود المتدينين أو من يهود "المزراحي" الذين لم يكونوا صهاينة بل ربما كانوا معارضين للصهيونية. وبالطبع لم يكن هنالك أي تمثيل رسمي للأغلبية العربية غير المذكورة في الوثيقة. نصت المادة الثانية من وثيقة الانتداب على مؤسسات الإدارة الذاتية، ويشير بوضوح إلى أنها تنطبق فقط على فئة البيشوف Yishuv وهو الاسم الذي كان يُعرف به اليهود من سكان فلسطين بينما مُنِعَت الأغلبية من الفلسطينيين بإصرار من دخول هذه المؤسسات. أما المؤسسات التمثيلية لجميع سكان البلاد على أساس ديموقراطي وبسلطة فعلية فَلَمْ تُطرح أبداً، كما وعد تشرشل للصهاينة، حيث أشرنا إليها في مقدمة هذا البحث.
بيان سري كتبه اللورد بلفور، يفضح مؤامرة الدولتين:
يختتم الخالدي كتابه، في هذه المحطة المفصلية من تاريخ فلسطين، بملاحظة سرية كتبها اللورد بلفور في سبتمبر 1919. عن المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم. والتي تعترف "مبدئياً" بحق الشعوب التي كانت سابقاً جزءاً من الإمبراطورية العثمانية على استقلالها. وهذه الملاحظة السرية تخص دول الشرق الأوسط، بسبب وجود وعود بريطانية متكررة باستقلال "جميع" العرب الذين كانوا تحت السيطرة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى مقابل تعاونهم ضد العثمانيين، بالإضافة إلى حق تقرير المصير الذي أعلنه الرئيس الأمريكي ويلسون. وبالفعل فقد حصلت جميع المناطق الأخرى التي كانت تحت الانتداب في الشرق الأوسط على استقلالها- على الرغم من أن قوى الانتداب البريطانية والفرنسية تلاعبت بالقوانين للاحتفاظ بأقصى درجة من السيطرة لأطول فترة ممكنة-. حرم الفلسطينيون فقط من هذه الامتيازات في حين حصل السكان اليهود في فلسطين على مؤسسات تمثيلية وتقدموا نحو الحكم الذاتي مستفيدين بشكل مميز من المادة 22 من الميثاق. ومن المفارقة أن الحكومة البريطانية التي أصدرت وعد بلفور كانت هي التي أصدرت قانون الأجانب لسنة 1905 الذي كان معنياً بشكل رئيسي بإقصاء اليهود الهاربين من مذابح روسيا القيصرية ومنعهم من دخول بريطانيا. في ملاحظة سرية في سبتمبر سنة 1919 لم تعرف علناً إلا بعد نشرها بعد أكثر من ثلاثة عقود في مجموعة وثائق عن الفترة بين الحربين. شرح بلفور للوزراء في تحليله التعقيدات التي خلقتها بريطانيا لنفسها في الشرق الأوسط بسبب وعودها المتناقضة، بما فيها الوعود الموجودة في مراسلات حسين - ماكماهون واتفاقية سايكس بيكو وميثاق عصبة الأمم. فبعد أن لَخَّص بلفور السياسة البريطانية في سورية وما بين النهرين، قيم الوضع في فلسطين بصراحة "التناقض بين الميثاق وسياسة الحلفاء أكثر فظاعة بالنسبة لحالة "الدولة المستقلة" في فلسطين من حالة "الدولة المستقلة" في سورية. لم نقترح في فلسطين إتباع شكل من أشكال استطلاع رأي ورغبات السكان الحاليين. بل التزمت القوى العظمى الأربع بالصهيونية - أميركا وروسيا وبريطانيا وفرنسا. والصهيونية سواء كانت على حق أو على خطأ، وسواء كانت جيدة أم سيئة إلا أنها متأصلة بتقاليد عميقة الجذور وبمصالح معاصرة وبآمال في المستقبل ذات آثار أكثر أهمية بكثير من رغبات وآراء ومواقف 700.000 عربي يعيشون الآن في تلك الأرض القديمة. ويواصل بلفور في ملاحظته السرية هذه، قائلاً: "لا أعتقد بأن الصهيونية ستؤذي العرب إلا أنهم لن يعترفوا أبداً بها. ومهما كان مستقبل فلسطين فإنها الآن ليست "أمة مستقلة" وليست في طريقها لكي تصبح كذلك. ومهما كان الاهتمام الذي يجب منحه لوجهات نظر وآراء الناس الذين يعيشون هناك، إلا أنني حسبما فهمت فإن القوى العظمى عند اختيارهم لتفويض ما فإنهم لا يقترحون استشارتهم. باختصار، بالنسبة للفلسطينيين لم تصدر القوى العظمى أي إعلان حقائق، وذلك ما لا أعتقد بخطئه، ولم تصدر إعلان سياسة ولا بشكل صيغة أولية سيلتزمون بها ولم يريدوا دائماً انتهاكها". بهذا الملخص المتوحش في صراحته، وَضَعَ بلفور التصورات العامة "للتقاليد الوطيدة" و"المصالح الحالية" و "الآمال المستقبلية" المتضمنة في الصهيونية ضد آمال وآراء "العرب في فلسطين الذين يعيشون الآن في تلك الأرض القديمة".
مرحلة ما بعد العشرينات من القرن العشرين:
وأمام هذه المؤامرة البريطانية الصهيونية الأممية التي تيقنت الحكومة البريطانية بأنها ستؤدي إلى انتفاضة الشعب الفلسطيني، واستباقاً لها، قامت حكومات بريطانية مختلفة لإعادة النظر لسياساتها في فلسطين استجابة لهذا الاستياء الفلسطيني المتزايد، خاصة بعد تفجر اضطرابات عنيفة. كانت النتيجة إرسال عدد من لجان استقصاء مختلفة وإصدار أوراق بيضاء، وذلك ابتداءً من عام 1922 إلى 1938، شملت لجنة هيوارد، ورقة تشرشل البيضاء ، لجنة شو، تقرير هوب - سيمبسون، ورقة باسفيلد البيضاء، لجنة بيل، وورقة وود دهید البيضاء. إلا أن هذه السياسات الورقية لم تقترح سوى إجراءات محدودة لتهدئة الفلسطينيين. علماً بأن تقرير لجنة بيل، تضمن، ولأول مرة، اقتراح رسمي لتقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية، مع بقاء منطقة القدس تحت الانتداب. قاد الزعماء الصهاينة بقيادة دافيد بن غوريون المفاوضات لقبوله كأساس للتفاوض لتحقيق حلمهم. لكن الجانب العربي رفضه بشدة لأنه لم يمنحهم سوى أراضٍ قليلة، وأقل خصوبة.
ويوضح الخالدي في كتابه، بأن حتى هذه السياسات "الورقية"، فقد قامت الحكومة في لندن بتغيير معظمها بضغط من الصهاينة، أو أنها اقترحت إجراءات زادت من شعور الفلسطينيين العميق بالظلم. كانت النتيجة النهائية انفجاراً عنيفاً غير مسبوق، وثورة شعبية عارمة انتشرت في كافة أرجاء فلسطين بدءاً من سنة 1936. لقد فاجأت هذه الثورة العفوية التي بدأت من القاع حتى القمة، البريطانيين والصهاينة ونخبة زعماء الفلسطينيين، وأجبرتهم على تجاوز خلافاتهم وانقساماتهم ظاهرياً على الأقل. وخلاصتها السياسية كانت مخيبة للآمال، حيث تشكلت اللجنة العربية العليا بهدف قيادة وتمثيل الغالبية العربية في فلسطين. وعلى الرغم من أن البريطانيين لم يعترفوا بها مطلقاً كممثلة للفلسطينيين. وكان أهم منجزاتها هو التوسط لإنهائ الثورة في خريف سنة 1936 بطلب من عدد من الحكام العرب الذين كانوا يتصرفون وفق أوامر أسيادهم البريطانيين. وظهرت النتيجة في يوليو 1937 عندما أوكلت مهمة استقصاء الاضطرابات في فلسطين إلى لجنة ملكية برئاسة اللورد بیل التي اقترحت تقسيم البلاد إلى دولة يهودية في حوالي 17% من المناطق سيطرد منها أكثر من مئتي ألف عربي. ويوضح الخالدي، بأنه تم تلطيف مصطلح "الطرد" إلى مصطلح "الانتقال". وحسب مخطط التقسيم هذا تظلُّ بقية مناطق الدولة تحت السيطرة البريطانية أو تُسَلَّمُ إلى عميل بريطانيا في المنطقة الأمير عبدالله الذي تم تنصيبه أميراً على شرق الأردن. ومرة أخرى تم التعامل مع الفلسطينيين وكأنما ليس لهم وجود وطني ولا حقوق مشتركة عامة. وفي نهاية عام 1939 تم قمع الثورة بوسائل دموية عنيفة. وظهرت خلافات عميقة بين الفلسطينيين، فقد رحب بعضُهم ممن ينتمون إلى الأمير عبدالله في الأردن وأيدوا بهدوء اقتراح التقسيم الذي طرحته لجنة بيل لأنهم كانوا يفضلون الانضمام إلى المنطقة شرق الأردن من فلسطين التي كانوا يعتقدون بأنها ستتحول إلى الدولة اليهودية الجديدة. إلا أن معظم الفلسطينيين عارضوا بشدة جميع جوانب اقتراحاتها سواءً كانت تقسيم بلادهم، أو تأسيس دولة يهودية فيها مهما كانت صغيرة، أو ترحيل معظم سكانها العرب. عندما وصلت الثورة إلى ذروتها في أواخر سنة 1937 وبداية سنة 1938 ظهر خلاف قاتل أكثر شدة بين الفلسطينيين وانقسام مرير بين أتباع المفتي الذين كانوا يرفضون أي تنازل للبريطانيين وبين معارضيه بقيادة محافظ القدس السابق راغب النشاشيبي الذين كانوا أكثر استرضاء للبريطانيين. وبمعنى آخر، تحولت هذه الثورة التي كانت في بدايتها موجهة ضد الانكليز واليهود الصهاينة، إلى حرب أهلية، وأصبح فيها الإرهاب والنهب والسلب والإحراق والقتل أساليب عادية. وهذا ما جَعَل وضع الفلسطينيين في موقف ضعيف جداً بمواجهة الحركة الصهيونية التي نشطت وأصبحت أكثر قوة خلال الثورة وحصلت على كميات كبيرة من الأسلحة والتدريب الشامل على يد البريطانيين لمساعدتهم في قمع الثورة.
مشروع الدولتين، ومخاضات الحرب العالمية:
- شبح الحرب العالمية الثانية على أوروبا سنة 1939 وواجهت الإمبراطورية البريطانية تحديات عالمية كبيرة، مما أدى إلى حدوث تغير مهم في سياسة لندن بعيداً عن تأييدها التام السابق للصهيونية. فقد عرف البريطانيون أن جزءاً من هذا الصراع سينتقل إلى أراضٍ عربية أخرى. ولذا، أصبح ضرورياً للمصالح الإستراتيجية الإمبريالية الجوهرية تحسين صورة بريطانيا وتبديد الغضب الذي حَدَثَ بسبب القمع العنيف للثورة الكبرى الفلسطينية في الدول العربية والعالم الإسلامي، خاصة وأن تلك المناطق كانت تُغرق بدعاية دول المحور عن فظائع البريطانيين في فلسطين. أوصى تقرير في يناير 1939 إلى الوزارة بتغيير المسار في فلسطين وركز على أهمية كسب ثقة مصر والدول العربية المجاورة. بعد فشل المؤتمر الذي عُقد في 1939 في قصر سانت جيمس في لندن ضم ممثلين عن الفلسطينيين والصهاينة والدول العربية، أصدرت حكومة نيفيل تشمبرلين ورقة بيضاء في محاولة لاسترضاء غضب الفلسطينيين والعرب والرأي العام الهندي الذي كان يطالب بالاستقلال. وقد دعت هذه الوثيقة إلى تقليص شديد في التزام بريطانيا بالحركة الصهيونية، واقترحت تحديداً صارماً للهجرة اليهودية وبيع الأراضي -وهما مطلبان رئيسيان من مطالب العرب- ووعدت بخلق مؤسسات تمثيلية خلال خمس سنوات وحق تقرير المصير خلال عشر سنوات -وهي أهم المطالب-. ولكن، تحولت هذه الوثيقة، كمثيلاتها السابقات، إلى رزمة من الأوراق المخادعة. ومع تولي تشرشل رئاسة وزراء بريطانيا، حيث كان من أشد المتحمسين لنجاح الحركة الصهيونية في تأسيس دولة لليهود في فلسطين، تبخرت كل هذه الوعود.
يختتم الخالدي هذه المحطة من تاريخ فلسطين، بأن أصبحت الخيارات الفلسطينية التفاوضية والسلمية، قليلة في مواجهة الثلاثي القوي: بريطانيا والحركة الصهيونية وانتداب عصبة الأمم. ولذا، عندما غادر البريطانيون فلسطين سنة 1948 لم تكن هنالك حاجة لخلق أجهزة دولة يهودية من لا شيء، فقد كانت هذه الأجهزة تعمل بشكل واقعي تحت حماية البريطانيين فترة عقود. كل ما كان يحتاجه تحقيق حلم هرتسل ونبوءته هو أن تأخذ شبه الدولة التي كانت قائمة بالفعل بعرض عضلاتها ضد الفلسطينيين المنهكين والحصول على السيادة الرسمية، وذلك ما حدث في مايو 1948.
مشروع الدولتين في مرحلة عالمية جديدة:
أتت مرحلة جديدة من الهجوم الاستعماري على فلسطين مع نهاية الحرب العالمية أطلقها وصول قوتين عالميتين جديدتين إلى الشرق الأوسط لعبتا أدواراً إقليمية صغيرة في الماضي: الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفييتي. ولقد استشرفت الحركة الصهيونية هذا التغير في توازن القوة في العالم. وظَهَرَ هذا الاستشراف في إعلان سنة 1942 أثناء مؤتمر صهيوني رئيسي عُقد في فندق بيلتمور في نيويورك فيما سمي برنامج بيلتمور. حيث دعت الحركة الصهيونية للمرة الأولى علناً لتحويل "كامل فلسطين" إلى دولة يهودية. لقد طالب بن غوريون في هذا المؤتمر "أن تصبح فلسطين كومنولث يهودي". ومثلما كان اصطلاح "وطن قومي" كان هذا تعبيراً آخر عن سيطرة اليهود التامة على كامل فلسطين التي كانت دولة ثلثي سكانها من الغالبية العربية. ويرى الخالدي بأنها لم تكن مصادفة أن هذا المشروع الطموح قد أُعلن في الولايات المتحدة، وفي نيويورك بالذات حيث كانت ومازالت تضم أكبر جالية يهودية في العالم!. وهكذا، تبنى الرئيس الأمريكي ترومان هَدَفَ إنشاء دولة يهودية على أرض غالبيتها من العرب في سنوات ما بعد الحرب، وبالتالي، أصبحت الصهيونية جزءاً من مشروع السيطرة الأمريكية الناشئة في الشرق الأوسط بعدما كانت مشروعاً استعمارياً تدعمه الإمبراطورية البريطانية المتراجعة.
- على الصعيد العربي، فلقد حدث أمران مهمان بعد الحرب، وكانت لهما دلالة رمزية تشير إلى العقبات التي ستواجه الفلسطينيين. ففي مارس 1945 شكلت ست دول عربية الجامعة العربية تحت مظلة بريطانيا العظمى- مصر، سوريا، العراق، الأردن، لبنان، وممثل عن فلسطين- ولاحقاً انضمت السعودية واليمن للجامعة العربية. وكانت خيبة أمل الفلسطينيين المريرة بقرار الدول الأعضاء في هذه الجامعة عدم ذكر فلسطين في البيان الرسمي التأسيسي للجامعة العربية واحتفاظهم بالسيطرة على اختيار ممثلين عن فلسطين. كما منع رئيس الوزراء المصري المبعوث الفلسطيني موسى العلمي من حضور المؤتمر التأسيسي للجامعة العربية ثم ألغى قراره فوراً عندما حَصَلَ العلمي على رسالة من اللواء كليتون Clayton الذي كان مسؤول المخابرات البريطاني في القاهرة الذي سَمَح بمشاركته. إن هذه الدول لم تكن قد استقلت تماماً عن أسيادها المستعمرين السابقين. كان لبريطانيا بشكل خاص تأثير قوي على السياسات الخارجية لجميع تلك الدول، وهذا يعني أن الفلسطينيين لم يتمكنوا من الاعتماد على أي تأييد حقيقي من تلك الأنظمة العربية الضعيفة التابعة. والحدث الثاني الهام، هو تشكيل اللجنة الأنغلو - أمريكية للاستقصاء سنة 1946 م، حيث كانت نتائجها أعمق تأثيراً. لقد تم تأسيس تلك اللجنة بإشراف الحكومتين البريطانية والأمريكية لدراسة الوضع البائس الحرج للناجين من محرقة اليهود الذين وضع مئة ألف منهم في معسكرات لاجئين في أوروبا. فضل الأمريكان والصهاينة منح هؤلاء البائسين دخولاً فورياً إلى فلسطين، حيث لم تقبلهم أمريكا ولا بريطانيا. كانت الوكالة اليهودية قد مددت أذرعها وتحكمت في إدارة "الانتداب" بعصبة الأمم، بينما لم يكن لدى الفلسطينيين وزارة خارجية ولا دبلوماسيين، ولا أية إدارة حكومية، ولا قوة عسكرية منظمة مركزياً. عندما كانت الوفود الفلسطينية تتمكن من الاجتماع بمسؤولين أجانب سواء أكان ذلك في لندن أو في جنيف، كان يتم إخبارهم أنه ليس لديهم صفة رسمية وأن اجتماعاتهم كانت بالتالي ليست رسمية. بالمقارنة مع الإيرلنديين الذين كانوا الشعب الوحيد الذي نجح في تحرير نفسه (جزئياً) من الحكم الاستعماري بين الحربين، فمن المدهش أنه على الرغم من الانقسامات في صفوفهم فإن برلمانهم السري وفروعهم الحكومية الناشئة وقواتهم العسكرية المنظمة تمكنت في النهاية من التغلب على البريطانيين إدارياً وعسكرياً. لقد فشلت جميع المؤسسات العربية التي أنشأت بهدف تأسيس دولة فلسطينية. مثل الصندوق العربي الوطني سنة 1944 لكي تعمل بمثابة وزارة مالية للدولة الفلسطينية، وبشكل يناظر الصندوق القومي اليهودي الذي بلغ عمره آنذاك حوالي نصف قرن. ولا يقل عن ذلك سُوءاً اللجنة العربية العليا ذاتها التي كانت هيكل القيادة الفلسطينية التي أُسسَتْ سنة 1936 وحَلَّها البريطانيون سنة 1937 وأعيد إنشاؤها بعد الحرب. حيث كانت تحيطها الفوضى وسوء التنظيم والصراعات الداخلية. ويشير الخالدي بأن هذه اللجنة كانت غير قانونية وتم سجن جميع زعمائها أو نفيهم على يد البريطانيين خلال الثورة عام 1936، أو أنهم اضطروا للهرب خارج البلاد لتجنب القبض عليهم. نُفي بعضهم نهائياً مثلما حَدَثَ مع المفتي. عندما واجهت اللجنة فجأة المهمة الصعبة في توثيق القضية الفلسطينية وعرضها على لجنة الاستقصاء الأنغلو - أمريكية دون أن يكون لديها جهاز إداري، ولم تملك المهارات الفكرية بين أعضائها ولم يكن لديها هيكل حقيقي بالفعل. لذلك تم تشكيل مؤسسة جديدة أخرى بعد الحرب مباشرة هي "المكتب العربي" الذي كلفته اللجنة العربية العليا بتقديم القضية الفلسطينية إلى اللجنة الأنغلو - أمريكية. تم تأسيس المكتب كنواة لوزارة خارجية فلسطينية ودعمته بشكل رئيسي حكومة العراق المؤيدة لبريطانيا برئاسة نوري السعيد. كانت مهمة المكتب العربي دبلوماسية وإعلامية بهدف نشر التوعية عن القضية الفلسطينية. على العكس من بقية المؤسسات التي كانت تعمها الفوضى، كان المكتب العربي يضم مجموعة من الرجال المتميزين المتحمسين، منهم المحامي أحمد الشقيري الذي أصبح أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، والمؤرخ ألبرت حوراني والاقتصادي برهان الدجاني، ووصفي التل الذي أصبح رئيس وزراء الأردن. كان المكتب العربي واعداً بأداء أعمال الخدمات الدبلوماسية المهنية. ولكن في النهاية كل ذلك أدت إلى فشل جميع الجهود في تأسيس هياكل منظمة ذات كفاءة تستطيع تمثيلهم في المحافل الدولية. ولكن، ابتعدت مصر في النهاية من التعامل مع المكتب العربي بسبب تمويله الرئيسي من عراق نوري السعيد وحكومته المدعومة من بريطانيا. وشكك الزعماء العرب: مصر، سوريا، لبنان، السعودية بأن خَلق المكتب العربي كان وسيلة لتحقيق طموحات العراق في المنطقة. أعلنت جامعة الدول العربية في القاهرة والتي كانت تحت النفوذ المصري معارضتها للمكتب العربي مما حَدَّدَ كثيراً من قدراته وزاد في النهاية من إضعاف موقف الفلسطينيين. في أثناء ذلك كان لدى الملك عبدالله في الأردن طموحاته الخاصة في السيطرة على أكبر جزء ممكن من فلسطين وسعى في سبيل ذلك إلى التفاهم مع الصهاينة ومع داعميه البريطانيين في خطته هذه. لقد جرت محادثات سرية واسعة بين الملك عبدالله وزعماء الوكالة اليهودية- أصبح بعضهم رؤساء وزراء إسرائيل مثل موسى شاريت و غولدا مائير-. بينما اتجهت الأمم المتحدة نحو تقسيم فلسطين التقى الملك عبدالله معهم مراراً في السر أملاً في التوصل إلى اتفاق يضم فيه الأردن الجزء من فلسطين الذي كان سيخصص لأغلبيتها العربية. وقد منحهم الملك تأكيداته بأن الفلسطينيين سيتقبلون حكمه. كان الملك عبدالله في نزاع تنافسي على الفلسطينيين مع الملك فاروق في مصر. وخاض زعماء عرب آخرون أحياناً مفاوضات معقدة غامضة سرية مع الحركة الصهيونية لم تكن غالباً في مصلحة الفلسطينيين. في الوقت نفسه استمر كثير من الزعماء العرب في الاعتماد بقوة على علاقات شخصية مع مستشارين بريطانيين لا يمكن الاعتماد عليهم على الرغم من اضمحلال القوة البريطانية. بالنسبة إلى القوة الصاعدة في الولايات المتحدة الأمريكية فقد كان الزعماء العرب الذين تم اختيار أغلبهم من قبل أسيادهم الأوروبيين بسبب مرونتهم وليونتهم فقد أظهروا ضعفاً ممزوجاً بانخفاض مذهل في مستوى الخبرة وعدم الوعي للتغيرات الدولية. وجهل أجيال بعد أجيال من الحكام العرب بأسلوب عمل النظام السياسي الأمريكي والسياسة الدولية. كل ذلك حَرَمَ العالم العربي من أية فرصة لمقاومة التأثير الأمريكي أو لتغيير السياسة الأمريكية.
مشروع الدولتين ونكبة 1948م:
- الحكومة البريطانية سنة 1947 مشكلة فلسطين في أحضان منظمة الأمم المتحدة الوليدة والتي قامت بإنشاء لجنة خاصة بفلسطين، وذلك لتقديم مقترحات بشأن مستقبل البلد، وكانت القوى المسيطرة على الأمم المتحدة هي الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفييتي، وقد توقعت الحركة الصهيونية هذه التطورات بدهاء بفضل جهودها الدبلوماسية نحو هاتين الدولتين، إلا أن ذلك فاجأ الفلسطينيين والعرب تماماً. ظهر توازن القوى العظمى بعد الحرب في أعمال هذه اللجنة وفي تقريرها الذي صدر مؤيداً تقسيم فلسطين بطريقة كانت في صالح الأقلية اليهودية، فمنحتهم 56% من فلسطين مقارنة بالدولة اليهودية الأصغر بكثير (17%) التي اقترحتها خطة تقسيم لجنة بيل سنة 1937. كما ظهر تأثير توازن القوى العظمى الجديد كذلك في الضغط الذي أدى لإصدار قرار الجمعية العامة رقم 181 الذي صدر في 20 نوفمبر1947 أقر تقسيم فلسطين إلى دولة يهودية كبيرة ودولة عربية أصغر ووضع مدينة القدس كمنطقة منفصلة دولية. وهنا يؤكد الخالدي بأنه قد أصبح واضحاً أن الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفييتي قد لعبتا الدور الحاسم في التضحية بالفلسطينيين لصالح دولة يهودية تحل محلهم. وأن الرئيسين ترومان وستالين عندما ضغطوا لتمرير قرار التقسيم رقم 181 في الجمعية العمومية لم يمنحا أية أهمية لما يمكن أن يحدث للفلسطينيين. في تلك الأثناء لم يَعُدْ خَلقُ دولة يهودية هدف بريطانيا فقد اشتاطت غضباً بسبب الحملة الصهيونية العنيفة التي أخرجتها من فلسطين، كما أنها لم تعد ترغب بإثارة استياء رعاياها العرب فيما تبقى لها من إمبراطوريتها في الشرق الأوسط، ولذلك فقد امتنعت بريطانيا عن التصويت على قرار التقسيم. أدرك السياسيون البريطانيون منذ الورقة البيضاء سنة 1939 أن مصالح بلادهم الرئيسية في الشرق الأوسط هي مع الدول العربية المستقلة وليست مع المشروع الصهيوني الذي رَعَتْهُ بريطانيا على مدى عقدين من الزمن.
- جَرَتْ أحداث النكبة وكأنها حادثة تحطم قطار تجري ببطء وبلا نهاية على مدى أشهر عديدة. بدأت مرحلتها الأولى في 30 نوفمبر 1947 واستمرت حتى الجلاء النهائي للقوات البريطانية وتأسيس إسرائيل في 15 مايو 1948م. حيث قامت الميليشيات الصهيونية المسلحة مثل الهاغانا والإرغون وبالسيطرة الكاملة، ليست فقط على الأراضي الفلسطينية التي خصصت للدولة اليهودية، بل أيضاً معظم المدن والمناطق الفلسطينية التي كانت مخصصة للدولة الفلسطينية حسب قرار الأمم المتحدة رقم 181. وهكذا بدأ التطهير العرقي للفلسطينيين قبل إعلان دولة إسرائيل في 15 مايو 1948. إلا أن أحداً من اللاعبين الدوليين لم يحرك ساكناً لوقف هذا الخرق الفاضح لقرار التقسيم. وجاءت المرحلة الثانية بعد 15 مايو عندما هَزَمَ الجيش الإسرائيلي الجديد الجيوش العربية التي انضمت إلى الحرب متأخرة تحت ضغط كبير من الجماهير العربية التي كانت مستاءة جداً بسبب سقوط المدن والقرى الفلسطينية واحدة تلو أخرى، ووصول موجات من اللاجئين المحرومين إلى العواصم المجاورة. أدت خسارة الجيوش العربية إلى طرد 400000 من الفلسطينيين إلى الدول المجاورة في الأردن وسوريا ولبنان وإلى الضفة الغربية وغزة. وبعد توقيع اتفاقية الهدنة سنة 1949، تم تهجير أعداد أخرى بالقوة. والنتيجة الرئيسية الثالثة التي مازالت مستمرة من نتائج النكبة هي الضحايا. طرد مئات الآلاف من الفلسطينيين من بيوتهم أدى إلى عدم استقرار سوريا ولبنان والأردن التي كانت دولاً فقيرة ضعيفة حديثة الاستقلال، كما أدّى تهجير الفلسطينيين إلى عدم استقرار المنطقة لسنوات بعد ذلك. وهكذا يمكن فهم النكبة الفلسطينية كمأساة مستمرة، سواء في داخل فلسطين أو في دول الجوار. وعند هذا المفصل، يشير الخالدي بأن الملك عبدالله في الأردن هو الوحيد الذي استفاد من الحرب وتقسيم فلسطين، ولكن على المدى القصير. حيث كان يريد دائماً أن يحكم منطقة أكبر ورعايا أكثر من منطقة شرق الأردن الصغيرة القليلة السكان. حاول توسيع منطقة سيطرته بطرق عديدة مختلفة، وكان الاتجاه غرباً نحو فلسطين هو أوضح الطرق أمامه، وهذا يفسر المباحثات السرية الطويلة مع الصهاينة للتوصل إلى اتفاق يمنحه السيطرة على جزء من البلاد من أجل تحقيق هذا الهدف. لذلك وافق عبدالله سراً على توصيات سنة 1937 التي قدمتها لجنة بيل في تقسيم فلسطين - وكان الزعيم العربي الوحيد الذي وافق عليها-، والتي كانت ستقتطع جزءاً من القسم الفلسطيني العربي وتضمه إلى الأردن. كما عارض الملك عبدالله والبريطانيون السماح للفلسطينيين الاستفادة من قرار التقسيم سنة 1947 أو من الحرب التي تَبِعَتْ ذلك، ولم يرغب أي منهما بوجود دولة عربية مستقلة في فلسطين. توصلا إلى اتفاقية سرية لمنع ذلك بإرسال الجيش العربي عبر نهر الأردن حالما انتهى الانتداب لاحتلال الجزء الذي خُصص للعرب من فلسطين. انسجم هذا الهدف مع ما أرادته الحركة الصهيونية التي تفاوضت مع عبدالله لتحقيق الغاية نفسها. ويختتم الخالدي هذا الفصل بقدرة الجيش العربي الذي كان أداة تنفيذ طموحات عبدالله التوسعية، بمنع تقدم الجيش الإسرائيلي الجديد. وبفضل النفوذ البريطاني القوي، كان تسليح وتدريب الجيش العربي بريطانياً، بقيادة ضباط بريطانيين، وتمتع بخبرة قتالية أفضل من أي جيش آخر في الشرق الأوسط. ونَجَحَ في منع إسرائيل من احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية، وأحتفظ بتلك المنطقة للملك عبدالله.
أكدت حرب فلسطين على أفول شمس بريطانيا العظمى في الشرق الأوسط واستبدالها بالقوى العظمى المتصارعة الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفييتي. وعلى الرغم من صراعهما الشَّرس بعد الحرب، إلا أنهما اتفقتا على تأييد قرار تقسيم فلسطين وخلق دولة يهودية لأسباب مختلفة، وما أن تأسست دولة إسرائيل حتى سارعتا للاعتراف بها وقدَّمتا دعماً عسكرياً مصيرياً كان حاسماً في نصرها. ولم تُحاول أي من الدولتين عمل أي شيء للمساعدة في خلق الدولة العربية الموصوفة في قرار التقسيم، ولم تمنعا إلغاء وجود تلك الدولة من خلال تعاون صامت مع إسرائيل والأردن وبريطانيا. إلا أن دعم الدولتين العظيمتين لإسرائيل كان مختلفاً في دوافعه واستمراره وطبيعته، فسرعان ما غَضِبَ ستالين ورفاقه من زعماء الإتحاد السوفييتي من دولة افترضوا أنها ستكون تابعا اشتراكياً لهم. توقعوا أن إسرائيل ستمثل ثقلاً تقدمياً بمواجهة ما اعتبرته موسكو مخالب بريطانيا من الملوك العرب الحلفاء لبريطانيا في الأردن و العراق ومصر، وأنها ستتحالف تماماً مع الإتحاد السوفييتي. ولكن في عام 1950 اتخذت إسرائيل موقف الحياد خلال الحرب الكورية، وتقاربت مع الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح واضحاً أنها لن تكون حليفة للاتحاد السوفييتي. ورغم هذا الاعتقاد الستاليني المتأخر، إلا أن قرار الاتحاد السوفييتي بدعم تأسيس الدولة الصهيونية على أراضٍ عربية، ودون أي اعتبار للشعب الفلسطيني الذي كان منذ القدم يعيش عليها، هو خيانة واضحة للأفكار الاشتراكية، ومبدأ حق تقرير المصير للشعوب الراضخة تحت الاستعمار الرأسمالي. وغلبة مصالح الاتحاد السوفييتي في حربه الباردة، على حساب مصلحة وحاضر ومستقبل الشعب العربي الفلسطيني، اليهودي والمسيحي والمسلم منهم. ولعلني اتجرأ وأقول، بأن السبب "المسكوت عنه" في دعم الاتحاد السوفييتي لقيام دولة يهودية على الارض الفلسطينية، هو نفس السبب "المسكوت عنه" في الولايات المتحدة وعموم الدول الأوروبية، والمتمثل بالتخلص من اليهود في دولهم، لأسباب دينية وعقائدية وقيمية واقتصادية، لا مجال لذكرها في هذا البحث المختص فقط بجذور فكرة الدولتين في فلسطين!.
فكرة الدولتين بعد حرب 1967م:
- شكل وعد بلفور والانتداب البريطاني، أول إعلان حرب من قوة عظمى على الشعب الفلسطيني، وكان قرار الأمم المتحدة في التقسيم سنة 1947 يُمثل الإعلان الثاني، بينما أدت حرب 1967 إلى الإعلان الثالث. جاء ذلك الإعلان بشكل القرار 242 الصادر عن الأمم المتحدة. وفي هذا المقام، يشير الخالدي في كتابه بأنه تمت صياغة القرار بشكل أساسي على يد اللورد كارادون ممثل بريطانيا الدائم في الأمم المتحدة، ولكنه كان في الأساس يمثل وجهات نظر الولايات المتحدة وإسرائيل، كما عَكَسَ مَوقِف الدول العربية الضعيف وراعيهم الإتحاد السوفييتي بعد هزيمة يونيو الساحقة. على الرغم من أن القرار 242 أكد على "عدم قبول مبدأ الاستيلاء على أراض من خلال الحرب" إلا أنه ربط أي انسحاب إسرائيلي باتفاقيات سلام مع الدول العربية وضمان تأسيس حدود آمنة. يعني ذلك عملياً أن أي انسحاب سيكون مشروطاً، وبالفعل، لم يتم الانسحاب من الضفة الغربية والقدس الشرقية ومرتفعات الجولان بعد مرور أكثر من نصف قرن وبعد مرور عقود من المباحثات المباشرة وغير المباشرة. كما أن ربط الانسحاب الإسرائيلي من أراض محتلَّةٍ بِخَلقِ حدودٍ آمِنَةٍ معترف بها قد سَمَحَ حسب القرار 242 بأن تنطبق شروط الحدود الآمنة على حدود إسرائيل المتوسعة كما تقررها إسرائيل لنفسها، وأخيراً فقد سمحت لغة القرار 242 الغامضة بوجود ثغرة مفتوحة أخرى أتاحت لإسرائيل فرصة الاحتفاظ بمناطق محتلة: فقد حدد النص الإنكليزي الانسحاب من "مناطق مُحتلة" في حرب 1967 بدلاً من ذكر الانسحاب من "المناطق المحتلة". ولذلك، كان أبا إيبان مصراً بأن حكومته ستعتبر النَّص الإنكليزي الأصلي ملزماً وليس النص الرسمي الفرنسي المماثل الذي وَرَدَتْ فيه جملة "الأراضي المحتلة" بشكل لا يحتمل التأويل. تصرفت إسرائيل بكل حرية واستغلت هذه الثغرة اللغوية على مر نصف قرن بمساعدة أمريكا التي سَمَحَتْ لها باستيطان المناطق المحتلة من فلسطين وسورية.
تلك كانت بداية ما أصبح الفترة الكلاسيكية من الصراع العربي الإسرائيلي التي استمرت حتى نهاية الحرب الباردة، وطَوَّرَتْ خلالها أمريكا وإسرائيل تحالفاً فريداً شاملاً -ولكن غير رسمي- ارتكز أساساً على أن تظهر إسرائيل نفسها سنة 1967 كشريك يعتمد عليه ضد من اعتبروا عملاء للاتحاد السوفييتي في الشرق الأوسط. ظهرت معادلة جديدة دولية قانونية ضارة بالفلسطينيين من خلال قرار للأمم المتحدة، وكما حدث في وعد بلفور سنة 1917 لم تضم الوثيقة الرئيسية أي ذكر لفلسطين ولا للفلسطينيين. فلقد تعامل قرار مجلس الأمن رقم 242 مع القضية برمتها كمسألة بين الدول العربية وإسرائيل ومحى ذكر الفلسطينيين. لا يُشير النص إلى الفلسطينيين ولا إلى أكثر عناصر المسألة الفلسطينية الأصلية، وبدلاً عن ذلك أشار القرار بشكل عام إلى حل عادل لمشكلة "اللاجئين". إذا لم يُذكر الفلسطينيون ولم يُعترف بهم كطرف في النزاع، يمكن معاملتهم كمصدر إزعاج لا أكثر، أو كقضية إنسانية في أفضل الأحوال. وبالفعل، بعد سنة 1967 تم الاعتراف بهم غالباً في سياق الإرهاب الذي طَرَحَتْهُ إسرائيل وتم اعتماده من الولايات المتحدة الأمريكية. كرس القرار 242 بِعَدَمِ ذِكرِ الفلسطينيين عنصراً مصيرياً لإسرائيل في سياق المفاوضات، وبما أنه لا يوجد فلسطينيون فإنّ القضية الحقيقية الوحيدة هي رفض الدول العربية الاعتراف بإسرائيل واختراعها لقضية وهمية هي "مشكلة فلسطين" كسَبَبٍ لهذا الرفض سيطرت الصهيونية في الصراع المطرد على فلسطين منذ 1897، وقد مَنَحَها قرار مجلس الأمن 242 شرعية لادعاءاتها الكبيرة ووجه ضربة قوية للفلسطينيين المهجرين والمقيمين تحت الاحتلال. بعد ذلك بسنتين فقط في سنة 1969 أعلنت غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل تصريحها الشهير (لم يكن هنالك شيء اسمه الفلسطينيون... لأنهم لم يوجدوا، ولم يوجدوا أبداً في الأصل). ولعل ما كان الأكثر أهمية هو أن القرار 242 قد منح الشرعية بالفعل لحدود الهدنة لسنة 1949 باعتبارها حدود الأمر الواقع لدولة إسرائيل التي أصبحت تعرف باسم حدود 1967 أو الخط الأخضر، وبالتالي القبول بشكل غير مباشر باحتلالها لأغلب مناطق فلسطين في حرب 1948. امتد الفشل في ذكر القضايا الأساسية التي ترجع إلى سنة 1948 إلى إهمال حقوق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى بيوتهم والحصول على تعويضات، وكانت تلك ضربة أخرى لآمالهم. كانت الأمم المتحدة تبتعد في القرار 242 عن التزامها بهذه الحقوق التي أقرتها الجمعية العمومية في القرار رقم 194 في ديسمبر 1948، ومرة أخرى تعاملت الدول العظمى مع الفلسطينيين بأسلوب متعجرف، فأهملت حقوقهم، واعتبروا أنهم لا يساوون شيئاً ولا يستحقون ذكرهم بالاسم في القرارات الدولية الأساسية التي هَدَفَتْ إلى حل الصراع وتقرير مصيرهم. ولقد كانت نتيجة التركيز التام لهذا القرار على نتائج حرب 1967 هي تجاهل القضايا الأساسية التي نتجت عن حرب 1948م والتي لم تحل في العقدين الماضيين بين الحربين، مثل طرد اللاجئين الفلسطينيين، وعدم السماح لهم بالعودة، وسرقة ممتلكاتهم، ورفض حق تقرير المصير للفلسطينيين، وضم الوضع القانوني للقدس وتوسع إسرائيل فيما وراء حدود قرار التقسيم في سنة 1947. أما بالنسبة إلى المشاكل الجوهرية التي نشأت بسبب اغتصاب فلسطين، فإن القرار 242 لم يشر إليها ولم يقدم أية حلول. وعلى الرغم من ذلك فقد أصبح القرار الأساس الذي يستند إليه حَل الصراع بأكمله، وتم قبوله عملياً من جميع الأطراف الدولية والإقليمية والعربية. زاد القرار 242 من تفاقم الأزمة لأن حصر الخلاف ضمن أبعاده بين الدول المتنازعة بعد 1948 بحيث أتاح الفرصة لتفكيك التحديات التي تواجهها إسرائيل إلى أجزاء متوازية منفصلة تدور بين كل دولة على حدة، بحيث يُمكن التعامل مع كل واحدة منها بشكل منعزل، تماماً مثلما أرادت إسرائيل والولايات المتحدة، مع تجاهل أصعب الأسئلة وأكثرها إزعاجاً، فبدلاً من الاضطرار لمواجهة موقف عربي موحد والانشغال بقضايا صعبة تتعلق بالفلسطينيين، كانت أمام إسرائيل مهمة أسهل بكثير والتعامل بشكل ثنائي مع شكاوى كل دولة عربية على حدة بشأن أراضيها المحتلة مع تهميش الفلسطينيين. ومثلما كشف هنري كيسنجر عن الهدف الأساسي من هذه "الخدعة" الدولية، بأنهم نجحوا طوال هذه السنين بمنع خلق حالة عربية تؤدي إلى وحدة عربية!.
فكرة الدولتين وتحولات الموقف في منظمة التحرير الفلسطينية:
- تمكنت منظمة التحرير من خلق تراكمات سياسية ودبلوماسية منذ معركة الكرامة الملحمية في مارس 1968 بعد تسعة أشهر من الحرب 1967م. هذه المعركة الذي اعتبرها الخالدي نعمة إلهية لحركة المقاومة الفلسطينية كموقف كرامة عربية بديلة عن فشل الأنظمة العربية التي كانت تقود وتتفاوض باسم الشعب الفلسطيني. وبعدها بسنوات قليلة تتالت النجاحات لمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث حققت المنظمة في الجمعية العمومية للأمم المتحدة وفي مجالات أخرى مستويات عالية من الاعتراف الدبلوماسي ونجحت إلى حَدٍ ما في عزل إسرائيل. اعترفت جامعة الدول العربية بمنظمة التحرير سنة 1974 كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، وافتُتحت بعثات دبلوماسية لمنظمة التحرير في أكثر من 100 دولة. وكانت دعوة ياسر عرفات للحديث في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في تلك السنة أعظم نصر دبلوماسي في تاريخ فلسطين بعد عقود كثيرة من عدم الاعتراف بها في عصبة الأمم وفي الأمم المتحدة ومن جهة القوى العظمى. ولكن، ومع قرار الرئيس المصري، أنور السادات في عقد اتفاقيات "السلام" مع الكيان الصهيوني، انحصرت منظمة التحرير في إشكالية: كيف تستطيع تحقيق الآمال الوطنية الفلسطينية في تحرير الأرض الفلسطينية من خلال المشاركة في اتفاقية سلام في الشرق الأوسط، في حين أن الشروط المعترف بها دولياً لمثل هذه الاتفاقية تتمثل في القرار 242 الذي ينفي هذه الآمال؟ كانت هذه الإشكالية تشبه كثيراً الإشكالية التي طرحها وعد بلفور والانتداب على فلسطين، فلكي يتم الاعتراف بالفلسطينيين يجب عليهم قبول صيغة دولية تم تصميمها بحيث تنفي وجودهم. لقد كان شعار "العودة" مركزياً بالنسبة للفلسطينيين دائماً. ولم يعتبروا وجود شعبين في فلسطين يتمتع كل منهما بحقوق قومية أمراً منطقياً. كان الإسرائيليون بالنسبة لهم لا أكثر من مستوطنين ومهاجرين أجانب في بلدهم. كان ذلك الموقف مماثلاً تماماً لموقف أغلب الإسرائيليين الذين آمنوا بأن هنالك شعب واحد له حقوق قومية في "أرض إسرائيل" هو الشعب اليهودي، بينما لم يكن العرب أكثر من متطفلين عابرين. ولذلك، بلغت ذروة التعبير لأهداف النضال الفلسطيني في الميثاق الوطني الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964م، حيث نص الميثاق على "أن فلسطين دولة عربية يمتلك الحقوق القومية لها من كان يعيش فيها قبل عام 1917 وذُرِّيَتهم فقط، ويشمل ذلك اليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين آنذاك، ولا يشمل الذين هاجروا إليها بعد صدور وعد بلفور، وعلى هؤلاء أن يُغادروها". يعني إعادة الساعة إلى الوراء وإعادة تشكيل فلسطين إلى دولة عربية من جديد. تم تبني هذه الأفكار من جهة جامعة الدول العربية وليس من جهة منتخبة أو تمثل الفلسطينيين. ولكن، بدأت تتغير هذه الأهداف سريعاً مع تغير الظروف وتحوّل السياسات الفلسطينية بعد 1964. عندما سيطرت فتح وفصائل المقاومة الأخرى على منظمة التحرير سنة 1968 حيث وضعت الحركة الوطنية هدفاً جديداً هو تبني فكرة فلسطين كدولة ديموقراطية واحدة لجميع مواطنيها من اليهود والعرب- أشارت بعض الشعارات إلى دولة علمانية ديموقراطية-. قَصَدَ ذلك إلى تجاوز الأهداف التي وضعت في الميثاق الوطني والاعتراف بأن يهود إسرائيل قد حصلوا على حق المعيشة في فلسطين ولا يمكن طردهم. دلَّ التغيير أيضاً على إعادة تشكيل صورة منظمة التحرير لكي تصبح أكثر قبولاً لدى الإسرائيليين الذين تمت معاملتهم في ميثاق سنة 1964 وكأنهم غير موجودين. كان إعلان أن اليهود والعرب الذين يعيشون في فلسطين يحق لهم أن يكونوا مواطنين متساوين في البلاد يمثل تطوراً كبيراً في تفكير الحركة، غير أن اقتراح الدولة الديموقراطية الواحدة لم يعترف بالإسرائيليين كشعب له حقوق قومية ولم يقبل بشرعية دولة إسرائيل ولا بالصهيونية.
- قبول هذا الهدف الجديد تدريجياً بشكل واسع بين الفلسطينيين. وفي النهاية، حَلَّ مَحَلَّ الميثاق الأصلي الذي أصبح قديماً، إلا أن هذه التغيرات الأساسية تم تجاهلها بإصرار لدى غالبية الإسرائيليين وفَشِلَ في إقناع كثير من الغربيين. والأكثر أهمية من ذلك هو أن تحقيق هَدَفٍ على هذه الدرجة من الأهمية كان سيحتاج إلى تبديل إسرائيل بدولة جديدة في فلسطين تَحِلُّ مَحلَّها. وهذا يعني تغيير ما أعتبر إجماعاً دولياً منذ 1947 على وجود إسرائيل كدولة يهودية كما وَرَدَ في قرار الجمعية العمومية رقم 181. لا يمكن تحقيق مثل هذا التغير ألا بحدوث تحوّل جذري ثوري في توازن القوى داخل فلسطين، وعلى المستوى الدولي، ولا يستطيع الفلسطينيون تحقيق ذلك ولا حتى محاولة ذلك لوحدهم. كما أنهم لم يتمكنوا من الاعتماد على النظم العربية. وفي هذا الشأن يتفق المفكر المصري الموسوعي عبدالوهاب المسيري، في موسوعته (الإيديولوجية الصهيونية) مع هذا الحل، بشروط معينة. فهو يقترح وجود اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ الحديثة اﻟﺘﻲ ﺗﻀﻢ الفلسطينيين واﻹﺳﺮاﺋﻴﻠﻴين وﺿﻤـﺎن الحقوق المدنية واﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ اﻟﻜﺎﻣﻠﺔ ﻟﻜﻞ اﻷﻗﻠﻴﺎت-بما ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﻴﻬﻮد في ﻛﻞ أﻧﺤﺎء اﻟﻌﺎﻟﻢ-. ويرى بأن ﻫﺬا الحل المعقول ﻳﺘﻮﺟﻪ ﻟﻜﻞ ﻋﻨﺎﺻﺮ المشكلة الحقيقية وﻳﺴﺘﺒﻌﺪ ﻛﻞ اﻟﻌﻨﺎﺻﺮ اﻟﻮﻫﻤﻴﺔ، ﻓﻬﻮ ﻳﺘﻮﺟﻪ إﻟﻰ اﻟﻌﻨﺼﺮ اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻲ الأصيل، واﻟﻰ اﻟﻌﻨﺼﺮ اﻹﺳﺮاﺋﻴﻠﻲ اﻟﺪﺧﻴﻞ. وﻳﺤﺎول أن ﻳﺠﺪ إﻃﺎراً ﻳﻌﺒﺮ ﻛﻞ ﻓﺮﻳﻖ ﻣﻦ خلاله ﻋﻦ ﺷﺨﺼﻴﺘﻪ المستقلة دون أن ﻳﺘﺠﻨﻰ ﻋﻠﻰ ﺣﻘﻮق اﻵﺧﺮﻳﻦ. وﻫﻮ ﻳﺴﺘﺒﻌﺪ العناصر اﻟﻮﻫﻤﻴﺔ ﻣﺜﻞ اﻻدﻋﺎء اﻟﻘﺎﺋﻞ ﺑﺄن اﻟﻴﻬﻮد ﻳﻜﻮﻧﻮن ﺷﻌﺒﺎً واﺣﺪاً، وان اﻟﻴﻬﻮد السفارد واﻻﺷﻜﻨﺎز واﻟﻴﻬﻮد اﻹﺻﻼحيين واﻷرﺛـﻮذﻛـﺲ والمحافظين واﻟﻴﻬﻮد المتدينين والملحدين، واﻟﺬﻳﻦ ﻳﺘﺤﺪﺛﻮن اﻟﻴﺪﻳﺸﻴﺔ واﻟﻌﺒﺮﻳﺔ واﻟﻌﺮﺑﻴﺔ والإنجليزية واﻟﻼتينية واﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ والألمانية واﻟـﺮوﺳـﻴـﺔ، وﻳﻬﻮد اﻟﻔﻼﺷﻪ اﻟﺴﻮد ﻓﻲ الحبشة، وﺟﻤﺎﻋﺔ ﺑﻨﻲ إسرائيل ﻓﻲ اﻟﻬﻨﺪ، واﻟﻴﻬﻮد اﻟﺸﻘﺮ ﻓﻲ اﻟﻐﺮب، واﻟﺴﻤﺮ ﻓﻲ اﻟﺸﺮق. ﻛﻞ ﻫﺆﻻء ﻳﻜﻮﻧﻮن كتلة واحدة-المسيري يسميهم شعباً واحداً!- وﻫـﻮ ﻳﺴﺘﺒﻌﺪ أﻳﻀﺎً الحقوق "المقدسة" والمطلقة و"حق" ﻳـﻬـﻮد ﻧـﻴـﻮﻳـﻮرك أو ﻳـﻬـﻮد ﺑﻴﺮو أو ﺟﺒﺎل الملايا أن ﻳﻬﺎﺟﺮوا إﻟﻰ أرض الميعاد ﻓﻲ أي وﻗﺖ ﻳﺸﺎءون. فهذه الأرض هي ليست أرض الميعاد، وإنما هي "فلسطين العربية". ﻛﻤﺎ ﻳﺴﺘﺒـﻌـﺪ "ﺣـﻖ" إﺳـﺮاﺋـﻴـﻞ ﻓـﻲ أن ﺗـﺴـﺘـﻮﻟـﻲ ﻋـﻠـﻰ اﻷرض اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻟﺘﻮﻃﻴﻨﻬﻢ ﻓﻴﻬﺎ. ولكنه يرى بأن هذا الحل المقترح الذي ﻳـﺆﻛـﺪ على حق ﻛﻞ ﻳﻬﻮدي أن ﻳﺤﺼﻞ ﻋﻠﻰ ﺣﻘﻮﻗﻪ المدنية واﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻓﻲ وﻃﻨﻪ. بأن على اﻟﻌﺮب أن ﻳﺘﻌﺎﻣﻠﻮا ﻣﻊ ﻣﺸﻜﻠﺔ ذات أﺑـﻌـﺎد ﻣﺤﺪودة ﻫﻲ: المسألة اﻹﺳﺮاﺋﻴﻠﻴﺔ، ﻣﺴﺄﻟﺔ اﻟﺜﻼﺛﺔ ملايين من المواطنين اﻹﺳﺮائيليين اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺘﺤﺪﺛﻮن اﻟﻌﺒﺮﻳﺔ، واﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﻳﻌﺮﻓﻮن ﻟﻬﻢ وﻃﻨﺎ آﺧﺮ غير فلسطين، واﻟﺬﻳﻦ ﻣﻦ ﺣﻘﻬﻢ أن ﻳﺤﺘﻔﻈﻮا ﺑﻬﻮﻳﺘﻬﻢ الحضارية المستقلة. ويعتقد المسيري بأن هذه المشكلة ليست مستعصية ﻋﻠﻰ الحل على اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﻛﻞ المصاعب اﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﻮاﺟﻬﻨﺎ. ﻓﺎﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻌﺮﺑـﻲ يضم أغلبية ﻋﺮﺑﻴﺔ ﺗﺘﺤﺪث اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، وﻟﻜﻨﻪ ﻳﻀﻢ أﻳﻀﺎً ﻋﺸﺮات الجماعات اﻷﺧﺮى اﻟﺘﻲ لها ﻫﻮﻳﺎت وﺣﻀﺎرات ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻻ ﻳﺤﺎول اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻌﺮﺑﻲ اﺑﺘﻼﻋﻬﺎ أو ﺗﺪﻣﻴﺮﻫﺎ ﻃﺎلما أﻧﻬﺎ ﻻ تتعدى ﻋﻠﻰ ﺣﻘﻮق اﻷﻏﻠﺒﻴﺔ، وطالما أﻧـﻬـﺎ ﻻ تمثل ﺧﻄﺮاً ﻋﻠﻰ ﻓﻜﺮة ﺗﻮﺣﻴﺪ اﻟﻌﺎﻟﻢ العربي. ومع كل هذه الحيثيات، يؤكد المسيري بأنه ﻻ يمكن أن ﻳﺘﺤﻘﻖ ﻫﺬا الحل اﻹﻧﺴﺎﻧﻲ إﻻ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﻌﺮب وﺣﺪﻫﻢ، ﻓﻬﻢ وحدهم اﻟﻌـﻨـﺼـﺮ الحر اﻟـﺬي يمتلك ﺣﺪاً ﻣﻌﻘﻮﻻً ﻣﻦ ﺣﺮﻳﺔ الحركة واﻹرادة. حيث أنه يؤمن ﺑﺄن اﻟﺘﻨﺎﻗﻀﺎت اﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻹﺳﺮاﺋﻴﻠﻲ ﻣﻬﻤﺎ ﺑﻠﻐﺖ ﻣﻦ ﺣﺪة ﻓﻠﻦ يمكنها إحداث اﻟﺘﻐﻴﻴﺮ ﻓﻲ الاتجاه المطلوب، لأن اﻟﺒﻨﻴﺔ اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ ﻟﻠـﻤـﺠـﺘـﻤـﻊ الإسرائيلي ﻛﻔﻴﻠﺔ ﺑﺈﺣﺒﺎط ﻛﻞ إﻣﻜﺎﻧﻴﺎت اﻟﺮﻓﺾ الحقيقية. ولكل هذه الأسباب، فإنه يرى بأن اﻟﺼﻴﻐﺔ المثلى ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﻫﺬا الحل ﻫﻮ ﻣﺎ ﺳﻤاه بـ"الحوار المسلح"، أي أن ﻳـﺤـﺎول اﻟـﻌـﺮب الكشف ﻋﻦ اﻟﻌﻨﺎﺻﺮ اﻟﻌﻘﻼﻧﻴﺔ اﻟﺜﻮرﻳـﺔ داﺧـﻞ اﻟﻤﺠـﺘـﻤـﻊ اﻹﺳـﺮاﺋـﻴـﻠـﻲ، وﻓـﻲ ﺻﻔﻮف اليهود اﻟﺸﺘﺎت، وأن تنبنيها وتشجيعها والتحاور معها. مع التأكيد بأن هذا الحوار وﺣﺪه إن ﻟﻢ ﺗﺴﺎﻧﺪه اﻟﻘﻮة العربية اﻟﻀﺎﻏﻄﺔ، وإن ﻟﻢ ﻳﺴﺎﻧﺪه اﻟﻜﻔﺎح المسلح ﻓـﻠـﻦ ﻳﺠﺪي ﻓﺘﻴﻼً ﺣﺘﻰ وﻟﻮ ﻛﺎن ﻣﻊ أعقل اﻟﻌﻘـﻼء ﻣـﻦ اﻹﺳـﺮاﺋـﻴـﻠـﻴـين وأﻛـﺜـﺮﻫـﻢ ﺣﻜﻤﺔ وﺛﻮرﻳﺔ. ﻓﻤﺜﻞ ﻫﺬا الحوار اﻟﻤﺠﺮد سيكون بمثابة دﻟﻴﻞ ﺗﺴﺘﺨﺪﻣﻪ اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ الحاكمة لتبين ﻣﺪى ﺿﻌﻒ اﻟﻌﺮب وتخاذلهم أﻣﺎم الزحف المطلق للصهيونية المسلحة. وهنا، يوضح المسيري بأن هذا "الحوار المسلح" ﻟﻴﺲ دﻋﻮى ﻟﻠﺼﻠﺢ ﻣﻊ الصهيونية، ذلك أنه يؤمن إيماناً مطلقاً ﺑﺄﻧﻪ ﻻ ﺳﻼم وﻻ ﺻﻠﺢ وﻻ ﺣﻮار ﻣﻊ اﻹﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ الصهيونية، سواء داﺧﻞ إﺳﺮاﺋﻴﻞ أو ﺧﺎرﺟﻬﺎ. فديناميتها ومؤسساتها ﻣﺒﻨﻴﺔ ﻋﻠﻰ الحد الأقصى ﻣﻦ اﻟﻌﻨـﻒ اﻟـﻔـﻜـﺮي واﻟـﻌـﻘـﻠـﻲ. ولذلك، فإن هذه الدعوة للحوار، ﺗـﻘـﻊ ﺧـﺎرج ﻧـﻄـﺎق اﻟـﺼـﻬـﻴـﻮﻧـﻴــﺔ ﻛــﻠــﻴــﺔ، وتنطلق ﻓــﻲ رﻓــﺾ لكل مقوماتها ونتائجها. ﻛﻤﺎ أن ﻫﺬه اﻟﺪﻋﻮى ﻟﻠﺤﻮار ﻟﻴﺴﺖ دﻋﻮى ﻟﻠﺴﻼم المبني ﻋﻠﻰ اﻻﺳﺘﺴﻼم واﻟﺘﻨﺎزل الذي أدى إﻟﻰ اﺣﺘﻼل ﻟﺒﻨﺎن وذﺑﺢ اﻟﻔﻠﺴﻄﻴنيين ﻓﻲ ﺑﻴـﺮوت، ﺑـﻞ هي دﻋـﻮى ﻷن ﻳـﻘـﻮم اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻌﺮﺑﻲ ﺑﺪوره اﻟﺘﺎرﻳﺨﻲ كي ﻳﺤﺮر أرﺿﻪ وﻳﺤﺮر ﻧﻔﺴﻪ من اﻟﻬﺠﻤﺔ اﻟﻌﻨﺼﺮﻳﺔ الإمبريالية/اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ. وهو إن ﺣﺮر ﻧﻔﺴﻪ وأرﺿﻪ، فسوف ﻳﺤﺮر أﻳﻀﺎً اﻹﺳﺮاﺋﻴﻠﻴين وﻳﻬﻮد اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻣﻦ ﻫﻴﻤﻨﺔ إﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ﻏﻴﺒﻴﺔ ﻋﻨﺼﺮﻳﺔ، تسمى الصهيونية.
من فكرة الدولتين إلى الترويج لمشروع الدولتين:
قادت تغيرات الظروف الإقليمية كثيراً من قيادات التنظيمات الأعضاء في منظمة التحرير إلى تغيير أهدافهم تحت تأثير عدد من العوامل الموضوعية والذاتية. فقد أعلنت جامعة الدول العربية في مؤتمر القمة الذي عُقد في مدينة الخرطوم سنة 1967 أنه لا سلام ولا اعتراف ولا مفاوضات مع إسرائيل- اللاءات الثلاث التي تم ترديدها في الإعلام الإسرائيلي-. بينما في واقع الحال رَحْبَتْ مصر والأردن بالوساطة مع إسرائيل عبر الممثل الخاص للأمم المتحدة غونار يارنغ، ثم بوساطة وزير الخارجية الأمريكي ويليام روجرز. تم تجاوز مؤتمر الخرطوم من جهة أقوى الدول العربية على حدود إسرائيل بقبولها قرار مجلس الأمن رقم 242 واعترافها من حيث المبدأ بأن جارتها لها الحق بحدود آمنة معترف بها. ولم يبق إلا أن تتفاوض الدول العربية مع إسرائيل على هذه الحدود والشروط الأخرى لاتفاقية سلام. فماذا كانت ردة الفعل الفلسطينية والسوفيتية؟. لقد تمكنت هذه التطورات والمواقف العربية، من الضغوط في بداية السبعينيات على منظمة التحرير، وبشكل خاص التحريض القادم من الإتحاد السوفييتي، بضرورة تبني المنظمة خاصة، والعرب عامة لمشروع وجود دولة فلسطينية إلى جانب "دولة إسرائيل"، أي حل الدولتين. تم دفع هذا الحل بشكل رئيسي من جهة الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين التي انشقت عن الجبهة الشعبية سنة 1969، بالإضافة إلى فصائل مدعومة من سورية بتشجيع حذر من قيادات فتح. على الرغم من وجود معارضة مبكرة لحل الدولتين من طرف الجبهة الشعبية وبعض عناصر فتح، إلا أنه أصبح واضحاً مع مرور الوقت أن عرفات وقادة آخرين أيدوا ذلك.
منذ وعد بلفور، وبعده ما تضمنه تقرير لجنة بيل بشأن فكرة الدولتين، ثم قرار عصبة الأمم بإعلان تأسيس الكيان الصهيوني، ودولة فلسطينية صغيرة. كانت فكرة الدولتين بمثابة "مؤامرة" استعمارية غربية، بموافقة صهيونية. ولكن بعد إعلان منظمة التحرير، تحولت الفكرة "التآمرية" إلى مشروع سياسي فلسطيني!. وهنا، يشير الخالدي في كتابه إلى أن عملية التحول هذه في الابتعاد التدريجي عن الهدف العظيم لإنشاء دولة واحدة ديموقراطية بما فيه من انعكاسات ثورية، نحو هدف آخر ظاهر أكثر واقعية لإنشاء دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل يمكن تحقيقه بالمفاوضات استناداً إلى القرار 242 ، لم تكن الطريق نحو هذه التحولات سهلة على منظمة التحرير التي لم تقبل حل الدولتين استناداً إلى هذا القرار الأممي. إلا بعد أن تلقت الحركة الوطنية الفلسطينية ضربات موجعة منذ النكبة، فحرب ثم تنفيذ إسرائيل باغتيالات زعماء منظمة التحرير في بيوتهم في بيروت الغربية عام 1973. كانت هذه الاغتيالات عنصراً مركزياً في سعي إسرائيل لتحويل الدولة بأكملها من النهر إلى البحر من دولة عربية إلى دولة يهودية، وذلك عن طريق الإبادات الجماعية والتهجير من جهة، واغتيال القيادات الفلسطينية باعتباره اغتيالاً "سياسياً" بمعناه اللفظي حرفياً.
وجاءت الضربة الموجعة فترة الحرب الأهلية اللبنانية في 1975م التي استمرت 15 عاماً، حيث لا توجد صور أكثر تعبيراً عن الاحتمالات الصعبة التي واجهت الفلسطينيين أثناء الحرب اللبنانية من صور الضباط الإسرائيليين والسوريين الذين جمعهم في لبنان هنري كيسنجر لكسر ظهر "منظمة التحرير الفلسطينية"، بينما أدار زعماء القوات اللبنانية مذابح في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. ثم جاءت الحرب الرابعة عام 1982م بغزو صهيوني للبنان وتطور إلى حصار لبيروت وانتهى أخيراً بوقف إطلاق النار في 12 أغسطس. لقد كان غزو لبنان نقطة تحول في الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين وكانت أول حرب كبيرة منذ 15 مايو 1948 استهدفت الفلسطينيين وليس جيوش الدول العربية. وهي التي أنضجت فكرة الدولتين لتتحول إلى مشروع عربي وفلسطيني. لقد كان الهدف الأكبر للصهاينة من هذا الغزو هو تدمير منظمة التحرير عسكرياً ونزع قوتها في لبنان، والذي سيضع كذلك نهاية للقوى الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة وفي قطاع غزة والقدس الشرقية كذلك، وسيصبح سهلاً على إسرائيل السيطرة على تلك المناطق والاستيلاء عليها في النهاية. في هذه الفترة صدرت مبادرة دبلوماسية أمريكية جديدة للشرق الأوسط، وذلك في الأول من سبتمبر، والتي سُمِّيَتْ فيما بعد "خطة ريغان".
- الخطة ستضع حدوداً للمستوطنات الإسرائيلية، وتخلق سلطة فلسطينية بحكم ذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة، غير أنها استبعدت وجود دولة فلسطينية ذات سيادة في تلك المناطق. خطة ريغان التي لم تفرضها الولايات المتحدة بقوة أبداً، بل أسقطتها حكومة بيجن بسهولة كبيرة. أدركت منظمة التحرير أنها لن تتوقع دعماً كبيراً من الأنظمة العربية، ولا من حلفائها كالاتحاد السوفييتي. ولذلك، وبعد مفاوضات "ملحمية" وافقت المنظمة على مغادرة بيروت وذلك في الثاني عشر من أغسطس. هزيمة منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان سنة 1982م، أصبحت عالقة في منفى عقيم منهك في تونس وعواصم عربية أخرى. أهدرت طاقتها في محاولة غير مثمرة في البداية لكسب قبول الولايات المتحدة الأمريكية كمحاور وسيط، وكسب إسرائيل كشريك في اتفاقية سلام.
الانتفاضة الفلسطينية والإعلان عن قبول الدولتين:
انطلقت الانتفاضة الشعبية الأولى داخل فلسطين، وذلك في سنة 1987م. وفي سنة 1988 ضاعفت المنظمة جهودها مدعومة بالتأثير الدولي للانتفاضة، فتوصلت إلى إعلان استقلال فلسطين الذي اتَّخِذَ في اجتماع للمجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر في 15 نوفمبر. يشير الخالدي بأنه قد تمت صياغة وثيقة هذا الإعلان بشكل رئيسي من طرف محمود درويش وساعده إدوارد سعيد وشفيق الحوت. حيث تخلت الوثيقة رسمياً عن مطالبة منظمة التحرير الفلسطينية بكامل أرض فلسطين وقَبِلَتْ مبدأ التقسيم وحَلَّ الدولتين والحل السلمي للصراع. أرفقت بها مذكرة سياسية قَبِلَتْ قراري مجلس الأمن رقم 242 ورقم 338 كأساس لمؤتمر سلام. نشأت هذه التحولات السياسية الكبيرة في منظمة التحرير الفلسطينية عن تراكم تطورات بدأت منذ أوائل السبعينيات نحو قبول وجود إسرائيل وتأييد وجود دولة فلسطينية إلى جانبها، على الرغم من أن هذه التغيرات لم يعترف بها خصومها الإسرائيليون. سيتبع ذلك تغيّر أكثر أهمية فيما بعد، ففي 14 سبتمبر من تلك السنة قبل عرفات شروطاً أمريكية للدخول في مفاوضات ثنائية، واعترف بِحَقِّ إسرائيل في الوجود بأمن وسلام والتخلي عن "الإرهاب!". هذا الرضوخ الفلسطيني للشروط الأمريكية الذي حقق للمنظمة- أخيراً- على انفراج مع واشنطن طال السعي إليه، إلا أنه لم يدفع الإسرائيليين للموافقة على التفاوض مع المنظمة ولا إلى بدء مباحثات سلام إلا بعد ثلاث سنوات أخرى. لقد منحت الانتفاضة الشعبية لمنظمة التحرير هدية لا تقدر بثمن ومخزناً من الثروة الأخلاقية والسياسية، وأتلفت موقف إسرائيل الدولي وحسَّنَتْ موقف الفلسطينيين ووضعت فلسطين من جديد على خريطة العالم. بل ويؤكد الخالدي بإن الانتفاضة كان لها تأثير أكثر إيجابية على الرأي العام العالمي من كل جهود منظمة التحرير. ولقد أكد على ذلك ناحوم أدموني الذي كان رئيس الموساد في تلك الفترة، بقوله: "سببت الانتفاضة لنا ضرراً سياسياً أكثر بكثير، وآذت سمعتنا أكثر من كلّ ما نَجَحَتْ منظمة التحرير الفلسطينية في عمله منذ وجودها". ولكن، ومقابل ذلك، استغلت قيادة منظمة التحرير هذه المكاسب المهمة الجديدة من التخلي رسمياً عن إستراتيجيتها في الكفاح المسلح من قواعد خارج فلسطين. وهو ما كان مستحيلاً على أية حال بعد 1982م. ويوضح الخالدي بإن سذاجة منظمة التحرير الفلسطينية بشأن الولايات المتحدة الأمريكية سرعان ما أصبحت واضحة. فرغم اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية في حد ذاته والحصول على مقعد على طاولة المفاوضات ليست أهدافاً استثنائية، حيث كل حركة مناهضة للاستعمار سواء في الجزائر أو فيتنام أو أفريقيا الجنوبية كانت تَرغَبُ باعتراف خصومها بشرعيتها وبالتفاوض معها للتوصل إلى نهاية مشرفة في الصراع. غير أنه في جميع تلك الحالات فإن النهاية المُشَرِّفَة للصراع كانت تعني إنهاء الاحتلال والاستعمار، والتوصل بشكل مثالي إلى مصالحة سلمية تستند إلى العدل. كان ذلك هو الهدف الرئيسي للمفاوضات الذي سَعَتْ إليه بقية حركات التحرر. ولكن بدلاً من استغلال نجاح الانتفاضة للتمسك باجتماع يُصاغ بشروط لمثل هذه الأهداف التحررية، فقد سَمَحَتْ منظمة التحرير الفلسطينية لنفسها بأن تنجر إلى عملية صَمَّمتها إسرائيل بكل وضوح مع إذعان الولايات المتحدة لإطالة مدى احتلالها واستعمارها وليس لإنهائهما. وهكذا بدأت الخطوات نحو تحقيق اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير وإسرائيل، وذلك عندمابدأت المفاوضات في مدريد خريف سنة 1991م. ومن ثم إعلان الاتفاقية بين الإسرائيليين ومنظمة التحرير التي تم توقيعها في حديقة البيت الأبيض في سبتمبر 1993. وبموجبها اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني واعترفت منظمة التحرير بدولة إسرائيل.
. ولكن إسرائيل لم تعترف بدولة فلسطينية ولم تلتزم حتى السماح بخلق تلك الدولة. كان تلك معاملة غريبة حصلت فيها حركة تحرر وطني على اعتراف إسمي من مُضَطَهِدِيها دون أن تحقق التحرر مقابل اعترافها بالدولة التي استعمرت وطنها واستمرت في احتلاله. كان ذلك خطأً تاريخياً مدوياً كانت له نتائجه الكارثية على الشعب الفلسطيني. ويوضح الخالدي بإن المُفاوضين الفلسطينيين الذين وافقوا على معاهدة واسلو قد فشلوا في فهم ما تعنيه إسرائيل بالحكم الذاتي. فما وافقوا على التوقيع عليه كان شكلاً محدوداً جداً من الحكم الذاتي على جزء من الأراضي المحتلة من دون السيطرة على الأرض والماء والحدود وأي شيء آخر. احتفظت إسرائيل بجميع تلك الامتيازات في تلك الاتفاقية وما بني عليها من اتفاقات فيما بعد والتي مازالت تطبق حتى اليوم مع تعديلات طفيفة، ويُحَقِّقُ ذلك في الواقع سيطرة تامة على الأرض والشعب بالإضافة إلى أغلب سمات السيادة. ولذلك، كان إدوارد سعيد محقاً عندما قال "وسيلة لاستسلام فلسطيني، اتفاقية فرساي فلسطينية". كان المطلوب من منظمة التحرير رفض العرضِ الإسرائيلي العاري في واشنطن وأوسلو. فلو أن منظمة التحرير اتَّخَذَتْ مثل هذا الموقف الصلب لما كانت النتيجة أسوأ من خسارة الأرض والمصادر وحرية الحركة التي عانى منها الفلسطينيون منذ سنة 1993. وفي النهاية، كان الفشل في التوصل إلى اتفاق أفضل من الإتفاق الذي نتج عن أوسلو. كان الاحتلال سيستمر مثلما هو الآن على كل حال إنما بدون غطاء حكم ذاتي فلسطيني، وبدون تخفيف العبء المالي على إسرائيل لشؤون حكم وتسيير أمور شعب من ملايين البشر، وبدون "التنسيق الأمني" الذي كان أسوأ نتائج أوسلو لأنه يحتم على منظمة التحرير الفلسطينية أن تساعد إسرائيل في السيطرة على الفلسطينيين الهائجين الذين يعيشون تحت نظامها العسكري بينما تسلب أراضيهم تدريجياً على يد المستعمرين الاسرائيليين.
الخلاصة يكثفها إياد البرغوثي:
لقد كَثَّف الباحث والأكاديمي الفلسطيني الدكتور إياد البرغوثي كل هذه المراحل التي توسع فيها البرفسور رشيد الخالدي، وذلك في كتابه "من فِلسطين إلى الفِلسطينِزْم - قول في الوعي والمعنى"، الصادر عام 2025م. حيث خصص فصلاً من كتابه لهذا الموضوع تحت عنوان (حل الدولتين؛ حق يُراد به باطل). نلخصه على النحو التالي:
كان قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947، هو أول حديث عن حل الدولتين، عندما أقر بتقسيم فلسطين التاريخية إلى دولتين يهودية وفلسطينية.
من الواضح أن «صانع» ذلك القرار، الذي أعطى الأقلية اليهودية المساحة الأكبر والأكثر استراتيجية (وغير الهامة توراتياً)، وأعطى الفلسطينيين المساحة الأقل (مساحةً وأهمية)، قد أراد له أن يُقبل صهيونياً ويُرفض فلسطينياً، وهو ما حصل. كما أن الأحداث التي أعقبت إتخاذ القرار، ومواقف الدول الكبرى (أمريكا وحلفائها والاتحاد السوفياتي وحلفائه) في حينه، تشير إلى أن الهدف الفعلي منه، كان فقط إنشاء الدولة اليهودية (إسرائيل)، وأن موضوع إقامة الدولة الفلسطينية لم يكن جاداً أو حقيقياً منذ البداية. هل يمكن لعاقل أن يصدق، أن قراراً قد اتخذته الأمم المتحدة، ووافقت عليه ووقفت خلفه الدول الكبرى كلها، وكذلك الحركة الصهيونية، قد حال رفض القيادة الفلسطينية له دون تنفيذه؟، ثم أليس غريباً أن الشق الأول من القرار الذي ينص على إقامة الدولة ليهودية، قد نُفذ بكفاءة منقطعة النظير، في حين أن الشق الثاني منه، المتعلق بإقامة الدولة الفلسطينية، هو الذي لم يتم تنفيذه، ولم تُتخذ حتى خطوة واحدة من أجل تتفيذه؟. منذ البداية، رفضت إسرائيل حل «الدولتين»، بمعنى أنها رفضت قيام دولة فلسطينية على أي جزء من أراضي فلسطين التاريخية، رغم قبولها الشكلي بقرار التقسيم، وحالت عملياً دون قيامها. فبعد قيام الدولة مباشرة، وقبيل قبولها عضواً في الأمم المتحدة حسب قرار 273 للجمعية العامة، أخذت إسرائيل بالاستيلاء على الأراضي «المخصصة» للدولة الفلسطينية. فقامت بضم منطقة «المثلث»، وذلك ضمن اتفاقية الهدنة بينها وبين الأردن في رودس في العام 1949. وفي نفس ذلك العام، سيطرت القوات الإسرائيلية بقيادة اسحق رابين على المنطقة التي أصبحت ايلات فيما بعد، ثم سيطرت في العام 1957 على منطقة غلاف غزة التي باتت مشهورة بعد «السابع من أكتوبر»، وذلك إثر العدوان الثلاثي على مصر، وهي المنطقة التي كانت ضمن قطاع غزة وتحت السيادة المصرية في حينه. وفي عام 1967، سيطرت إسرائيل على ما تبقى من قطاع غزة، وعلى الضفة الغربية وسيناء المصرية التي «انسحبت» منها إثر اتفاقيات كامب ديفيد، والجولان السوري الذي ضمته «رسمياً» إلى «أراضيها» فيما بعد. بعد كل ذلك، وبعد ما نشهده من حركة استيطانية مسعورة، في كل الأراضي التي استولت عليها، أليس غريباً أن يبقى هناك من يعتقد، أنّ إسرائيل لم تكن لتقوم بما قامت به لو وافق الفلسطينيون على قرار التقسيم؟.
سياسياً، لم يُخفِ قادة إسرائيل يوماً موقفهم الرافض لقيام دولة فلسطينية. أوضحهم في ذلك وأكثرهم «فجاجة» بنيامين نتنياهو، الذي ظل ثابتاً على موقفه منذ أن كان مندوباً لإسرائيل في الأمم المتحدة، إلى أن أصبح رئيساً للحكومة. يفاخر نتتياهو بأنه هو من «منع» قيام دولة فلسطينية. لقد أوضح نتنياهو بلا مواربة، أن الأمن غربي نهر الأردن (فلسطين التاريخية) سيكون بيد إسرائيل. هذا يعني أن لا سيادة للفلسطينيين على أي شبر من أراضيهم. مما يوضح رؤيته لموضوع الدولة الفلسطينية، وكذلك لطبيعة «السلطة» الفلسطينية ودورها.
أمريكا وحل الدولتين:
في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة شريكاً أساسياً في الحرب على غزة، سواء باشتراك بايدن وبلينكن واوستن في مجلس الحرب الإسرائيلي، أو بجسر الأسلحة الجوي إلى إسرائيل، وبمجيء البوارج الأمريكية إلى الشواطئ الفلسطينية «لضبط» الحرب، واستخدام النفوذ السياسي لمنع أية محاولة لإيقاف الحرب في مجلس الأمن، وإشغال الولايات المتحدة لنفسها في بحث اليوم التالي للعدوان على غزة، من خلال استخدام نفوذها في البلدان العربية، ومع السلطة الفلسطينية، والمجتمع المدني في المنطقة، عاد الرئيس بايدن للحديث عن حل الدولتين، تلك المعزوفة التي يبدو أنها تُرافق كل محاولة أمريكية لإحداث تغيرات دراماتيكية لها علاقة بالقضية الفلسطينية، أو للحيلولة دون حدوث مثل تلك التغيرات. حاول بايدن الظهور كحالة انقلابية على سلفه ترامب (رئاسته الأولى)، فقام بتغيير كافة القرارات التي اتخذها، سواء تلك المتعلقة بالمناخ وبالعلاقات مع الصين وروسيا وبالموقف من أوروبا وحلف الأطلسي. فقط في الحالة الفلسطينية أبقى على كل ما اتخذه ترامب من قرارات لصالح إسرائيل، سواء ما تعلق بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وإغلاق القنصلية الأمريكية فيها، والموقف من ضم الجولان السوري المحتل، وواصل الدفع باتجاه التطبيع «الإبراهيمي» بين الدول العربية وإسرائيل. وأقر مجلس النواب الأمريكي في عهده مشروعاً يحظر دخول أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية إلى أمريكا، ولم يُعِد فتح مكتب المنظمة في واشنطن كما وعد في حملته الانتخابية. تجاهل بايدن القضية الفلسطينية كلياً حتى السابع من أكتوبر، ثم عاد ليطرح حل الدولتين. لفهم الملابسات التي طرحت فيها الولايات المتحدة «حل الدولتين» في عهد الرئيس جورج بوش الإبن، وحتى قبل ذلك عندما قامت بإفشال قيام الدولة الفلسطينية في أعقاب قرار التقسيم، بتأييدها ضم الضفة الغربية إلى الأردن وغزة إلى مصر، لا بد من الانطلاق من الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، والتي تتلخص في الحفاظ على أمن إسرائيل.
ومصالحها، وفي الهيمنة على المنطقة التي تتجسد الآن في إيجاد وتعميق حالة التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل. يشير الواقع إلى شبه تطابق أمريكي إسرائيلي في الموقف من القضية الفلسطينية. ان الاختلاف الذي يظهر أحياناً في الموقف بينهما خاصة في موضوع حل الدولتين، لا يعدو أن يكون خلافا على فهمهما لمصلحة إسرائيل، ففي حين تعتقد دوائر أمريكية أساسية أنّ قيام «دولة» فلسطينية بمواصفات معينة هو مصلحةٌ إسرائيلية، يعتقد الصهاينة الأكثر راديكالية أن مصلحة إسرائيل تتناقض جذرياً مع أي شكل من أشكال الوجود الفلسطيني. إنه خلاف بين إسرائيل المثقلة بالإيديولوجيا العنصرية، وأمريكا المثقلة بالإستراتيجيا. أول رئيس أمريكي تحدث بوضوح عن حل الدولتين وأَصّل له كان جورج بوش الابن، في أعقاب مؤتمر مدريد. هو من قال بضرورة قيام دولة فلسطينية «تتعايش» مع إسرائيل. كل الرؤساء والادارات الأمريكية التي تلت بوش رددت نفس الكلام، حول إنشاء الدولة الفلسطينية ومواصفاتها وشروط وجودها. فعلت ذلك إدارة أوباما غالباً على لسان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، ثم الرئيس ترامب في فترته الأولى ومن بعده الرئيس بايدن. الغريب ان الرؤساء الأمريكيين الأربعة من بوش الإبن إلى بايدن، مروراً بأوباما وترامب، قد حدثوا عن ضرورة وجود «قيادة فلسطينية جديدة» كمتطلب لإنشاء الدولة الفلسطينية. والملفت للنظر أيضاً، أن الرؤساء الأربعة تحدثوا عن اقامة الدولة الفلسطينية، ولم يتطرقوا إلى الاحتلال الإسرائيلي وضرورة إنهائه لتقوم الدولة. إنهم لا يرون أي إشكال في وجود الدولة ووجود الاحتلال. ان نموذج السلطة في الضفة الغربية، ربما هو تجسيد عملي لرؤيتهم. ترامب على سبيل المثال، يعتقد أن حل الدولتين هو «أفضل خيار للفلسطينيين والإسرائيليين»، وفي نفس الوقت يعترف بالقدس "الموحدة" عاصمة «أبدية» لإسرائيل، ويسعى للتطبيع بين إسرائيل والدول العربية. كما أجمع الرؤساء الأربعة، على أن الدولة الفلسطينية "العتيدة" هي مصلحة إسرائيلية بالدرجة الأولى، لذلك لا يمكنها أن تقوم إلا من خلال «اتفاق مباشر» بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، بمعنى أن لإسرائيل حق الفيتو في قبول الدولة أو رفضها، وكذلك في تحديد مواصفاتها. واعتبر الأربعة صراحة أن الهدف الأول للدولة الفلسطينية هو حفظ أمن إسرائيل. لذا، يأتي الحديث الأمريكي عن حل الدولتين في «مواسم» معينة. وغالباً، إن لم يكن دائماً حتى الآن، يكون ذلك مجرد حديث يقصد منه أي شيء إلا إقامة الدولة الفلسطينية، رغم أني أميل إلى أن أمريكا ترى أن إقامة «دولة» فلسطينية بالمواصفات «المطلوبة» هي في صالحها وفي صالح إسرائيل، أي ليس لها علاقة بالحقوق الوطنية الفلسطينية. هذا ما يتضح من الحديث عن الدولة دون التطرق إلى الاحتلال، ولا حتى عن وقف إطلاق النار في غزة. فالحديث عن الدولة الفلسطينية بالمفهوم الأمريكي، هو جزء من الترتيبات لصناعة اليوم «التالي» للحرب على غزة على الطريقة الأمريكية. خلاصة القول، ليس من السهل، ولا يُنصح، أن يتخيل الفلسطينيون دولتهم المصنوعة أمريكياً أنها ستكون مختلفة عن ما هو موجود في الضفة الغربية الآن. فالحديث يجري عن دولة تحقق الأمن لإسرائيل، ولكل من تريد أمريكا أن يتحقق الأمن له والفلسطينيون بالتأكيد ليسوا منهم. ومن تجربة الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية، فإن تحقيق الأمن لإسرائيل يعني إبقاء الحدود في أيدي الإسرائيليين، وكذلك الاقتصاد، والموارد، والمياه والطاقة والفضاء والامواج السلكية واللاسلكية، والمواصلات وحركة الناس. إنها ليست دولة منزوعة السلاح فقط، بل دولة منزوعة كل ما يمكن أن يتخيله المرء من عناصر «السيادة». ربما من باب السخرية، أنّ ما سينطبق على الدولة الفلسطينية ذات المواصفات الأمريكية والإشراف الإسرائيلي المفهوم الماركسي للدولة، وليس أي تعريف آخر. فهي في هذه الحالة، لن تكون إلا أداة «قمع» للطبقات الفقيرة والمحرومة من الفلسطينيين، وستكون دولة «أميبية» تتخذ شكل «الإناء» الذي تَضَعُها فيه أمريكا وإسرائيل، أي أسيرة لظروف نشأتها إنها «دولة» موجودة «افتراضياً» لا تنشأ في سياق حق تقرير المصير للفلسطينيين بل في سياق السلب المطلق لذلك الحق. لا ينبغي أن يكون الفلسطينيون بالمطلق مع «أية» دولة تُقام لهم. فهم ليسوا بحاجة لإدراك أن ما يخطط لهم أمريكياً وإسرائيلياً (على الأقل)، في هذا المجال، سيكون عبئاً اضافياً على قضيتهم الوطنية. أما الدولة التي يمكن أن تنبثق من تضحيات الشعب الفلسطيني في غزة وغيرها ومناصريهم ومن عدالة القضية الفلسطينية، ومن تفهم الرأي العام العالمي الملفت للنظر للحق الفلسطيني وللعدوان الإسرائيلي، فهي بالتأكيد ستكون مرحباً بها.
إذن، فكرة الدولتين، من الأساس، كانت فكرة "تآمرية" أممية، ولم تكن قط، في أي مرحلة من المراحل السياسية والتاريخية والنضالية، فكرة صالحة للشعب الفلسطيني. وهي فكرة في الأصل، أضحت غير مقبولة من قبل المقاومين الفلسطينيين، بل وأيضاً مرفوضة من قبل كل حكومات الكيان الصهيوني أنفسهم. ولكن، لغاية تاريخه، الأنظمة العربية متمسكة بها، رغم إنها ماتت "سريرياً"!.

