Menu

الجزء الثاني

مُنيب المصري يكسب الرهان

رامي خريس

حظيت فلسطين تاريخيّا بصناعة بنكيّة حديثة، وكانت مهدا لأوائل البنوك في المنطقة وأهمّها مثل البنك العربي الذي أسّسه عبد الحميد شومان في القدس عام 1931. لكن النكبة الفلسطينيّة عام 1948، واحتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967 وإخضاع الاقتصاد الفلسطينيّ بالكامل للاقتصاد الإسرائيلي، أضعف هذه الصناعة وقصر أنشطتها على عمليّات تجاريّة محدودة في مجتمعٍ كان ما زال يعتمد بشكل كبيرٍ أصلا على الزراعة، وأصبحت بنوك "هبوعاليم" و"ليئومي" و"مزراحي" الإسرائيليّة تقبض على حركة النقد في المناطق المُحتلّة، خاصّة أن العمّالة الرخيصة للمناطق المُحتلّة باتت تمثّل إحدى القوّة الدافعة لنموذج النمو الإسرائيليّ آنذاك والذي كان يعتمدُ على الإنفاق الحكوميّ الواسع الموجّه لأغراض تشييد المساكن والبنى التحتيّة للمستوطنين الجُدد الذين بدأوا بالتدفّق على إسرائيل. أمّا أنشطة الخدمات الأخرى مثل الاتّصالات والتكنولوجيا فلم تكن بعد قد نضجت في العالم وليس في فلسطين فحسب، ولم تبدأ الأراضي الفلسطينيّة لمس منتجات الموجة الجديدة من العولمة الرقميّة حتّى التسعينات. 

حدث التحوّل المُهم عندما أُسّست السلطة الفلسطينية عام 1994. لم تكن السلطة الفلسطينيّة مجرّد مشروعٍ سياسيّ عنوانه القبول بحكم الإدارة الذاتيّة للجزر المعزولة في الضفّة وغزّة، بل كانت أيضا مشروعا تجاريّا يحمل الكثير من الوعود الزاهية، أوّلا لأنها جاءت في سياق دوليّ يعتنق مفاهيم التجارة الحرّة وفتح الحدود أمام انتقال روؤس الأموال بحريّة، وثانيا لأنّها جلبت معها بيروقراطيّة ضخمة وخلقت اقتصادا جديدا يُمثّله القطاع الواسع من الموظّفين الفلسطينيّين والأجانب فيما يُعرف بـ "المجتمع المدني" والمؤسّسات الدوليّة المُختلفة، أي أنّها جلبت معها المزيد من الاستهلاك وبالتالي المزيد من الفرص المُربحة. 
هكذا، شكّل هذا التأسيس رأس الجسر لعودة العائلات البرجوازيّة الفلسطينيّة التي راكمت ثرواتها في الخليج العربي بعد النكبة مثل عائلات صبّاغ وصايغ والمصري للاستثمار في المناطق الفلسطينيّة المُحتلة بشكلٍ أكثر كثافة. وفي غضون عامين فقط من تأسيس السلطة، كانت المجموعات الاستثماريّة المملوكة لهذه العائلات قد حصلت على احتكاراتٍ مهمّة في قطاعات الاتّصالات والتكنولوجيا والطاقة وتوريد الأغذية. وكان صعود "اقتصاد الرواتب" حافزا رئيسيّا لهذه المجموعات لتعزيز حضورها في القطاع المصرفي، وفتحه أمام المزيد من الاستثمارات الخارجيّة (يُسيطر رأس المال الأردني المملوك لعائلات فلسطينيّة تحمل الجنسيّة الأردنيّة على حصّة كبيرة في هذا القطاع). ولم يكد يبدأ العام 1997، حتى أُعلن عن إنشاء بورصة فلسطين للأوراق الماليّة من مدينة نابلس، وكان اختيار هذه المدينة بالتحديد يعكسُ حجم النفوذ الماليّ لعائلة المصري التي باتت الطرف المُهيمن في قطاع الخدمات الفلسطيني. 
كانت مقاربة اليمين الإسرائيليّ القائمة على "السلام الاقتصاديّ" والتي اعتنقها فريق عبّاس-فيّاض بعد وفاة ياسر عرفات توفّر لهذا القطاع فرصة ذهبيّة للنمو ولتحقيق الأرباح بسبب حالة الهدوء التي طغت على الضفّة والتي اقترنت بتصاعد الطلب على القروض الاستهلاكيّة والعقاريّة وظهور أنماطٍ استهلاكيّة جديدة عززها الانتشار الواسع للإنترنت وأجهزة الاتّصالات. وهكذا، فبينما كانت كلّ القطاعات الإنتاجيّة الفلسطينيّة التقليديّة تشهد حالة تراجعٌ وضمور في العقد الأخير، كان قطاع الخدمات يشهد نموّا غير مسبوق جعله مصدر أكثر من ثلث إجماليّ دخل المناطق المُحتلّة في يومنا هذا. وفي هذا الوضع، لن يكون غريبا أن يتهافت المستثمرون من بلدان قد لا تخطر على بالنا على بورصة فلسطين، ليقطفوا ثمار هذا النمو، فقد أصبحت نابلس في هذا العالم أقرب فعليّا إلى "وول ستريت" منها إلى رام الله أو القدس .. للحديث بقية.