يحدث أن يخرج من عنق المسافة نداءٌ حيّ يلتحم بالهوية، لكنه يبقى مكبّلًا بأحجية العودة. ويحدث أن تبدو الأرض عربون وجودٍ مؤقت، بينما يظلّ مسقط الرأس حاضرًا في الوعي بوصفه يقينًا لا يغادر الذاكرة. هناك، في تلك المسافة بين الأرض والمنفى، يتكوّن الفلسطيني على هيئة سؤال مفتوح، لا يعرف إن كان يقاوم من أجل الوطن أم يقاوم المنفى نفسه.
نحن الفلسطينيين عالقون في مفاضلة لم نخترها: بين الأرض والمنفى. لنا في المنفى حكاية، ولنا في الأرض أسطورة، غير أننا ندرك أن الفاصل بين المخيال والحقيقة ليس سوى هامش واحد يسمّى الحرية. فأنت حرّ في فكرتك، ومقاوم، ربما دون أن تدري، لعبث الأشياء التي تحاول أن تجعل الحياة اليومية بديلًا عن سؤال الهوية.
تصغي إلى وجع الهوية فتكون أنت، ثم تنظر إلى نفسك في عيون الآخرين فتغدو شخصًا آخر؛ مسافرًا، أو مهاجرًا، أو مُبعدًا، أو مرحّلًا. كلماتٌ تعجز جميعها عن تعريف الإنسان الذي يسكنك، وتختزل وجودك في صفة عابرة، بينما تبقى هويتك أوسع من كل هذه الأسماء، وتبقى أنت والمنفى اسمين يتجاوران في متاهة واحدة.
لكن ما المنفى في صورته المجردة؟
يقول إدوارد سعيد: "المنفى أمرٌ يدعو إلى التأمل، لكنه مروّع في التجربة؛ إنه الشرخ الذي لا يمكن التئامه بين الإنسان ووطنه الحقيقي." وإذا كان المنفى شرخًا في الوجود، فهو بالنسبة إلى الفلسطيني يتجاوز كونه ابتعادًا عن مكان؛ إنه فجوة في الهوية نفسها. يعيش الفلسطيني بين أشياء الوطن: اسمه، ولهجته، وذاكرته، وحكاياته، وتراثه، لكنه يبقى عاجزًا عن الإحاطة بالوطن في صورته الكاملة، لأن الوطن لا يُختزل في رموزه، بل يُعاش حضورًا.
ولعل غسان كنفاني لامس هذه الحقيقة حين قال إن الوطن هو: "ألا يحدث هذا كله." فالوطن ليس فكرة رومانسية يوقظها الحنين، ولا بقعة جغرافية يمكن استعادتها بالذاكرة وحدها، بل هو اكتمال الإنسان في مكانه الطبيعي. لذلك لا تبدو العودة فعلًا شاعريًا، بل حاجة وجودية؛ نقصًا دائمًا في تكوين الفلسطيني، لا يكتمل إلا بزوال المنفى نفسه. فنحن نولد في المنافي بنقصٍ دائم في الهوية، وبمأساة مكتملة في المنفى.
ومن هنا يظهر الخلل الذي يصيب علاقة الفلسطيني بالحياة الطبيعية. فالماضي فُرض عليه دون اختيار، والحاضر ما يزال أسيرًا لرواية ذلك الماضي، وبينهما يعيش الفلسطيني منقسمًا بين زمنين، لا ينتمي بالكامل إلى أيٍّ منهما. إنها ليست عقدة مكان فحسب، بل عقدة انتماء؛ فنحن خارج المكان، لكننا في قلب المنفى.
ومع ذلك، لم يكن المنفى وجهًا واحدًا من الخسارة. فقد حرّر الفلسطيني من الانغلاق على مجتمع واحد، وفتح أمامه آفاقًا جديدة لمعرفة الآخر، لا بوصفه نقيضًا، بل شريكًا في التجربة الإنسانية. ومن خلال هذا الاحتكاك نشأت مساحة وجدانية تتجاوز الحدود، تجمع المهمشين والغرباء والمعذبين، لأنهم جميعًا يشتركون في تجربة الفقد، وإن اختلفت أوطانهم.
لهذا امتلك الفلسطيني أكثر من رؤية، وأكثر من ذاكرة، وأكثر من ثقافة. وابتعد، في كثير من الأحيان، عن المركزيات القومية والثقافية الضيقة، ليعيش ما سمّاه إدوارد سعيد «الوعي الطباقي»؛ ذلك الوعي الذي يرى العالم من أكثر من زاوية في آنٍ واحد. فالانفتاح على الآخر لم ينبع من ذوبان الهوية، بل من ترسيخ الإنسان بوصفه القيمة العليا، وأصبحت المعاناة، أكثر من التاريخ أو الجغرافيا، اللغة المشتركة بين البشر.
وبعيدًا عن قراءة المنفى سياسيًا أو فلسفيًا، يمكن النظر إليه بوصفه تجربة شعرية ووجدانية أيضًا. فالمنفى لا يقف عند حدود جواز السفر أو خطوط الخرائط، بل يبدأ من لحظة الاقتلاع الأولى. ولأن الفلسطيني حُرم من الوطن، استحضره في اللغة، وجعل من الكتابة شكلًا من أشكال حضور الأرض، ومن الحنين وسيلة لمقاومة النسيان.
ومن هنا اكتسب شعر المنفى مكانته الخاصة؛ إذ لم يكن استدعاءً للأرض بقدر ما كان محاولة لإبقائها حيّة في الذاكرة. لقد صنع الفلسطيني ذاكرةً صورية كاملة، ورثتها الأجيال، فأصبحت ترى فلسطين بالكلمات حين عجزت عن رؤيتها بالعين.
والهوية، في التجربة الفلسطينية، لا تُعرَّف إلا عبر الفقد والغربة والاقتلاع. غير أن هذا الجرح المفتوح أوجد أيضًا مساحة رحبة للتأمل والإبداع، حتى غدا الفلسطيني شاعرًا يحاور ألم الابتعاد عن الأرض، حاضرًا في تقرّح الهوية، وغائبًا عن اكتمال الوطن. فكيف يشفى الإنسان من جرح لا تراه العين، بينما تدركه الروح في كل أنحاء الجسد؟
ولعل هذه الرؤية هي ما جعل محمود درويش يرفض اختزال الوطن في حقيبة أو في حالة سفر دائمة حين قال: "وطني ليس حقيبة، وأنا لست مسافرًا." فالوطن عنده ليس ما نحمله، بل ما يحملنا. والهوية ليست ذكرى جامدة، بل صراع دائم بين الذاكرة والنسيان، حتى يغدو المنفى جزءًا من بناء الإنسان الفلسطيني، لا لأنه قدرٌ يُحتفى به، بل لأنه جرحٌ لم يتوقف عن تشكيل الوعي.
وبين هذا وذاك نحيا في المنفى بوقتٍ معلّق بين الأمس والغد. نترجم الوطن إلى لغة، ونستحضر الأرض في تفاصيل الحياة، ونمنح الحنين أسماءً كثيرة كي نستطيع احتماله. لكننا، رغم كل ذلك، ندرك أن لنا حضورًا استثنائيًا في التجربة الإنسانية؛ حضورًا تعلّم كيف يهذّب غربة الهوية، ويعلّم العالم أن المعاناة ليست نهاية الحكاية، بل قد تكون سرّ القدرة على الاستمرار. ومن هذا الوعي نخرج من الاسم المألوف إلى المعنى الأوسع، فأنا فلسطيني، أحمل الأرض في قرارة الهوية، وأحمل، بختمٍ واحد، وعد العودة.

