Menu

عندما يضحكنا زياد الرحباني

أحمد علي هلال

نشر في مجلة الهدف العدد (85) (1559)

يمكن وصفه بجرداقي آخر نسبة إلى الراحل الساخر جورج جرداق، إنه زياد الرحباني بكل ما انطوى عليه الاسم من موهبة فطرية تغذت جذورها من سلالات الرحابنة وإرثهم الموسيقي والفني، لكن زياداً أضاف لهذه المدرسة فطنة البصيرة وخفة الروح وذكاء القلب وفتنة المعرفة، والأدل حضور وعيه في مفارقات السياسة والثقافة والفن، هذا المنحاز للبسطاء وليس لنخب عابرة، إذ هو من غمز من قنواتهم وذهب أبعد في تعرية الأنساق والمضمرات، في خطابه الفني (من أجل الكرامة والشعب العنيد)، ولتأتي كلمات أغانيه الرشيقة أقرب إلى بيانات سياسية وثقافية، أبعد من هجاء مبتذل أو مديح لا تحتمل خفته، سيما إذا تعلق الأمر بأشرف القضايا وأعدلها الوطن والإنسان وما بينهما، من جزئيات لا تعني مجتمعاً بعينه، بل يمكن تطييفها لتكون عابرة للحدود.

زياد الرحباني لا يستعير دور الأنثربولوجي ليحلل ويركب ويفكك، بقدر ما يطمئن إلى اشتقاق المعادل اللغوي البلاغي والفني لما يراه في مضمرات الثقافة والسياسة، انطلاقاً من الخصوصية اللبنانية التي ذهب إليها ساخراً ومؤولاً حد الشفافية، لكنه من يخيط الجراح بأناقة فنان، وحدس عارف يتخطى لينجز غير أمثولة في فضاءات الحياة العربية، إذ يرجم بحجر الضحك سواداً ظلل القلوب والكلمات والمواقف، ليقارب جماليات القبح بؤس السياسة والأخلاق والسلوك.

أن نضحك مع زياد دون أن يذهبنا الضحك عن محترفي اللعب وصانعي قواعده، فهو قد اعتاد في مقاهيه الثقافية التي غالباً ما يجتمع فيها بنفر من المثقفين، أن يقرأ الواقع بسخرية مضادة ويذهب في تأليف قصص صغيرة، يمنحها متخيله بعيداً عن متخيل الواقع لتكون النكتة حاضرة على طاولة المقهى البيروتي بتمامها: زياد الرحباني.

زياد الفكرة والسياق والتزام القضايا، وكشيوعي أخير لم يلتبس قوله بصدد فلسطين، التي رآها كمضمر في فنه الأرقى، وكلمات أغانيه الأبقى، ولم يكن على مسافة منها، كان في قلبها ككلمة سر، واحتراق الندى وبوح العقل والقلب، وبيان عابر للأجيال كي ينهض فيها وعي مفارق، يتجاوز قلقه إلى فرح يومي يشبه الإيمان بالعدالة... العدالة الشريدة والشهيدة والشاهدة، تماماَ كما يضع المايسترو ظل أصابعه على حروف النوتة، لتصدح الروح وليس الأوتار فحسب، بانتصارها على مفارقات الحياة السياسية والثقافية، مفارقات مركبة لا تأخذنا إلى الضحك بمجانية، بل تأخذنا إلى رؤيا زياد المفرد بصيغة الجمع، في مقام الحضور لا الغياب، كانت الحقيقة كلها من زياد لجمهوره العنيد.