Menu

تقريرالإجهاض في غزة.. الحرب تُثقل الأرحام وتضاعف خسائر الأمهات

كريمة شهاب

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

تدفع النساء الحوامل في قطاع غزة ثمناً باهظاً للحرب المستمرة، في ظل أوضاع إنسانية وصحية تزداد قسوة يوماً بعد آخر، فالنزوح المتكرر، والعيش داخل خيام تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، ونقص الغذاء والمياه الصالحة للشرب، إلى جانب الانهيار الحاد في المنظومة الصحية، جميعها عوامل حوّلت أشهر الحمل إلى رحلة شاقة ومليئة بالمخاطر.

وتواجه الحوامل صعوبة في الحصول على الرعاية الطبية الدورية، والأدوية والمكملات الغذائية اللازمة، في وقت تتزايد فيه الضغوط النفسية الناجمة عن الخوف المستمر، وفقدان المأوى، وعدم الاستقرار، ما ينعكس بشكل مباشر على صحتهن وصحة الأجنة، وبين أعباء النزوح، وطوابير الحصول على الطعام والمياه، والمسافات الطويلة للوصول إلى المراكز الصحية، تجد كثير من النساء أنفسهن يخضن تجربة الحمل في ظروف استثنائية تفتقر إلى أبسط مقومات الأمان.

وفي ظل هذه الظروف، تُسجّل حالات الإجهاض في قطاع غزة ارتفاعاً غير مسبوق، وفق بيانات وزارة الصحة، لتتحول معاناة الأمهات من انتظار مولود جديد إلى فقدان حملٍ كان يمثّل أملاً بالحياة وسط الدمار، وتكشف هذه المؤشرات عن أزمة صحية وإنسانية متفاقمة، تعكس حجم التأثير الذي خلفته الحرب على النساء الحوامل، وتدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل صحة الأمهات والأطفال في القطاع إذا استمرت الأوضاع على حالها.

حلم الأمومة يُدفن في الأرحام

تقول فاطمة أبو نحل، في حديثها لـ"بوابة الهدف"، إنها كانت تنتظر مولودها بفرح كبير، إلا أن ظروف الحرب المستمرة قلبت تلك اللحظات إلى معاناة يومية، بعدما وجدت نفسها تعيش أشهر الحمل بين النزوح والخيام، في بيئة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، وسط نقص حاد في الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

وتوضح أنها لم تتمكن طوال فترة حملها من الحصول على الغذاء المتوازن أو الفيتامينات والمكملات الغذائية التي تحتاجها المرأة الحامل، مشيرة إلى أن معظم أيامها كانت تمضي في البحث عن الماء والطعام وتأمين احتياجات أسرتها، بينما كانت تتحمل مشقة التنقل والنزوح والإجهاد البدني، في ظل غياب أماكن توفر لها الراحة أو الخصوصية.

وتضيف: "كانت الضغوط النفسية أشد قسوة من التعب الجسدي، فالقصف المتواصل، وأصوات الانفجارات، والخوف الدائم على عائلتي، إضافة إلى قلة النوم والقلق المستمر، جعلتتني أعيش حالة من التوتر طوال أشهر الحمل"، مؤكدة أن تلك الظروف أثّرت بشكل مباشر على صحتها، قبل أن تشعر بآلام حادة نُقلت على إثرها لتكتشف أنها فقدت جنينها.

وتشير أبو نحل إلى أن لحظة إبلاغها بخبر الإجهاض كانت من أصعب اللحظات التي مرت بها، إذ لم يكن فقدان الجنين مجرد أزمة صحية عابرة، وإنما خسارة تركت أثراً نفسياً عميقاً لا يزال يرافقها حتى اليوم، خاصة أنها كانت ترى في طفلها المنتظر أملاً جديداً يخفف من قسوة الحرب وما خلفته من فقدان ودمار.

ثلاثة أجنة وثلاث خسارات متتالية

أما إلهام الطويل، فتروي في حديثها لـ"بوابة الهدف" واحدة من أكثر التجارب قسوة، بعدما فقدت ثلاثة أجنة خلال فترة الحرب، لتتحول سنوات انتظارها لطفل جديد إلى سلسلة متواصلة من الخسارات والألم.

وتقول "كل حمل كان يبدأ بأمل كبير بأن أنجب طفلاً يعوضني شيئاً من قسوة الحياة، لكن الظروف التي فرضتها الحرب كانت تنتهي في كل مرة بالإجهاض".

وعن الأسباب تشرح: "لم أكن قادرة على الحصول على الرعاية الطبية المنتظمة أو إجراء الفحوصات اللازمة للاطمئنان على صحة جنيني، بسبب صعوبة الوصول إلى المستشفيات والمراكز الصحية، فضلاً عن الاكتظاظ ونقص الإمكانيات الطبية"، كما كانت تقضي ساعات طويلة في البحث عن الماء والطعام، الأمر الذي زاد من معاناتها واستنزف قدرتها الجسدية خلال الحمل.

لكن خساراتها التي لاتعوّض فاقمت معاناتها النفسية، وتصف حالها بالقول: "فقداني ثلاثة أجنة ترك آثاراً نفسية عميقة علي وعلى أفراد أسرتي، فألم الإجهاض لم ينتهِ بخروجي من المستشفى، بل ما زال يرافقني كلما ريأت طفلاً أو سمعت حديثاً عن الولادة، وأصبحت أخشى تكرار تجربة الحمل خشية أن أعيش المأساة نفسها مرة أخرى".

وتختتم حديثها بالتأكيد على أن النساء الحوامل في قطاع غزة أصبحن يدفعن ثمناً باهظاً للحرب، متسائلة: “إلى متى ستبقى الأمهات يفقدن أبناءهن قبل أن يبصروا النور؟"، ومناشدةً المجتمع الدولي التدخل لتوفير الحماية والرعاية الصحية والغذائية للنساء الحوامل، حتى لا تتكرر هذه المآسي مع مزيد من العائلات.

أرقام تكشف حجم الكارثة

وتعكس هذه الشهادات واقعاً تؤكده الأرقام الرسمية، حيث سجلت وزارة الصحة في قطاع غزة ارتفاعاً غير مسبوق في حالات الإجهاض خلال النصف الأول من عام 2026، في ظل تدهور الأوضاع الصحية والبيئية والإنسانية الناجمة عن الحرب، وسط تحذيرات من مؤشرات تنذر بكارثة صحية تستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً.

وقال مدير وحدة المعلومات الصحية في وزارة الصحة بقطاع غزة، زاهر الوحيدي، في حديثه لـ"بوابة الهدف": "وثّقت الوزارة أربعة آلاف حالة إجهاض خلال النصف الأول من عام 2026، بمعدل 208 حالات إجهاض لكل ألف مولود حي، بزيادة بلغت نحو 3.3 أضعاف مقارنة بالنصف الثاني من عام 2025، وهو ما يعادل قرابة ضعفي إلى ضعفي ونصف المعدل الطبيعي".

وأوضح أن أعلى معدل للإجهاض سُجّل خلال شهر أبريل/نيسان الماضي بواقع 377 حالة لكل ألف مولود حي، فيما سجّل شهر يونيو/حزيران أعلى عدد للحالات، إذ بلغ 790 حالة إجهاض.

وأشار الوحيدي إلى أن 26% من حالات الإجهاض وقعت خلال الثلث الثاني من الحمل، بينما سُجّلت 73.5% خلال الثلث الأول، معتبراً أن ارتفاع الإجهاض بين الأسبوعين الثالث عشر والرابع والعشرين من الحمل مؤشر مقلق، لأنه يرتبط غالباً بعوامل بيئية وصحية تؤثر في الأم، وليس بأسباب جينية أو تشوهات خلقية.

وختم حديثه بالتأكيد على أن هذا النوع من الإجهاض لم يكن سائداً قبل الحرب، ويستوجب تحركاً عاجلاً من المؤسسات الدولية المعنية بصحة الأم والطفل، مشيراً إلى أن وزارة الصحة أبلغت الجهات الدولية المختصة بهذه المؤشرات، مطالبةً بتدخلات صحية عاجلة ودراسات علمية لتحديد أسباب هذا الارتفاع.

بالمحصّلة، وراء كل حالة إجهاض في غزة قصة أم فقدت حلمها باستئناف الحياة في ظل عيشِ كثير المرارات.