Menu

في قراءة تفاهمات القاهرة .. بين شروط التنفيذ وتحولات المشهد الفلسطيني ..

يونس العموري

بوابة الهدف

لم تكن التفاهمات التي خرجت من القاهرة، مجرد محاولة لإعادة ترتيب المشهد في قطاع غزة بعد حرب مدمرة، بل مثلت محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القوة والسياسة، وبين مقتضيات البقاء ومتطلبات إعادة البناء. فمنذ اندلاع الحرب وما خلفته من دمار غير مسبوق في البنية التحتية والنسيج الاجتماعي والاقتصادي، أصبح قطاع غزة يقف أمام معادلة شديدة التعقيد، معادلة لا يمكن اختزالها في سؤال الحرب أو السلم فقط، وإنما تمتد إلى سؤال شكل السلطة المقبلة، وطبيعة المنظومة الأمنية، ومستقبل السلاح، وإمكانية إعادة إعمار مجتمع أنهكته سنوات الحصار ثم أشهر طويلة من القتال والتهجير والانهيار الإنساني.

من منظور كثير من المؤيدين لخيار المقاومة، لا تنطلق قراءة هذه التفاهمات من اعتبارها اتفاقا نهائيا بقدر ما تنطلق من كونها محطة انتقالية فرضتها موازين القوة والواقع الإنساني. فالمجتمعات الخارجة من الحروب لا تفاوض وهي في ظروف طبيعية، وإنما تفاوض وهي محملة بأعباء الخسائر البشرية، والانهيار الاقتصادي، وضغط الرأي العام، والحاجة الملحة إلى وقف النزيف. لذلك فإن أي قراءة لهذه الوثيقة بمعزل عن المشهد الإنساني في غزة ستكون قراءة ناقصة، لأن القطاع لم يعد يعيش أزمة سياسية فقط، بل يعيش أزمة وجودية تمس كل تفاصيل الحياة اليومية، من الماء والكهرباء والسكن والتعليم إلى الأمن الشخصي والاستقرار المجتمعي.

هذه الرؤية ترى أن الوثيقة لا تمثل انتصارا كاملا لأي طرف، كما لا تمثل هزيمة كاملة لأي طرف، وإنما تعكس محاولة لبناء صيغة توازن جديدة. فإصرار الوثيقة على ربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بكل مرحلة من مراحل التنفيذ يفسر باعتباره محاولة لمنع تحول الالتزامات الفلسطينية إلى إجراءات أحادية لا يقابلها تغير ميداني على الأرض. وفي المقابل، فإن ربط الانسحاب بآليات تحقق ومراقبة يعكس سعي الوسطاء إلى تقديم ضمانات للطرف الآخر. وبهذا المعنى تصبح الوثيقة قائمة على مبدأ التدرج والتوازي، لا على مبدأ التنفيذ المنفرد.

غير ان قراءة التفاهمات من الزاوية الإسرائيلية تكشف عن معادلة أكثر تعقيدا. فالموقف الاسرائيلي المعلن لا يبدو حتى الان موقفا متحمسا للانتقال السريع من مرحلة الحرب إلى مرحلة التسوية، بقدر ما يبدو محاولة لإعادة ترتيب شروط الانتقال نفسه. فقد اظهرت المواقف الصادرة عن مسؤولين اسرائيليين، وكذلك التغطية في وسائل الاعلام الاسرائيلية، ان مسألة نزع سلاح حماس والية التحقق من ذلك ما زالت في قلب الحسابات الاسرائيلية، وان فكرة الانسحاب من مناطق يسيطر عليها الجيش الاسرائيلي قبل التأكد من تفكيك البنية العسكرية لحماس ما زالت تمثل خطا أحمر لدى قطاعات واسعة من المؤسسة السياسية والأمنية. وفي المقابل، فان موافقة المجلس الوزاري الأمني الاسرائيلي على دخول قوة دولية إلى مناطق من غزة لا تخضع للسيطرة الاسرائيلية تكشف عن أن اسرائيل لا ترفض من حيث المبدأ الترتيبات الجديدة، لكنها تريد ان تبقى عملية الانتقال محكومة بمنطق الضمانات الامنية الاسرائيلية وبالتدرج وهنا تظهر واحدة من أهم مفارقات التفاهمات فإسرائيل تبدو مستعدة للموافقة على بعض مخرجات المرحلة الانتقالية، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة للتخلي بسهولة عن أدوات الضغط العسكري التي تتيح لها التأثير في مسار التنفيذ. وهذا ما يجعل استمرار القصف والعمليات العسكرية، بالتوازي مع الحديث عن تفاهمات وادارة مدنية وقوة استقرار دولية، عنصرا مركزيا في فهم الموقف الاسرائيلي. فالمعادلة الاسرائيلية لا تقوم فقط على سؤال هل تقبل الحكومة التفاهمات أم ترفضها، وإنما على سؤال أكثر تعقيدا يتعلق بما إذا كانت ستنفذها وفق منطق متكامل ومتزامن، أم ستتعامل معها باعتبارها سلسلة من المراحل التي يمكن تعطيل كل مرحلة منها بذريعة عدم التزام الطرف الفلسطيني بالمرحلة السابقة. وهذه النقطة تحديدا هي التي تجعل الفجوة بين النص السياسي والواقع الميداني قابلة للاتساع.

ويبرز بند اللجنة الوطنية لإدارة غزة باعتباره أحد أكثر البنود حساسية، لأنه لا يتعلق فقط بمن يدير المؤسسات، وإنما بمن يمتلك الشرعية اليومية أمام المجتمع. فالمجتمع الغزي الخارج من الحرب لا يبحث عن سلطة رمزية، بل عن سلطة قادرة على إعادة تشغيل المستشفيات والمدارس والبلديات، وصرف الرواتب، وإعادة الخدمات الأساسية. ومن هنا يمكن فهم تركيز الوثيقة على بناء إدارة مدنية مستقلة نسبيا عن الاصطفافات الفصائلية، باعتبار أن نجاح أي مشروع لإعادة الإعمار يتطلب وجود جسم إداري يحظى بقدر من القبول الداخلي والدعم الخارجي في آن واحد.

لكن حساسية هذه اللجنة لا تتوقف عند حدود إدارة الخدمات، بل تمتد إلى سؤال السيادة الفلسطينية نفسها. فإذا تشكلت في غزة سلطة ادارية جديدة منفصلة مؤسسيا وسياسيا عن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، فإن المسألة لا تعود مجرد ترتيبات مؤقتة لمرحلة ما بعد الحرب، وإنما تصبح مرتبطة بإعادة تعريف الخريطة السلطوية الفلسطينية. فوجود جسم إداري له مؤسسات وموارد ومرجعيات وعلاقات دولية خاصة، حتى لو كان اسمه لجنة انتقالية او وطنية، يمكن ان ينتج مع الوقت واقعا سياسيا قائما بذاته، خصوصا إذا ارتبطت عملية إعادة الإعمار به، وتولت أجهزة دولية أو إقليمية الإشراف على تمويله وحمايته، وباتت له القدرة على إدارة تفاصيل الحياة اليومية في القطاع.

وتزداد خطورة هذا الاحتمال في اللحظة السياسية الراهنة، لان الساحة الفلسطينية تقف أصلا على عتبة استحقاق انتخابي يفترض أن يعيد إنتاج الشرعية السياسية على اساس جغرافي موحد يشمل القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. فقد حدد المرسوم الرئاسي الفلسطيني يوم 28 نوفمبر 2026 موعدا للانتخابات التشريعية، ونص صراحة على مشاركة الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، فيما أعلن أن موعد الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها سيكون في الربع الأول من العام التالي وفق القانون. كما أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الجدول القانوني للعملية الانتخابية التشريعية.

وهنا تطرح التفاهمات سؤالا يتجاوز إدارة غزة إلى جوهر بنية النظام السياسي الفلسطيني.. كيف يمكن إجراء انتخابات عامة على أساس وحدة سياسية وجغرافية واحدة، بينما يجري في الوقت نفسه تأسيس ادارة في غزة منفصلة عمليا عن السلطة الفلسطينية في رام الله ...؟ فإذا كانت الانتخابات ستنتج مجلسا تشريعيا يمثل الضفة وغزة والقدس، فإن وجود جهاز حكم فعلي في غزة لا يخضع بصورة مباشرة للسلطة الفلسطينية المنتخبة يخلق فجوة بين الشرعية الانتخابية والسلطة التنفيذية. وقد يصبح المجلس التشريعي، في هذه الحالة، ممثلا لشعب موحد من الناحية الانتخابية، بينما تبقى السلطة على الأرض موزعة بين مرجعيتين مختلفتين من الناحية الادارية والسياسية... وهذا يعني أن المسألة لا تتعلق فقط بمستقبل الانقسام بين حماس وفتح، وإنما باحتمال انتقال الانقسام من انقسام فصائلي مباشر إلى انقسام مؤسساتي أكثر تعقيدا. ففي السابق كان الانقسام واضحا بين سلطة في الضفة وحكومة امر واقع في غزة، أما الصيغة الجديدة المحتملة فقد تنتج سلطة فلسطينية رسمية في الضفة، مقابل إدارة تكنوقراطية في غزة تحظى بشرعية دولية أو إقليمية وتستند إلى تفاهمات ما بعد الحرب. وفي هذه الحالة يمكن أن يصبح الانقسام أقل وضوحا من الناحية السياسية، لكنه أكثر رسوخا من الناحية المؤسساتية، لأن الفارق لن يكون فقط في هوية الحزب الحاكم، بل في مصدر الشرعية وطبيعة العلاقات الخارجية ومراكز القرار الأمني والمالي.

ومن زاوية أخرى، قد يكون هذا الترتيب هو بالضبط ما يجعل التفاهمات موضع اهتمام اسرائيلي يتجاوز البعد الامني المباشر. فإسرائيل التي طالما تعاملت مع الانقسام الفلسطيني باعتباره واقعا سياسيا قائما، قد ترى في قيام ادارة مستقلة في غزة وسيلة لمنع عودة القطاع تلقائيا إلى منظومة السلطة الفلسطينية الموحدة. وفي المقابل، فإن قوى فلسطينية أخرى قد تنظر الى اللجنة باعتبارها مرحلة انتقالية ضرورية لتجنب عودة الادارة الفصائلية المباشرة، خصوصا في ظل حجم الدمار والحاجة إلى إعادة الاعمار. وبين الرؤيتين يبقى السؤال المركزي: هل تكون اللجنة جسرا نحو اعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، أم تتحول تدريجيا إلى بنية مؤسساتية تؤسس لانفصال سياسي طويل الأمد بين غزة والضفة ...؟؟

أما القضية الأكثر إثارة للجدل فهي المتعلقة بالسلاح. فالوثيقة، بحسب ما أعلن عنها، لا تستخدم في مواضعها الأساسية تعبير التسليم المباشر، وإنما تتحدث عن تنظيم وحصر وإدارة السلاح ضمن إطار مؤسساتي جديد. وهذه الصياغة ليست مجرد اختلاف لغوي، بل تحمل دلالات سياسية عميقة. فمن وجهة نظر كثير من مؤيدي المقاومة، فإن الانتقال من تعدد مراكز القرار العسكري إلى إطار مؤسساتي لا يعني بالضرورة التخلي عن فكرة الدفاع عن المجتمع، وإنما يعكس محاولة لإعادة تنظيمها بما يتلاءم مع مرحلة ما بعد الحرب. وفي المقابل، ينظر معارضو هذا التصور إلى أي بقاء للسلاح خارج الاحتكار الكامل للدولة باعتباره مصدر توتر دائم. وبين هذين التصورين تتحرك الوثيقة في منطقة وسط تحاول الجمع بين الاعتبارات الأمنية والاعتبارات السياسية.

ومن الجانب الاسرائيلي، تبدو هذه النقطة أكثر حساسية من اي بند اخر، لان الحكومة الاسرائيلية لا تتعامل مع مصطلح تنظيم السلاح بالمعنى نفسه الذي يمكن ان يفهم فلسطينيا. فالموقف الاسرائيلي المعلن يميل الى تفسير نزع السلاح بوصفه تفكيكا فعليا للقدرة العسكرية والبنية التحتية القتالية، وليس مجرد نقل السلاح من جهة فلسطينية الى جهة فلسطينية اخرى او تخزينه تحت اشراف لجنة فلسطينية. وقد ظهرت هذه الفجوة بوضوح في النقاش حول مستقبل الاسلحة، اذ تصر اسرائيل على نزع سلاح يمكن التحقق منه، بينما تطرح الصيغة المطروحة ترتيبات تقوم على نقل الاسلحة وتخزينها ضمن إطار فلسطيني جديد. ولذلك فان الخلاف الحقيقي قد لا يكون حول وجود لجنة لإدارة غزة، وانما حول من يملك السلطة الفعلية على هذه اللجنة ومن يملك القرار النهائي في تفسير خروقاتها او التحقق من تنفيذها.

ولا يمكن تجاهل ان الواقع الغزي نفسه أصبح عاملا ضاغطا على جميع الأطراف. فبعد سنوات من الحصار ثم الحرب، لم يعد السكان يقيسون نجاح أي مشروع سياسي بالشعارات، وإنما بقدرته على إعادة الحياة الطبيعية. فالأسرة التي فقدت منزلها، والطفل الذي فقد مدرسته، والمريض الذي ينتظر علاجا، والعامل الذي فقد مصدر رزقه، جميعهم ينظرون إلى أي تفاهم من زاوية مختلفة عن زاوية النخب السياسية. ولذلك فإن نجاح الوثيقة لن يقاس فقط بما تتضمنه من بنود، وإنما بقدرتها على إنتاج تغيير ملموس في حياة الناس خلال أشهر قليلة.

وفي الوقت نفسه، فإن إعادة الإعمار ليست مجرد عملية هندسية أو مالية، بل هي عملية سياسية بامتياز. فالأموال الدولية لا تتحرك عادة بمعزل عن ترتيبات الحكم والأمن والرقابة. ولهذا جاء التركيز على وجود آليات إشراف، وقوة استقرار، وإدارة مدنية، باعتبارها عناصر تمنح المانحين قدرا أكبر من الثقة في أن الموارد ستوظف ضمن إطار مؤسسي واضح. غير أن نجاح هذا المسار يبقى رهنا بقدرة جميع الأطراف على الالتزام بما تم الاتفاق عليه، لأن أي انهيار أمني قد يعيد الدورة كلها إلى نقطة الصفر.

ومن هنا تصبح العلاقة بين اعادة الاعمار والسلطة السياسية واحدة من أكثر القضايا حساسية في المرحلة المقبلة. فاذا ارتبطت الأموال الدولية ومشاريع البناء والادارة اليومية في غزة باللجنة الوطنية الجديدة، فقد تتحول اللجنة من جسم وظيفي إلى مركز ثقل سياسي مستقل بحكم الامر الواقع. ومع مرور الوقت يمكن ان تنشأ حولها مصالح ادارية ومالية واجتماعية، وربما شبكات علاقات خارجية، تجعل إعادة دمجها لاحقا في مؤسسات السلطة الفلسطينية أكثر تعقيدا. ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط من سيدير غزة بعد الحرب، بل ايضا: لمن ستؤول الشرعية السياسية الناتجة عن هذه الإدارة عندما تبدأ عملية إعادة بناء النظام الفلسطيني كله ...؟؟

وتزداد هذه المسألة تعقيدا إذا تزامنت المرحلة الانتقالية في غزة مع الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية. فالانتخابات، من حيث المبدأ، يفترض أن تكون أداة لإعادة إنتاج الشرعية وتجاوز الانقسام، لكنها قد تتحول في ظل وجود إدارتين الى عامل جديد لإعادة تعريفه. فاذا شارك سكان غزة في الانتخابات واختاروا ممثليهم ضمن مجلس تشريعي فلسطيني واحد، ثم بقيت السلطة التنفيذية في القطاع منفصلة عن الحكومة الفلسطينية التي يفرزها النظام السياسي الجديد، فان النتيجة ستكون وجود شرعية انتخابية مشتركة دون سلطة تنفيذية مشتركة. أما إذا جرى الاتفاق على دمج اللجنة الوطنية في بنية السلطة الفلسطينية بعد الانتخابات، فإن التفاهمات قد تصبح بالفعل مرحلة انتقالية تقود إلى إعادة توحيد المؤسسات. وبين الاحتمالين تتحدد واحدة من أهم نتائج المرحلة المقبلة.

ومن زاوية اخرى، فإن الانتخابات نفسها قد تصبح جزءا من معركة الشرعية حول غزة. فالسلطة الفلسطينية ستسعى بطبيعة الحال إلى تثبيت فكرة أن غزة والضفة والقدس تشكل وحدة سياسية واحدة وأن مؤسساتها المنتخبة هي الإطار الشرعي الجامع. وفي المقابل، فان بقاء لجنة مستقلة لإدارة غزة قد يخلق واقعا يقول عمليا أن إدارة القطاع يمكن أن تستمر بمعزل عن السلطة حتى لو شارك سكانه في الانتخابات الفلسطينية. وهذا التناقض بين وحدة الناخب وانقسام السلطة قد يكون أخطر من الانقسام السابق، لأنه يمنح كل طرف حججا قانونية وسياسية متعارضة حول من يمثل الفلسطينيين ومن يملك القرار التنفيذي على الأرض.

كما أن المسألة تمس مفهوم السيادة الفلسطينية ذاته، إذا جاز استخدام هذا التعبير في ظل واقع الاحتلال. فالسيادة لا تتحدد فقط بمن يرفع العلم أو يصدر المراسيم، وإنما بمن يمتلك القدرة الفعلية على إدارة الإقليم واحتكار القرار الأمني والمالي والقانوني فيه. وإذا كانت السلطة الفلسطينية ستدخل الانتخابات بوصفها الإطار الرسمي الجامع، بينما تظل غزة مرتبطة إداريا وأمنيا بترتيبات دولية واسرائيلية وفلسطينية خاصة، فان السيادة ستظل مجزأة حتى لو توحدت المؤسسات الانتخابية. وقد نكون أمام مفارقة تتمثل في أن الانتخابات قد توحد مصدر الشرعية الشعبية، بينما تظل التفاهمات الانتقالية موزعة لمراكز ممارسة السلطة.

ومن زاوية أخرى، فإن الوثيقة تعكس إدراكا متزايدا لدى الوسطاء بأن إدارة غزة بعد الحرب لا يمكن أن تقوم على منطق الغلبة المطلقة. فالسنوات الماضية أظهرت أن الحلول التي تعتمد على الإقصاء الكامل لأي مكون سياسي أو اجتماعي غالبا ما تواجه صعوبات كبيرة في التطبيق. ولذلك حاولت التفاهمات، وفق ما أعلن، أن تؤسس لمرحلة انتقالية تتداخل فيها الإدارة المدنية مع الرقابة الدولية ومع الترتيبات الأمنية التدريجية، على أمل أن تفتح لاحقا الباب أمام مسار سياسي أوسع.

غير أن السؤال الاسرائيلي يبقى حاضرا في كل هذه الحسابات. فحكومة نتنياهو لا تتحرك في فراغ سياسي، وهي تدخل المرحلة المقبلة تحت ضغط أمنى وسياسي وانتخابي في آن واحد، مع اقتراب الانتخابات الاسرائيلية المقررة في 27 اكتوبر 2026. وفي ظل وجود قوى يمينية داخل الحكومة ترفض أي ترتيبات تعتبرها تنازلا عن اهداف الحرب، يصبح من الصعب افتراض ان الحكومة ستنتقل بسهولة الى تنفيذ كامل وسريع للتفاهمات. بل ان السيناريو الأكثر واقعية قد يكون محاولة تنفيذ انتقائي، بحيث تقبل اسرائيل بما يضمن لها إطارا أمنيا جديدا ووجودا رقابيا واسعا، بينما تماطل في الخطوات التي تراها تمس قدرتها على التدخل العسكري أو تعيد إنتاج سلطة فلسطينية موحدة في غزة.

وهذا لا يعني بالضرورة أن نتنياهو سيذهب إلى تعطيل التفاهمات بصورة مباشرة، فقد تكون الكلفة السياسية لذلك مرتفعة، خصوصا إذا ارتبط الاتفاق بموقف امريكي مباشر وبخطة دولية لإعادة الإعمار. لكن العرقلة قد تأخذ شكلا أكثر هدوءا من الرفض الصريح، عبر التشدد في معايير التحقق، أو إعادة تفسير المراحل، أو ربط الانسحاب بمستويات جديدة من نزع السلاح، أو الاستمرار في العمليات العسكرية تحت عنوان الرد على الخروقات. وفي هذه الحالة تصبح المشكلة في التفاهمات ليست في النص نفسه، وإنما في القدرة على تحديد من يملك تفسير النص ومن يقرر أن الطرف الآخر قد أوفى بالتزاماته أم لا. وهذه بالضبط هي المنطقة التي يمكن أن تتحول فيها التفاهمات من مسار لإنهاء الحرب إلى مسار طويل لإدارة الحرب بشروط جديدة.

مع ذلك، تبقى التحديات كبيرة. فالثقة بين الأطراف محدودة، والذاكرة المثقلة بالحروب تجعل كل بند عرضة لتفسيرات متباينة. كما أن تنفيذ الخطوات بصورة متزامنة يتطلب آليات تحقق دقيقة، لأن أي شعور بعدم التوازن في التنفيذ قد يؤدي إلى تعطيل المسار بأكمله. وإضافة إلى ذلك، فإن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة ستظل عاملا مؤثرا في سرعة التنفيذ وفي حجم الدعم السياسي والاقتصادي المقدم للمرحلة المقبلة.

ويبقى التحدي الاكبر فلسطينيا هو منع تحول المرحلة الانتقالية الى صيغة دائمة. فالخطر لا يكمن فقط في استمرار الانقسام بين غزة والضفة، وانما في أن تتم إعادة إنتاج الانقسام داخل بنى مؤسساتية جديدة تحمل عناوين مختلفة وتستند إلى شرعيات متباينة. ولذلك فان أي ترتيبات لإدارة غزة لا يمكن أن تكتسب معنى سياسيا مستقرا ما لم تكن مرتبطة منذ البداية بمسار واضح لإعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية، وتحديد العلاقة بين اللجنة الوطنية والسلطة الفلسطينية، ثم ربط ذلك بنتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية وبإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة وحدة الأرض والشعب والمؤسسات.

وفي المحصلة، تكشف تفاهمات القاهرة عن محاولة للانتقال من إدارة الصراع بالسلاح وحده إلى إدارة مرحلة ما بعد الحرب عبر مزيج من السياسة والإدارة والضمانات الدولية. غير أن نجاح هذه المحاولة لن يتحدد بالنصوص وحدها، بل بمدى قدرتها على الاستجابة للواقع الإنساني القاسي الذي يعيشه سكان غزة، وبقدرة الأطراف المختلفة على تحويل البنود النظرية إلى إجراءات عملية تحسن حياة الناس وتحافظ في الوقت نفسه على الحد الأدنى من التوافق السياسي. لذلك تبقى هذه التفاهمات، مهما اختلفت القراءات بشأنها، بداية لمسار معقد أكثر منها نهاية للصراع، واختبارا لإمكان بناء مرحلة جديدة تتقدم فيها الاعتبارات الإنسانية ومقتضيات الاستقرار دون إغفال الأسئلة السياسية العميقة التي ما زالت تنتظر إجاباتها. وربما يكون السؤال الأكثر عمقا في المرحلة المقبلة ليس فقط هل ستنجح التفاهمات في وقف الحرب، وإنما أي فلسطين ستنتجها هذه التفاهمات بعد الحرب.. فلسطين موحدة سياسيا ومؤسساتيا تعيد بناء سلطتها على أساس انتخابات عامة تشمل القدس والضفة وغزة، أم فلسطين تتعايش فيها شرعيات متعددة وإدارات مختلفة ومراكز قوة متباينة، بحيث يتحول الانقسام من واقع فصائلي مؤقت إلى بنية سياسية جديدة أكثر تعقيدا واستعصاء على المعالجة.