Menu

من نباح الكائنات إلى وشوشات السلطة: تحولات الرؤية الروائية عند محمد أبو ناموس

بسّام عليّان

نشر في مجلة الهدف العدد (85) (1559)

لا يمكن قراءة تجربة الدكتور محمد أبو ناموس الروائية بوصفها محاولات منفصلة، فبين روايتيه "نباح المحمية" و"وشوشات في المضافة" خيط فكري وجمالي واضح يكشف عن مشروع روائي يتدرج في أدواته التعبيرية، وينتقل من الرمز الساخر إلى التشريح الاجتماعي والسياسي المباشر، دون أن يفقد جوهره القائم على مساءلة الواقع وكشف ما يخفيه الإنسان خلف أقنعته اليومية.

في رواية "نباح المحمية" يختار أبو ناموس عالماً سردياً غير مألوف، حيث يمنح الكلاب أدواراً وشخصيات وحضوراً اجتماعياً، لا بهدف الهروب من الواقع، بل على العكس تماماً؛ فالحيوان هنا يصبح مرآة أكثر صدقاً للإنسان. إن اللجوء إلى الرمز الحيواني يحرر الكاتب من قيود المباشرة، ويمنحه مساحة أوسع للسخرية والنقد، إذ تتحول المحمية إلى نموذج مصغر للعالم البشري بما يحمله من صراعات على النفوذ، وتناقضات أخلاقية، وأوهام القوة والتميز.

لقد نجح أبو ناموس في هذه الرواية في بناء مفارقة فنية لافتة: فالكائنات التي يُفترض أنها بعيدة عن عالم السياسة والمجتمع تصبح أكثر قدرة على فضح الإنسان. فالكلب في النص ليس كائناً غريباً عن التجربة الإنسانية، بل قناع سردي يكشف من خلاله الكاتب الطموحات الصغيرة، والغرائز المتصارعة، والخضوع، والتمرد، والرغبة في السيطرة. ومن هنا جاءت السخرية في "نباح المحمية" بوصفها أداة معرفة لا مجرد وسيلة للإضحاك؛ إنها سخرية تكشف الألم المختبئ خلف العبث.

وتكمن أهمية هذه الرواية في أنها لا تقدم الواقع كما هو، وإنما تعيد تشكيله عبر رؤية فنية تقوم على المفارقة والانزياح. فالروائي لا يكرر المشهد اليومي، بل يعيد إنتاجه في صورة رمزية تجعل القارئ يعيد النظر في المألوف. وهذا ما يجعل الرواية أقرب إلى "ثورة في الرؤية"؛ لأنها تنقل القارئ من متابعة الحدث إلى تفكيك دلالاته.

أما في رواية "وشوشات في المضافة"، فإن أبو ناموس ينتقل من فضاء الرمز الحيواني إلى فضاء اجتماعي أكثر قرباً من الواقع، لكنه يحافظ على جوهر مشروعه: كشف آليات الهيمنة وصناعة الخضوع. فالمضافة التي تبدو مكاناً تقليدياً للضيافة والتشاور تتحول في الرواية إلى مسرح رمزي تتجمع فيه خيوط السلطة المحلية، وتظهر من خلالها كيفية صناعة النفوذ عبر الخوف والجهل والانقسام.

تمثل شخصية الشيخ أبي صابر مركز الثقل في الرواية، فهي ليست مجرد شخصية روائية، وإنما نموذج لبنية سلطوية كاملة. إنه لا يحكم بالقوة وحدها، بل عبر صناعة الصورة، واستثمار العلاقات الاجتماعية، وتوظيف الولاء والمصالح. ومن خلاله يكشف أبو ناموس أن الاستبداد لا يحتاج دائماً إلى أدوات قمع ظاهرة، بل قد يتغذى على التملق، والصمت، والخوف، والحاجة إلى الحماية.

وهنا يظهر التطور الواضح في تجربة الكاتب؛ ففي "نباح المحمية" كان الإنسان موضوعاً للنقد عبر أقنعة رمزية ساخرة، أما في "وشوشات في المضافة" فقد أصبحت البنية الاجتماعية نفسها موضوعاً للتشريح. انتقل الكاتب من سؤال: "كيف يكشف الرمز عيوب الإنسان؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: "كيف تُنتج المجتمعات شروط استمرار السلطة والهيمنة؟".

إن هذا الانتقال لا يعني تخلي أبو ناموس عن السخرية، بل إعادة توظيفها داخل سياق أكثر واقعية. فالسخرية التي كانت تتحرك عبر عالم الكلاب في الرواية الأولى، أصبحت في الرواية الثانية كامنة في المفارقات البشرية ذاتها؛ في شيخ يصنع مكانته من خلال الوهم، وفي مجتمع يمنح القوة لمن يجيد صناعة الخوف، وفي علاقات تتحول فيها الضيافة إلى وسيلة سياسية.

كما أن شخصية أم صابر في "وشوشات في المضافة" تكشف جانباً آخر من رؤية الكاتب للسلطة؛ فالهيمنة ليست فعلاً ذكورياً خشناً فقط، بل يمكن أن تمر عبر أدوات اجتماعية ناعمة، مثل المجاملة والعلاقات والولائم واستمالة الآخرين. وهنا يوسع أبو ناموس دائرة النقد لتشمل الثقافة الاجتماعية التي تهيئ المجال لاستمرار النفوذ.

من الناحية الفنية، تكشف الروايتان عن اهتمام واضح لدى الكاتب بتجاوز الحكاية التقليدية نحو بناء دلالي يحمل أسئلة فكرية. ففي "نباح المحمية" اعتمد على الرمز والمفارقة والتشخيص الحيواني، بينما اعتمد في "وشوشات في المضافة" على المكان بوصفه رمزاً، وعلى الشخصية المركزية بوصفها تجسيداً لبنية سياسية واجتماعية. وفي الحالتين يبقى الهدف واحداً: وضع الواقع أمام مرآة تكشف تناقضاته.

إن مشروع محمد أبو ناموس الروائي يتحرك إذاً في مسار تصاعدي؛ يبدأ من السخرية الرمزية التي تفكك الإنسان من الداخل، وينتهي إلى قراءة أكثر مباشرة للبنى التي تصنع مصائر الجماعات. إنه انتقال من "نباح" يكشف ما وراء الأقنعة إلى "وشوشات" تفضح ما يدور خلف الأبواب المغلقة.

ولعل القيمة الأهم في هذه التجربة أنها لا تقدم إجابات جاهزة، بل تفتح أسئلة مقلقة حول الإنسان والسلطة والمجتمع. فالأدب عند أبو ناموس ليس مجرد نقل للواقع، وإنما محاولة لإعادة رؤيته من زاوية تكشف المسكوت عنه. لذلك تبقى رواياته وفية لوظيفة الأدب الكبرى: أن تجعل القارئ يرى ما اعتاد ألا يراه، وأن يسمع الأصوات التي حاول الصمت طويلاً أن يخفيها.

  • "نباح المحمية" و"وشوشات في المضافة" تتشكل ملامح مشروع روائي يراهن على السخرية بوصفها وعياً، وعلى الرواية بوصفها أداة نقد وكشف، وعلى الكلمة بوصفها مساحة لمواجهة الأسئلة الكبرى التي تحكم حياة الإنسان والمجتمع.