تشير المراجع التي تناولت السيرة الأدبية الإبداعية للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني إلى أنه كتب على مدى ثلاث سنوات من العام 1964 وحتى العام 1967 ثلاثة نصوص مسرحية امتازت بدمج الأبعاد السياسية بالفلسفة الوجودية والرمزية الأسطورية، وأجمع النقاد والباحثون على أنها تمثل تجلّياً فريداً لتيار المسرح الوجودي في ثوب القضايا العربية والسياسية خلال فترة الستينيات، والتأكيد على أن كنفاني لم يكتب المسرح لمجرد الترف الجمالي، بل وضع الخشبة في مواجهة مساءلة مصيرية تفضح الصمت والحياد الأنطولوجي تجاه القهر والاستبداد، ولا شك أن خوض الأديب غسان كنفاني غمار الكتابة للمسرح يعكس حرصه على إيصال صوت الشعب الفلسطيني بمختلف الوسائل والسبل، فإن عجزت الرواية والقصة في ظرف من الظروف عن التعبير عن المأساة الفلسطينية وبطولات الشعب الفلسطيني كان المسرح هو الأداة التي يمكن التواصل من خلالها مع جمهور كنفاني الواسع الممتدّ من المحيط إلى الخليج.
ثلاث مسرحيات
الباب" عام 1964 وهي من خمسة فصول تستند إلى أسطورة "شداد بن عاد" ومدينته "إرم ذات العماد". تناقش صراع الإنسان الفلسفي مع القدر والموت والحرية.
"جسر إلى الأبد" عام 1965 كُتبت في الأصل لتُبث عبر إحدى الإذاعات العربية كحلقات درامية. تدور في فلك الأسئلة الوجودية العميقة والنفس البشرية.
*"القبعة والنبي" عام 1967 نُشرت بعد استشهاده عام 1973. تعتبر عملاً مسرحياً متأثراً بالمذهب الوجودي والحداثة.
خضعت هذه المسرحيات من قبل النقاد لتحليل نقدي مفصل للمحاور البنيوية والفكرية فيها، حيث ركزت دراساتهم النقدية ومنها بحث موثق في مجلة جامعة الخليل للبحوث على تفكيك بنية الخطاب المسرحي والتناص الأسطوري في مسرحية "الباب" من خلال إسقاط الأسطورة على الحاضر، حيث وظف كنفاني أسطورة "قوم عاد" العربية القديمة ومليكهم "شداد بن عاد" ليبين أن التوسل بالغيبيات والآلهة لطلب المطر يعكس عجز الوعي العربي التقليدي، في حين يمثل "شداد" في تحليلهم النقدي الفكر المادي العلمي الذي يرفض الانصياع المذل للقدر الأعمى. بينما يرمز الوفد المستسقي "قيل ورعد" إلى عقلية الاستسلام والمساومة، و"الباب" بوصفه دالة رمزية على الجدار الفاصل بين الاختيار الإنساني الحر والقدر المفروض: "وهو دعوة صريحة للفلسطيني والعربي لهدم المفاهيم المكبلة والخروج نحو الفعل والواقعية". أما في مسرحية "جسر إلى الأبد" فيقدم كنفاني تشريحاً للاغتراب والانتظار العبثي من خلال ثنائية الحياة والموت: "حيث يدور الحوار بين الشخصيتين فارس وسعاد حول أزمة وجودية تتعلق بجريمة قتل واتهامات ومواجهة لمعنى الفناء"، ويأتي "الجسر" كما جاء في بعض الدراسات رمزاً إلى البلدان العربية التي تعيش حالة تجمّد تاريخي واغتراب قسري، حيث يغدو الانتظار عبثياً بامتياز، ويتحول الموت من نهاية بيولوجية إلى جردة حساب يومية للذات الإنسانية. في حين ينتقل كنفاني في مسرحية "القبعة والنبي" ليرصد ظواهر الاغتراب والتشيؤ وصراع الأنا والآخر، وقد قوبلت هذه المسرحية بتحليلات نقدية معمقة تم الإشارة فيها إلى دمج كنفاني تقنيات الحداثة الغربية واللامعقول ليعبّر عن مأساة اللاجئ الذي تحول وجوده إلى محض أرقام وأشياء "التشيؤ"، فاقداً لخصوصيته البشرية داخل المخيمات.
جماليات مسرح كنفاني
وحول الرؤية النقدية الكلية لجماليات مسرح كنفاني كان الإجماع النقدي حول أدواته الدرامية التي تم تلخيصها في نقطتين:
*مسرح الثنائيات والجدل الديالكتيكي حيث يبني كنفاني نصوصه دائماً على ثنائيات متصادمة "الوعي/الجهل، الأنا/الآخر، الأرض/السماء"، وينتهي الصراع غالباً بانتصار منطق الأرض العقلي والإرادة الحرة على الغيب الاستسلامي.
*الذات الواقفة على حافة الاختيار فشخصيات غسان كنفاني المسرحية ليست كائنات سلبية تكتفي بالمعاناة، بل هي "ذوات مفكرة" تُجبر المتلقي على اتخاذ موقف؛ فالفعل والصمت كلاهما موقفان يحددان ماهية الإنسان.. وهنا نتوقف عند ما قاله د. أحمد مجدي فرج محمود المدرس المساعد في قسم الدراما والنقد المسرحي في كلية الآداب في جامعة عين شمس المصرية من أن غسان كنفاني كتب نصوصه المسرحية تعبيراً عن المعاناة من المناخ التشاؤمي الذي تسبب به الوجود الصهيوني على أرض فلسطين، مقارناً هذا الوجود بالظاهرة النازية وتفشيها في أوربا، وبالتحديد أثناء الحربين العالميتين الأولى (1914-1918) والثانية (1939-1945) مؤكداً فرج محمود أن غسان كنفاني اختار أن يضفي مضموناً سياسياً على أعماله المسرحية للتعبير عن موقفه من العدوّ الصهيوني، مبرزاً وجهة نظره بمواضيع تهمّ الشعب الفلسطيني وتستأثر باهتمامه مثل الحرية والثورة والتمرد على الاحتلال: "حيث لا سبيل للحصول على الحرية المشتهاة سوى اللجوء إلى التمرد، وإلا لا مهرب من الاستسلام".
وحين يتوقف فرج محمود عند مسرحية كنفاني "القبعة والنبي" يراها تتقاطع من حيث الحبكة الدرامية مع عمل أدبي فني للكاتب جان بول سارتر عنوانه "جلسة سرية" حيث تدور أحداث مسرحية "القبعة والنبي": "في قاعة محكمة من أبرز محتوياتها طاولتان متشابهتان يفصل بينهما حاجز حديدي يمثّل قفص اتهام، وهو مكوّن من ضلعين قابلين للحركة بحيث يدوران على مفصلةٍ تتيح تبادل الأدوار بين المتهم الموجود في القفص والقضاة"، وقد أراد كنفاني هنا –حسب فرج- تنبيه الجمهور إلى نقطة جوهرية هي أن المتهم والقضاة يمكن لهما تبادل الأدوار، فالمتهم قد يصبح قاضياً، والقاضي قد يصبح متهماً حيث تعرض المسرحية لمحاكمة متهم تسبب بمقتل كائن نادر قادم من الفضاء أطلق عليه كنفاني مسمى "الشيء" وقد استقر بمركبته الفضائية على شرفة المتهم الذي تبناه ورفض تسليمه إلى أية جهة سواء كانت علمية أو حكومية، معتبراً هذا الكائن نبياً ورسالة كونية لا يمكن التفريط بها، لكنه رغم هذا الحرص يقصر في رعايته فلا يقوم بتزويده بالماء لمدة طويلة، علماً أن "الشيء" لا يتغذى إلا بالماء، فيموت في النهاية، ويمثل المتهم أمام القضاء للتحقيق معه في الحادث وملابساته ولا يخف فرج أن كنفاني تأثر في مسرحيته هذه بمدرسة الفانتازيا التي تعتمد على الخروج من ثوب الواقعية، وقد تجلى ذلك بقيام كنفاني في مسرحيته بعدم التسليم بوجود كائنات فضائية أو أي كائنات أخرى سوى الإنسان، وبذلك ينفي جميع المسلّمات، واضعاً حواراً افتراضياً بين شخصية بشرية وشخصية فضائية فينقل المتلقي نحو عالم متخيَّل لا وجود له على أرض الواقع ليعبّر عن رسالة العمل التي تتمحور حول مفاهيم فقدان التواصل بين الزعماء والشعوب، لتكون النتيجة ضياع الأرض "موت شخصية الشيء في نهاية المسرحية": "وبهذا يقدم كنفاني في مسرحيته الصراع العربي الصهيوني في إطار لوحة خيالية في ظاهرها، لكنها تحمل معان سياسية ذات طابع ثوري".
تطرق غسان كنفاني في مسرحيته "الباب" إلى حكاية عربية قديمة هي حكاية قبيلة عاد التي عالجَها كنفاني حسب فرج- جاعلاً شخصياتها تتحدى القوى الغيبية في إشارة إلى أن الحرية لا يمكن اكتسابها من خارج البلاد بل هي نابعة من داخل الإنسان، وتحقيق الأحلام ليس بحاجة إلا إلى الاختيار الحر ومعارضة كل القوى التي تريد أن تقمع حرية الإنسان وتحدد خياراته.. ومن خلال أحداث المسرحية يؤكد كنفاني –كما يؤكد الباحث فرج محمود- أن المقاومة مستمرة دائماً جيلاً وراء جيل مهما كانت القوى الخارجية قوية ومهما تعاظم قمعها وهي متمثلة –كما تشير المسرحية- بالعدوّ الصهيوني، لتقدم المسرحية شكلاً من أشكال الصراع بين الإنسان والقوى الغيبية التي تفرض –في المسرحية- عقوبة الجفاف على الإنسان الذي يعارضها أو يخالفها الرأي ولا يمكن السماح بوصول المياه إلا في حال الترجي والتضرع وإبداء الندم والتوبة وأن يبتعد الإنسان عن حلمه في بناء مدينة مثالية، وهو الحلم الذي تعتبره القوى الغيبية جريمة، لكن الإنسان يستمر في المقاومة.. تقول شخصية الإنسان في المسرحية مخاطبة شخصية والدتها: "تريدينني أن أعيش في جهنم قلقي وخوفي وتساؤلي، أليس كذلك؟ تريدينني أن لا أصل إلى الجنة التي بنيتُها بإرادتي ليعدني بجنة لا أعرفها، أليس كذلك؟ لقد فهمت الآن.. إنه لا يريدني أن أصلَ إلى جنتي، ورغم ذلك فإنني أريد أن أذهب وأن أعرف أن جنتي لا تعطيني الاكتفاء الذي أريد، لكنها تبقى أفضل من جنة لم أبنِها". مفسراً فرج محمود العبارات الواردة في المقطع السابق بشكل سياسي: "حيث تمثل الشخصية الديكتاتورية الكيان الصهيوني الذي يقمع حلم الفلسطينيين في الحرية وفي تحرير الأراضي المغتصبة التي تمثل الجنة والوجود، والشخصية التي تجابه الظلم تعبّر عن ثورة الشعب الفلسطيني المستمرة التي لا تخمد شعلتها، كما أن تسليم راية المقاومة في المسرحية من شخصية إلى أخرى يعبر عن استمرار المقاومة عبر الأجيال والحقب الزمنية" في حين أن تسليم الراية من جيل إلى جيل –كما تبيّن المسرحية- يؤكد تفاوت مستويات المقاومة وتطورها، والبطل في المسرحية بطل ثائر، يعبّر عن ثورته بالتمرد والرفض المطلق، لكن حالة المجابهة عنده جاءت أقلّ مما هي عليه عند البطل الثاني الذي يأخذ سلاحه ويقرر مواجهته، ويأتي موقفه –حسب الباحث- نتيجة لقناعاته بأن الموت في ساحة المعركة يبعث على الفخر والاعتزاز حيث لا مكان للصمت والخنوع والموت مجاناً.
بقي أن نذكر أن امتدادات غسان كنفاني المسرحية لم تقتصر على هذه النصوص المسرحية بل شملت روايته الشهيرة "رجال في
الشمس" التي كتبها كنفاني في العام 1963 وقد تحولت مؤخراً إلى عرض مسرحي أخرجه الفنان السوري فراس المقبل وقدمه في مدينتي دمشق ودرعا، وقد جسَّد شخصيات المسرحية الفنانون: محمد المومني، عمر الحاوي، أحمد مسالمة، يوسف أبو حمد، رنا أكراد، هداية الفارس، رتاج المقبل، فراس المقبل.

