Menu

غسان كنفاني: دراسة في انتقال النموذج الجمالي وإعادة إنتاجه

د. ثائر يوسف عودة

نشر في مجلة الهدف العدد (85) (1559)

يصعب تناول أثر غسان كنفاني في الرواية الفلسطينية والعربية دون الوقوف عند طبيعة المشروع السردي الذي أنجزه خلال فترة قصيرة نسبياً لم تتجاوز خمسة عشر عاماً من الكتابة الإبداعية. فالأثر الأدبي لا ينشأ من حضور الكاتب أو شهرته فحسب، وإنما من قدرته على إنتاج نموذج جمالي جديد يمتلك قابلية الامتداد وإعادة الإنتاج في تجارب لاحقة. ومن هذا المنطلق، فإن أهمية غسان كنفاني لا تكمن في كونه أحد أبرز كتّاب القضية الفلسطينية، بل في نجاحه في تأسيس نموذج سردي أعاد تعريف وظيفة الرواية الفلسطينية، ونقلها من طور الشهادة التاريخية إلى طور التشكيل الفني.

مفهوم "إعادة الإنتاج"، هو مفهوم نقدي لا يكتفي بإثبات التأثير، بل يفسّر كيف تحوّل إرث كنفاني عبر أجيال مختلفة، من خلال تحليل الامتداد الجمالي والفكري لمشروع كنفاني السردي في أعمال عدد من الروائيين الفلسطينيين والعرب الذين برزوا منذ سبعينيات القرن العشرين حتى الوقت الراهن. وإن ما يمكن تسميته "النموذج السردي الكنفاني" لا يقتصر على مجموعة من الموضوعات المتعلقة ب فلسطين أو اللجوء أو المقاومة، وإنما يمثل بنية فكرية وجمالية متكاملة، تقوم على عناصر متفاعلة، وهذه العناصر هي التي انتقلت بدرجات متفاوتة إلى أجيال من الروائيين الفلسطينيين والعرب.

لقد جاءت الكتابة الفلسطينية بعد نكبة عام 1948 محمّلة بهاجس التوثيق والمحافظة على الذاكرة، وهو ما انعكس في كثير من النصوص الأولى التي غلب عليها الطابع التسجيلي والخطابي. غير أن كنفاني أحدث تحولاً نوعياً حين تجاوز منطق التسجيل إلى بناء عالم روائي تتشابك فيه الأزمنة، وتتداخل فيه الذاكرة مع الحاضر، ويغدو الإنسان الفلسطيني محوراً للوجود السردي، لا مجرد شاهد على المأساة.

يمكن القول إن غسان كنفاني لم يكتف بتجديد موضوع الرواية الفلسطينية، بل أعاد بناء بنيتها الجمالية من الداخل. ويمكن تلخيص أبرز ملامح النموذج السردي الكنفاني في النقاط الآتية:

1. الانتقال من الرواية التسجيلية إلى الرواية المؤسسة للوعي.

2. تحويل الشخصية من أداة حكائية إلى حامل للوعي التاريخي.

3. إعادة تعريف المكان بوصفه ذاكرةً وهويةً وعنصراً بنائياً.

4. تجاوز المباشرة السياسية لصالح بناء رمزي وإنساني أكثر عمقاً.

5. إعادة بناء الزمن الروائي على أساس الذاكرة، لا التسلسل الزمني.

6. التأسيس لاقتصاد لغوي يقوم على التكثيف والإيحاء، ويمنح القارئ دوراً فاعلاً في إنتاج المعنى.

7. جعل الرمز جزءاً من البنية السردية، لا عنصراً زخرفياً.

8. إقامة علاقة عضوية بين الواقعي والرمزي، يُكسب رواياته بعداً إنسانياً يتجاوز السياق الفلسطيني.

9. تأسيس نموذج سردي قابل للامتداد وإعادة الإنتاج في الرواية الفلسطينية والعربية اللاحقة.

وعلى الرغم من كثرة الدراسات التي تناولت غسان كنفاني، فإن معظمها انصرف إلى تحليل أعماله أو فكره السياسي أو مفهومه لأدب المقاومة، في حين لم يحظ تأثيره البنيوي في تطور الرواية الفلسطينية والعربية بدراسة مقارنة شاملة تجمع بين البعدين الجمالي والفكري. وعليه تنطلق هذه المقاربة من التساؤل الرئيس الآتي: إلى أي مدى أسهم غسان كنفاني في تشكيل البنية الجمالية والفكرية للرواية الفلسطينية والعربية الحديثة؟ ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الأسئلة الفرعية:

1. ما الخصائص التي تميز المشروع السردي عند غسان كنفاني؟

2. كيف انتقلت هذه الخصائص إلى الروائيين الفلسطينيين اللاحقين؟

3. ما مظاهر حضورها في الرواية العربية خارج فلسطين؟

4. هل اقتصر التأثير على الموضوع الوطني، أم امتد إلى التقنيات السردية؟

5. ما حدود هذا التأثير، وما أوجه التجديد التي أضافها الكتّاب اللاحقون؟

والهدف من ذلك كله هو إبراز أثر غسان كنفاني في تطور الرواية العربية الحديثة، لا بوصفه كاتباً مؤثراً فحسب، بل بوصفه مؤسساً لاتجاه سردي متكامل. والإسهام في إعادة قراءة أعمال عدد من الروائيين الفلسطينيين والعرب في ضوء علاقتها بالنموذج الكنفاني. ويمكن تصنيف الدراسات التي تناولت كنفاني إلى ثلاثة اتجاهات رئيسة: الاتجاه الأول: دراسات تناولت كنفاني بوصفه روائياً، وركزت على تحليل أعماله من حيث البنية السردية، والرمزية، والالتزام، دون أن تتوسع في دراسة أثره في غيره من الروائيين. والاتجاه الثاني: دراسات عُنيت بمفهوم أدب المقاومة الذي نظّر له كنفاني، وربطت بين الأدب والسياق السياسي، لكنها لم تبحث في انتقال النموذج السردي الكنفاني إلى الرواية العربية. والاتجاه الثالث: دراسات مقارنة تناولت بعض الروائيين الفلسطينيين أو العرب، إلا أنها غالباً ما اكتفت بالإشارة إلى التأثر بكنفاني دون تحليل معمق لآليات هذا التأثير على المستوى الفني والجمالي.

ومن هنا تتمثل الفجوة البحثية في غياب دراسة شاملة تجمع بين تحليل المشروع الكنفاني، وتتبع امتداداته في الرواية الفلسطينية والعربية من منظور نقدي مقارن. كما أن معظم الدراسات التي تناولت كنفاني تتوقف عند عبارة: تأثر به فلان وفلان، لكنها لا تجيب عن السؤال النقدي الأهم: ما الذي انتقل من غسان كنفاني إلى الرواية الفلسطينية والعربية؟ وكيف انتقل؟ وأرى أن هذا السؤال يقود للكشف عن آليات انتقال النموذج السردي الكنفاني، ويتناول أربعة أنماط من الانتقال هي: الانتقال المباشر عند من عاصروا كنفاني أو قرأوه مبكراً. الانتقال غير المباشر عبر الأجيال اللاحقة التي تشكل وعيها في ظل حضوره الثقافي. إعادة إنتاج النموذج حيث لا يُستنسخ كنفاني، بل يُعاد تشكيله في سياقات جديدة. مجاوزة النموذج حين ينطلق بعض الروائيين من كنفاني ثم يطوّرون أدواتهم الخاصة.

هذه الآليات تظهر كنفاني بوصفه مؤسساً لنموذج سردي عربي، لا مجرد روائي كبير أو منظّر لأدب المقاومة. تحاول هذه المقاربة أن تؤسس لرؤية نقدية جديدة حول غسان كنفاني. لأن معظم الدراسات العربية تقع في هذا التسلسل: غسان كنفاني ← تأثر به فلان وفلان ... وهذا وصف تاريخي، لكنه ليس تفسيراً نقدياً. وأنا أقترح أن نعكس طريقة التفكير، فنبدأ بالسؤال: ما الخصائص التي تجعل نصاً ما "كنفانياً" حتى لو لم يصرّح صاحبه بالتأثر بغسان كنفاني؟ وبدل أن نقول: تأثير غسان كنفاني، سنستخدم مفهوماً أكثر دقة: الوراثة السردية. فالوراثة تختلف عن التأثير؛ لأن التأثير قد يكون عابراً، أما الوراثة فتعني انتقال بنية جمالية يعاد تشكيلها في كل جيل. وهذا المفهوم استُخدم في النقد الغربي مع كتّاب مثل: وليام فوكنر –كافكا – جيمس جويس – فرجينيا وولف... لكنه لم يُطبَّق – بحسب ما يظهر في الأدبيات العربية المتداولة – بصورة منهجية على غسان كنفاني.

وهذه الوراثة أهم بكثير من عنوان "التأثير"، لأنه يعلن منذ البداية أن المتتبع لا يكتفي برصد التشابهات، بل يفسر آليات انتقال النموذج السردي وتحوله. وليس المطلوب إثبات أن غسان كنفاني أثر في الآخرين، فهذه حقيقة معروفة، وإنما صياغة إطار نقدي يفسر طبيعة هذا الأثر وآليات انتقاله. مع الحرص على ألا يقتصر البحث على إثبات أن فلاناً "تأثر" بغسان كنفاني، بل مناقشة حدود هذا التأثير، وما الذي أضافه كل كاتب إلى النموذج الكنفاني، حتى لا يبدو أن التجارب اللاحقة مجرد امتداد مباشر له. وقد أفضى ذلك إلى ظهور امتدادات متعددة للمشروع الكنفاني، بعضها حافظ على ملامحه الأساسية، وبعضها الآخر أعاد إنتاجه في صور جديدة، بما ينسجم مع التحولات التي شهدها الواقع العربي خلال العقود اللاحقة. وبالتالي يمكن تصنيف مستويات التأثير الكنفاني إلى ثلاثة مستويات، هي: التأثير الفكري: حضور القضية الفلسطينية، والهوية، والمنفى، والذاكرة. التأثير البنيوي: بنية السرد، بناء الشخصية، الزمن، المكان، والرمز. التأثير الجمالي: الاقتصاد اللغوي، التكثيف، النهايات المفتوحة، والبعد الإنساني.

أسهم كنفاني في تأسيس نموذج روائي فلسطيني جديد، تحوّل إلى مرجعية جمالية وفكرية في الرواية العربية، وأن حضوره في أعمال الكتّاب اللاحقين لا يقتصر على إعادة إنتاج موضوعاته، بل يمتد إلى إعادة توظيف تقنياته السردية ورؤيته للإنسان والتاريخ والذاكرة. ويظهر أن تأثير كنفاني تجاوز حدود الموضوع الوطني الفلسطيني ليصبح تأثيراً بنيوياً في تشكيل تقنيات الرواية العربية الحديثة، سواء على مستوى بناء الشخصية، أو توظيف المكان، أو هندسة الزمن السردي، أو الاقتصاد اللغوي، أو العلاقة بين الواقعي والرمزي. وأن هذا التأثير لم يكن أحادي الاتجاه، بل أعادت الأجيال اللاحقة إنتاج الإرث الكنفاني بما يتناسب مع تحولات السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية، وهو ما يؤكد حيوية مشروعه واستمراره في تشكيل الوعي الروائي العربي المعاصر.