Menu

تقريراتفاق المرحلة الثانية في غزة.. بين مرونة الفصائل وتنصّل نتنياهو

مهند فوزي أبو شمالة

خاص_بوابة الهدف الإخبارية

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وما يسمى بمجلس السلام الدولي ورئيسه نيكولاي ميلادينوف التوصلَ لاتفاق يقضي بدخول المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي أُبرم في شهر أكتوبر من العام الماضي، وذلك بتأكيد رسمي من حركة حماس والفصائل الفلسطينية التي قدمت موافقتها على المقترح المقدّم، على الرغم من أنّ الاتفاق في الشهور الماضية لم يمنع آلة الحرب الإسرائيلية من الاستمرار في خروقاتها الميدانية، وتفريغ بنود المرحلة الأولى من محتواها، وحوّل التهدئة إلى مجرد إدارة للاعتداءات وتقسيطٍ للعدوان.

اليوم، ومع الانتقال إلى الحديث عن بنود "المرحلة الثانية" ودخولها حيز التوافقات السياسية، تطرح هذه التفاهمات أسئلة حول مدى التنازلات التي قدمتها الفصائل الفلسطينية، ومدى جدية إسرائيل في التعاطي مع الاستحقاقات المقبلة، وحول الضغوط الحقيقية التي يمكن ممارستها مع الاحتلال لإيجاد آليات إجبار وإلزام تمنعه من إعادة كرّة الالتفاف على التعهدات، وإلّا فما القيمة الفعلية لأي وثيقة تُوقع إذا كانت الأطراف الإقليمية والدولية تعجز عن تحويلها إلى واقع ملزم؟

تفاصيل المقترح:

تنص مسودة الاتفاق، على تنفيذ عملية حصر وتخزين سلاح المقاومة بصورة تدريجية ومتسلسلة ضمن إطار شامل لتنفيذ خطة السلام، بحيث يُربط ملف السلاح بجدول زمني متزامن مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، من دون اتخاذ إجراءات أحادية من أي طرف، ويكون إعداد جدول تنفيذ عملية حصر السلاح خلال 14 يومًا، مع جواز تمديد مهلة إعداد جدول التنفيذ بقرار من لجنة التحقق الدولية.

كما تنص المسودة على أن تمديد الجدول الزمني مشروط بموافقة جميع الأطراف على خريطة الطريق، فيما ينص البند الثامن على أن هذه العملية مرتبطة أيضًا بحصر سلاح المليشيات المسلحة وفقًا للبند 10 من هذه الخريطة، وتؤكد أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة ستكون الجهة الوحيدة المخولة بإدارة عملية حصر السلاح وتخزينه والسيطرة عليه داخل القطاع.

ووفق النص، تتولى اللجنة الوطنية حصرًا مسؤولية الاحتفاظ بالسلاح أو تخزينه أو إدارته، في حين تشارك الفصائل الفلسطينية تنظيميًّا في إجراءات الحصر والتخزين، وتشدد المسودة على حظر نقله أو تسليمه إلى إسرائيل أو إلى أي جهة غير فلسطينية، مؤكدة أن السيطرة على الملف ستبقى بيد جهات فلسطينية فقط.

تربط المسودة بدء تنفيذ ترتيبات السلاح بمجموعة من الشروط السياسية والميدانية. وتنص على أن اللجنة الوطنية تتولى السيطرة على السلاح بعد استكمال البنود من السابع إلى العاشر في خريطة الطريق الخاصة بالاتفاق.

كما تشترط بدء التنفيذ بعد:

- دخول اللجنة الوطنية إلى قطاع غزة ومباشرة مهامها.

- انتشار قوة الاستقرار الدولية في القطاع.

- استكمال الالتزامات المتبقية من بروتوكول شرم الشيخ.

- توفير مسار سياسي موثوق يقود إلى حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وإقامة دولة فلسطينية.

- وتؤكد الوثيقة أن معالجة ملف السلاح ليست إجراء منفصلًا، بل جزءٌ من مسار سياسي وأمني متكامل.

يقف هذا التقرير عند المرونة التي أبدتها المقاومة الفلسطينية لإنجاز هذه التفاهمات، ومدى فاعلية أدوات الضغط المتاحة، وكيف سيتعامل الوسطاء مع معضلة "الضمانات" لضمان عدم انهيار المرحلة الثانية قبل أن تبدأ.

الحديث عن السلاح لا يعني التخلي عن الحقوق الوطنية

في هذا السياق، يؤكد عضو اللجنة المركزية العامة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ماهر مزهر، أن الحديث عن السلاح لا يعني التخلي عن الحقوق الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير ومقاومة الاحتلال، مشيرًا إلى أن النضال الفلسطيني الممتد لأكثر من مئة عام مرّ بمحطات متعددة دون أن يتوقف، وأن الحفاظ على هذه الحقوق يبقى خيارًا استراتيجيًّا للأجيال القادمة.

وأشار مزهر إلى أن أولوية فصائل المقاومة حاليًّا تتمثل بحماية الشعب الفلسطيني، ووقف التهجير، وتثبيت المواطنين في أرضهم، وإفشال أي مخططات تستهدف دفع الفلسطينيين نحو حلول وصفها بـ"الكارثية"، محذرًا من أن استمرار العدوان قد يفتح الباب أمام موجات تهجير جديدة تمتد من قطاع غزة إلى الضفة الغربية.

وأوضح مزهر أن التوصل إلى هذه الصيغة لم يكن وليد اللحظة، وإنما جاء بعد أشهر من المفاوضات والاتصالات المكثفة، شملت اجتماعات بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، أعقبها لقاءات أجرتها قيادة حركة حماس مع الوفد الأمريكي والوسطاء في مدينة العلمين المصرية، وصولًا إلى الإعلان عن الصيغة النهائية.

وأشار إلى أن الصيغة الحالية "لا تزال ضبابية وغير واضحة، ومليئة بالألغام، وتحتاج إلى وقت طويل لتتضح آليات تنفيذها"، معتبرًا أن الكرة باتت الآن في "الملعب الإسرائيلي"، وأن المطلوب هو خطوات عملية من الوسطاء، وفي مقدمتهم قطر و مصر وتركيا، إلى جانب ممارسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطًا لضمان تنفيذ الاتفاق، بما في ذلك الموافقة على دخول اللجنة الوطنية إلى قطاع غزة.

هل ستسلم الفصائل سلاحها؟

في هذا الإطار، رأى الكاتب والمحلل السياسي، محمد القيق أن الفصائل لن تقوم بتسليم سلاحها، مشيرًا إلى أن الفصائل تراهن في موقفها الحالي على الوقت، وأن الوسطاء أرادوا منهم إظهار هذا الموقف؛ لسحب الذريعة من تحت نتنياهو بخصوص ملف تجديد وتوسيع العدوان على لغزة.

وأوضح أن هذا الوضع يشير إلى ثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأول: قد يكون هناك ضغط من الوسطاء على الفصائل كي تُقدَّم هذه الورقة لدونالد ترامب بأنه قد سجل إنجازًا بأنه كسر غزة وكسر المقاومة، وهذا تفعله بعض الوساطات ويستفيد منه دونالد ترامب ليحبط إيران معنويًّا بأن هناك حالة انكسار في محور المقاومة.

السيناريو الثاني: قد يكون هذا عبارة عن تفاهمات ما بين الفصائل، لأنّ لديهم معلومات مسبقة بأن إسرائيل لن تنوي أن تقدم أي تنازل، خاصة أن إسرائيل مقبلة على انتخابات ومقبلة على ظروف كثيرة لا تسمح لها بتقديم أي تنازل، كأنهم يقولون: «ما علينا نقوم به ونقدمه للمجتمع الدولي».

السيناريو الثالث: وهذا وارد جدًّا، أن الفصائل لديها معلومات أمنية بأن هناك تصعيد واسع النطاق في المنطقة وغزة من ضمن المواجهة، وإسرائيل تبرر المواجهة في غزة بـ«شأن السلاح»، ومن ثَمَّ فكأنهم قالوا للجميع: «أن هذا موقفنا ونحن ننتظر تطبيق الاتفاق».

ويضيف الكاتب القيق في حديثه مع "بوابة الهدف"، أنه وفي كل الأحوال، يؤكد ما سلف ذكره أنه لا يوجد ما يشي بجدية الذهاب لتطبيق المرحلة الثانية أو حتى المرحلة الأولى، وأن كل الأطراف تحاول فقط اللعب على وتر الوقت أو على الخطوة التالية في المنطقة كي ترسم مسارها.

نتنياهو.. بين المراوغة والقبول بدفع الاستحقاقات

ويرجح المحلل السياسي أن نتنياهو سيعمل على تعطيل كل شيء، لأنّ لديه قرار بالتصعيد؛ وذلك يرجع لأزمته في الانتخابات الداخلية، وأزمة في عدم تحقيق أي إنجاز في الساحة الإقليمية، وهو يحاول أن يثبت نفسه أنه "ملك إسرائيل".

ولفت إلى أن نتنياهو يسعى لتفكيك السيادة الفلسطينية ولا يريد لغزة الاستقرار، سواء بحماس أو بفتح، مشيرًا إلى أن حماس غير موجودة بالضفة ونتنياهو يمنع استقرارها، ويطلق المستوطنين ويصادر الأراضي ويقسم المدن.

كما أوضح القيق في ختام حديثه مع "الهدف"، أن نتنياهو يريد تفكيك غزة وجعلها غير قابلة للحياة عبر: دعم المليشيات المسلحة، وتكثيف الغارات والقصف على مواقع المقاومة، وتجويع مناطق المقاومة، وخلق فوضى خلاقة أمنية.

ضغوط كبيرة مورست على الفصائل

في هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل الخبير في الشأن الإسرائيلي عادل شديد في حديثٍ له مع "بوابة الهدف"، أن قبول أو اضطرار الفصائل، وتحديدًا حركة حماس للتفاوض حول السلاح، يعكس الضغوط التي مورست عليهم من قبل الوسطاء، ووضعهم في موقف الخاطئ داخليًّا، بمعنى أنّ استمرار رفض الحديث حول السلاح قد يُفهم وكأن حماس لا تأبه هي والفصائل بمعاناة ومصلحة الناس.

وأوضح شديد أن هذا الخيار يعطي شرعية للإسرائيلي للاستمرار والتمادي، خاصةً في ظل المتغيرات الحالية المرتبطة بضبط السلوك الإسرائيلي من قبل الأمريكي في لبنان و سوريا وإيران، وإعطاء "إسرائيل" مساحةً وهامشًا أكبر في قطاع غزة، مع قرب الانتخابات وحاجة بنيامين نتنياهو وائتلافه إلى استغلال ساحة غزة الضعيفة لتمرير نوع من الانتصار أمام الرأي العام الإسرائيلي للاستفادة منه انتخابيًّا.

وعدَّ شديد أن حركة حماس نجحت في استخراج صيغة "تخزين السلاح" لوقف مخططات الاحتلال وشهيته باستئناف العدوان على قطاع غزة، وهذا لا يعني التراجع وكسر لكل الخطوط الحمراء، بل استطاعت نزع تنازل من الموقف الأمريكي الذي يمثله مجلس السلام.

يذكر أنّ نيكولاي ميلادينوف ومستشاره آري لايتستون عقدا الاثنين اجتماعًا حاسمًا مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أبلغاه خلاله بضرورة التزام حكومته بالمسار المحدد وإيقاف العمليات العسكرية في قطاع غزة فورًا.

ونقلت القناة 12 العبرية عن مصدر مطلع على كواليس الاجتماع وصفه للمحادثات بين الطرفين بأنها كانت "صعبة"، في ظل تمسك الاحتلال بمواقف ثابتة ترفض وقف العدوان والتراجع عن النقاط والمواقع الحالية التي تحتلها داخل قطاع غزة، إلى جانب رفض تعليق سياسة الاغتيالات المستهدفة.

بحسب القناة، فقد عمّم مكتب نتنياهو إحاطة على وسائل الإعلام الإسرائيلية، جاء فيها أن "إسرائيل لن تنسحب من الخط الحالي في قطاع غزة، وستواصل إحباط أي تهديد". ويشكل هذا الموقف رفضًا للمطلبين المركزيين اللذين طرحهما الجانب الأمريكي خلال اللقاء، وهما إعادة القوات الإسرائيلية إلى ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" المنصوص عليه باتفاق شرم الشيخ، ووقف عمليات الاغتيال والعدوان على القطاع، لا سيما بعد إعلان حركة حماس موافقتها على إطار الاتفاق الذي يقضي بدخول المرحلة الثانية حيز التنفيذ، ويتم بموجبها "حصر سلاحها وتخزينه".

نتنياهو لن يتغير.. والحل الأخير عند ترامب

في ظل هذه المعطيات، يقدّر الكاتب شديد في ختام حديثه مع "الهدف"، أنّ نتنياهو وائتلافه وشركائه من غير الممكن أن يقبلوا، لكن يبقى الرهان فقط على ضغطٍ من قبل الوسطاء، والضغط على الرئيس الأمريكي ترامب بلغة أكثر حدة بضرورة حل هذا المسار، الذي يعني بقاؤه على حالة خلخلة الاستقرار بالمنطقة تشكيلَ رافعة قوية جدًّا لكل قوى المقاومة بالمنطقة؛ من إيران إلى حزب الله إلى الحوثيين إلى حماس، وهذا من شأنه أن يصب في مصلحة أعداء الولايات المتحدة بالمنطقة إن كانت الإدارة الأمريكية معنية بمصالحها وليس فقط في مصالح إسرائيل.

استكمال اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة محطة مفصلية تضع الرئيس الأمريكي ومجلسه للسلام أمام اختبار الحقيقة؛ فبينما تبدي المقاومة الفلسطينية مرونة عبر تعاطيها مع الصيغ المطروحة للجم الشهية الإسرائيلية لإبادة الشعب الفلسطيني، يواصل بنيامين نتنياهو الرهان على فاشيته لربط مستقبله السياسي باستمرار العدوان وتفكيك القطاع. وتعيد هذه الفجوة أسبابها الرئيسية: غياب أدوات الإلزام والضمانات الحقيقية، ومع استمرار هذه المشكلة ستظل أي وثيقة سياسية عاجزة عن وقف العدوان، وتحويل أي اتفاق إلى مجرد أداة لإدارة الإبادة.