لمّا كانت الحركة الإصلاحيّة البروتستانتية مثار جدلٍ بين مؤيّد ومعارض ،ومتحفّظٍ ومحايد، فقد ارتأينا إلقاء الضّوء على هذه الحركة بالإشارة إلى أبرز النّتائج الّتي انتهينا إليها في إطار عمليّة بحثٍ دقيق ومعمّق عن تلك الحركة، بخاصّة فيما يتعلّق بمفهومها للإنسان، فما هي الإنجازات الّتي حقّقها الإصلاح البروتستانتي للإنسان ؟
ثمة إنجازات حققتها حركة الإصلاح الديني البروتستانتي في القرن السادس عشر أبرزها:
- التأكيد على أهمية الفـرد، وإعادة الاعتبار إليه ،فقد أصبح يشكل نقطة انطلاق للقيام بأيّ عملية إصلاح أو تغيير مهما كان نوعهـا، بحيث أضحى بمثابة علّة فاعلة في العالم بعد أن كان موجوداً منفعلاً فيه، وبات يُنظَرُ إليه بوصفـه كائناً عاقلاً ومفكـراً مبدعاً وحراً، بعد أن كان يُنظَرُ إليه بوصفه أداة مسخرة لخدمـة سيده وكاهنه، وبعد أن لم يكن يتمتع بأدنى قسط من العدالة والحرية، فعاش حياة من العبودية والقهر والاستلاب، عاش عبداً محتقراً في عالمه، يباع وَيُشرى، ويعاني صنوف العذاب والقهر النفسي والجسدي، من هنا ركز الإصلاح البروتستانتي بوصفه إصلاحاً شاملاً لكافة نواحي الحياة الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها على إبراز قيمة الفرد، من خـلال المبادئ التي دعا إليها، تلك المبادئ التي انطوت في جانب كبير منها على إعادة صياغة مفهوم الإنسان، هذا المفهـوم الذي جعل من الدّين مسألة شخصية بين المرء وربه، على نحو لا يخضع لسلطة الطّقوس الشكلية للكنيسة ورجال الدين، بل يُتْرَك لضمير كل فرد بمفرده، اعتقاداً بأنّ الدين الحق هو الدين النابع من قلب وفكـر الإنسان، وليس ما يُفرض عليه من الخارج، فحلّت التقوى حلولاً كلّياً محل الطقوس الكهنوتية المعمول بها، وأصبح الضمير السلطـة الّتي يُطالب الفرد بالخضوع إليها وليست سلطة الكاهن أو الكنيسة، كذلك أولى الإصلاح البروتستانتي أهمية للمسائل الدنيوية في الحياة، فَمالَ بالإنسان نحو الدنيويات، بعد أن كانت المسائل الدينية والغيبية تستحوذ على عقول ونفوس معظم الناس، فأضحت الأمور الحياتية لا تقل أهمية عن الأفكار الدينية المتعلّقة بالجحيم والمطهر والفردوس والملائكة والجن والشياطين.
وعليه فلم تعد صورة الفرد مُرَكَّبة من عناصر دينية فقط، وإنما من عناصر دنيوية ودينية، أصبحت العناصر الدنيوية فيها على درجة من القـوة لا تقل عن قوة الدين نفسه، والدّليل على ذلك تركيز المصلح الديني على العمـل أكثر من تركيزه على الطقوس الشكلية للدّين، فباتت النظرة للعمل وجمع الثروة والتشجيع على المنافسة والاستثمار وتحسين شروط حياة الفرد والأسرة والمجتمع وتطوير المؤسسات المدنيّة للدولة، نظرة قداسة، وباتت النظرة للفرد على أنه أشرف مخلوقات الله تشق الطريق نحو الحرية والديمقراطية، ومطالبة الحاكم بتوفير قَدْرٍ من العدالة والحرّيّة والدّيمقراطيّة بما يتيح للفرد التعبير عن رأيه، والمشاركة في انتخاب ممثّليه لمجالس الحكم المحلي، بمعنى الانتقـال بالإنسان من وضعية العبودية والخضوع والتبعيّة إلى وضعية التعـاون والتفاعل والمشاركة، بوصفها سبيلاً يَحُولُ دون تفجّر الصراعـات الاجتماعية والأهلية، ويحقق حالة من السلم الاجتماعي بين مختلف أبناء المجتمع ،ويتيح فرصـة النماء والازدهار لجميع الأفراد بشكل حر، وهو ما يشكل ركيزة أساسية نحو التعددية والديمقراطية التي وجدت تعبيراتها الواضحة في المجتمعات الأوروبية الحديثة اللاحقة.
أما العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فينبغي أن تخضع لجملة من المبادئ والمعايير القانونية التي تكفل الحق لكل مواطن بوصفه فرداً مدنياً يرتبط بالدولة على نحو ما. هذه المبادئ شكّلت قاعدة أساسية ومقدّمة ضرورية للانتقال بالفرد إلى المجتمع الأوروبي الحديث ـ مجتمع الرأسمالية والحداثة والعقلانية ـ الذي تجاوز مجتمع الإصلاح بكل جوانبه، فجاء بمثابة ثورة على مجتمع العصور الوسطى بكلّيّته، ليصبح الفرد سيداً على عالمه ومركزاً له، ولتنفرد الدولة في تنظيم شؤون الحياة المختلفة، دون تدخّل من الكنيسة التي لم تعد ضرورة ينبغي التمسك بها.
وعليه فإن أهم ما يميز المجتمع الأوربي الحديث عن مجتمـع الإصلاح هو فصل الدين عن الدولة، وسيادة الدولة الدستورية التي هي نتاج الإرادة الكلّيّة لأفراد المجتمـع، فأصبح الفرد عنصراً فاعلاً ومقرراً في اختيار شكل النظام السياسي الذي يعبر عنه، وأصبح العقل سلطة فاعلة ينبغي الرجوع إليه.
فالعمل المنتج والثّروة والحرية والديمقراطية والعقلانية، أهم السمات التي امتاز بها المجتمع المدني الحديث في أوروبا، والذي لم يكن بالإمكان الوصول إليه لولا الإنجـازات الكبيرة لحركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، وعليه فالمدنيّة الأوربية ليست حدثاً عابراً ومنقطع الجذور عن مرحلة الإصلاح الديني بحال من الأحـوال، على الرغم من تجاوزها لفكرة الإصلاح تجاوزاً نوعياً وكلياً، هذه المدَنيّة التي وجدت انتشاراً واسعاً لها في العالم بوصفها فكرة حضارية متعيّنة لها من القدرة على الغزو والانتشار والشمول ما جعل منها أنموذجاً حضارياً للمجتمعات الإنسانيّة بعامّة ،والمجتمعات الشّرقيّة الإسلاميّة بخاصّة، فزعماء الإصلاح الدّيني الإسلامي في القرن التاسع عشر، راعهم حالة التخلف والانحطاط التي تعيشها مجتمعاتهم ،فأصيبوا بصدمة حضارية نتيجة للمستوى الراقي للحضارة الغربية الحديثة، هذه الحضارة التي تهيمن على العالم دون أن يكون للدّين دورٌ أساسيٌ وفاعلٌ في أدائها، بل هي حضارة نشأت على أنقاض الدين، الأمـر الذي جعل منها حضارة مادية علمانية، فشرع المصلح الديني الإسلامي في فهم ولادة هذه الظاهرة، التي كان للإصلاح الديني الأوروبي أثرٌ في إنتاجها ،بفعل إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه صورة الله على الأرض وأداة "فاعلة" في الخلق والتطوير في كافة مناحي الحياة، فوجد أنّه حتى ينهض الشرق الإسلامي من كبوته، يتعين عليه أن يلتفت للأمور الدنيوية وأن يطلق العقل من عقاله وأن يأخذ بالمنجـزات الحضارية للمدينة الغربية بما لا يتعارض وروح الدين الإسلامي، بل ينبغي استخراج ما يتوافق منه مع المنجزات الحضارية للمدينة الغربية، وبخاصة الأسس التي قامت عليها المدينة الغربية كالفردية والحرية والديمقراطية والمساواة والعمل والعقل وما يتصل بالسياسة والاقتصاد والثقافة وميادين المعرفة المختلفة، بحيث تغدو الفكرة الحضارية المتطورة لمفهوم الإنسان في الإصلاح الديني الإسلامي، فكرة تقوم على المواءَمة بين العقل والدين، وبين المادة والروح.
ويبقى السّؤال الذي يحتاج إلى إجابة معمقة: لماذا أفلحت حركة الإصلاح الديني الأوروبي من المشاركة في إحداث نقلة نوعية في مفهوم الإنسان والوصول بأوروبا إلى مجتمع الحداثة والتنوير، في حين لم تفلح حركة الإصلاح الديني الإسلامي في الإسهام في إحداث تغيّراتٍ مماثلة في المجتمعـات الإسلامية؟ بل أنّ حركة الإصلاح الديني الإسلامي نفسها قد توقَّفَ تطورها، وربما زال وجودها منذ ظهور كتاب علي عبد الرزاق " الإسلام وأصول الحكم" عام1925.

