لم تتصدر الملفات العربية جدول الأعمال الرسمي لقمة حلف شمال الأطلسي التي انعقدت في أنقرة يومي السابع والثامن من يوليو/تموز 2026، إذ انصبّ التركيز المعلن على تماسك الحلف، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتوسيع القاعدة الصناعية العسكرية، وتعزيز الردع في مواجهة روسيا، وضمان استمرار الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا. غير أن قراءة القمة من خلال بيانها الختامي وحده لا تكشف سوى جانب من صورتها الاستراتيجية؛ فقد حضرت المنطقة العربية في اللقاءات الثنائية، واجتماعات مبادرة إسطنبول للتعاون، ومناقشات الأمن البحري والطاقة والدفاع الصاروخي، كما حضرت بعمق أكبر في الحسابات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز وسوريا و فلسطين وشرق المتوسط والبحر الأحمر.
تكمن الدلالة الأساسية لقمة أنقرة في أنها عكست انتقال الشرق الأوسط من هامش التفكير الأطلسي إلى أحد المحددات البنيوية للأمن الأوروبي والدولي. فلم يعد من الممكن الفصل بين الحرب الروسية على أوكرانيا، وأمن البحر الأسود، واستقرار شرق المتوسط، وإمدادات الطاقة القادمة من الخليج، وحماية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، والتحولات السياسية والأمنية في المشرق العربي. لقد أصبحت هذه المسارح مترابطة عبر أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، والممرات التجارية، وتوزيع القدرات العسكرية، واتجاهات الصناعات الدفاعية، ومستويات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي داخل الدول الأوروبية.
هذا التداخل بين المسارح الاستراتيجية يفسر لماذا حضرت الملفات العربية في قمة خُصصت أساساً لمستقبل الأمن الأوروبي. فالقارة التي أعادت تنظيم وارداتها من الطاقة بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا باتت أكثر اعتماداً على استقرار الخليج وشرق المتوسط وشمال أفريقيا، وأكثر حساسية تجاه أي تعطيل للممرات البحرية الممتدة من مضيق هرمز إلى باب المندب وقناة السويس. كما أن التهديدات الصاروخية، والطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، واستهداف منشآت الطاقة والموانئ، لم تعد أخطاراً محلية تخص دول المنطقة وحدها، بل أصبحت قادرة على إحداث تداعيات مباشرة في الاقتصاد والأمن الأوروبيين.
لم تتخذ المشاركة العربية شكلاً موحداً، بل توزعت بين مستويات متباينة من الحضور المؤسسي والسياسي. فقد تركز المسار الرسمي في دول مبادرة إسطنبول للتعاون، ولا سيما البحرين والكويت و قطر والإمارات العربية المتحدة، التي شارك ممثلوها في اجتماعات مع قيادة الحلف ووزراء خارجية الدول الأعضاء. أما سوريا، فحضرت عبر لقاءات ثنائية أجراها الرئيس أحمد الشرع مع الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والتركي رجب طيب أردوغان، وليس بوصفها شريكاً مؤسسياً في هياكل الناتو.
ويكشف هذا التوزيع أن الحديث عن «المشاركة العربية» لا يعني وجود كتلة عربية موحدة داخل القمة، بل شبكة من العلاقات الخليجية والشراكات الأمنية واللقاءات الثنائية التي تحكمها أولويات وطنية متباينة. فالدول المشاركة لم تدخل أنقرة بورقة سياسية جماعية أو تصور موحد للأمن الإقليمي، وإنما تحركت وفق حساباتها الخاصة المتعلقة بالدفاع والطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والعلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا و تركيا .
لم تُدعَ هذه الدول لأنها أصبحت جزءاً من الحلف، بل لأنها أصبحت جزءاً من البيئة الاستراتيجية التي لا يستطيع الناتو تأمين مصالحه من دون التعامل معها. فدول الخليج تقع في قلب معادلة الطاقة العالمية، وتمتلك موانئ ومطارات وبنى لوجستية ومنشآت قادرة على دعم الانتشار العسكري وحماية التجارة الدولية. كما أصبحت أسواقاً رئيسية للصناعات الدفاعية الغربية والتركية، وشركاء محتملين في تطوير أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، ومكافحة الطائرات المسيّرة، والأمن السيبراني، والإنذار المبكر.
وفي المقابل، تحتاج الدول العربية إلى شراكات تتيح لها الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، والتدريب، والاستخبارات، وأنظمة القيادة والسيطرة، وتمنحها قدرة أكبر على مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات على منشآت الطاقة والممرات البحرية. لذلك اتجه التعاون نحو مشروعات عملية في الأمن البحري، ومكافحة المسيّرات، والدفاع ضد التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، ومكافحة الإرهاب، وتطوير التشغيل البيني بين القوات.
ويمثل هذا المسار انتقالاً تدريجياً من نموذج يقوم على الحوار السياسي والتدريب المحدود إلى علاقة أكثر وظيفية ترتبط ببناء القدرات والتخطيط والتكامل اللوجستي. لكنه لا يعني حتى الآن انتقال الدول العربية إلى موقع الشريك الذي يشارك في صياغة العقيدة الاستراتيجية للحلف أو تحديد أولوياته العليا. فالتعاون يتوسع على المستوى التشغيلي، بينما تبقى عملية تعريف التهديدات وصناعة القرار الاستراتيجي متمركزة داخل هياكل الناتو والدول الغربية الكبرى.
أما تركيا، فقد تعاملت مع القمة بوصفها فرصة لإعادة تعريف موقعها داخل الحلف وفي محيطه الإقليمي. فهي لم تسعَ فقط إلى الظهور كدولة مضيفة، بل أرادت تأكيد موقعها بوصفها البوابة التي تربط الأمن الأوروبي بالشرق الأوسط والقوقاز والبحر الأسود. ومن هذا المنظور، خدم توسيع الحضور العربي مشروعاً تركياً أكبر يهدف إلى تحويل أنقرة إلى مركز إقليمي للصناعات الدفاعية والطاقة والنقل والتدريب العسكري والوساطة السياسية.
كما سعت تركيا إلى إزالة القيود المفروضة على تعاونها الصناعي الدفاعي مع الحلفاء، وإلى توسيع اندماج شركاتها في مشروعات التسلح الأوروبية والأطلسية. وتكتسب هذه المساعي أهميتها من التطور الذي حققته الصناعات الدفاعية التركية في مجالات الطائرات المسيّرة، والصواريخ، والعربات المدرعة، والسفن، وأنظمة القيادة والسيطرة. وتنظر أنقرة إلى الأسواق العربية بوصفها مجالاً للتصدير والاستثمار والتصنيع المشترك، بينما ترى بعض الدول العربية في تركيا مورّداً أقل تقييداً من عدد من الدول الغربية، وأكثر استعداداً لنقل التكنولوجيا وتوطين أجزاء من سلاسل الإنتاج.
لذلك لم يكن حضور الدول العربية منفصلاً عن منتدى الصناعات الدفاعية الذي رافق القمة، ولا عن القرارات الرامية إلى زيادة الإنتاج، وتسريع المشتريات المشتركة، وتقليص العوائق أمام انتقال المعدات والتكنولوجيا بين الدول الشريكة. ومع ذلك، لم تكشف القمة عن حزمة صفقات عربية كبرى يمكن اعتبارها تحولاً فورياً في موازين القوى الإقليمية. وتمثلت المكاسب المباشرة بصورة أكبر في فتح قنوات مؤسسية جديدة، وتوسيع برامج الشراكة، وتعزيز فرص التعاون الصناعي المستقبلي.
برز الملف الإيراني ومضيق هرمز باعتبارهما أكثر الملفات الشرق أوسطية حضوراً في النقاشات السياسية والمخرجات الرسمية. فقد أكدت القمة ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وشددت على أهمية ضمان حرية الملاحة في المضيق، في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما رافقها من تهديدات للممرات البحرية ومنشآت الطاقة والقواعد العسكرية في المنطقة.
غير أن هذا الملف كشف أيضاً عن تباين بين الرؤية الأطلسية والرؤية الخليجية للأمن. فالناتو يميل إلى تعريف أمن الخليج من خلال ردع إيران، وحماية الملاحة، وضمان استمرار تدفقات الطاقة. أما دول الخليج، فتنظر إلى أمنها من زاوية أكثر تعقيداً تشمل الردع، وخفض التصعيد، والحفاظ على القنوات السياسية مع طهران، وتجنب التحول إلى ساحات خلفية لحرب مفتوحة قد تجعل مدنها وموانئها ومنشآتها أهدافاً مباشرة.
ومن هنا اتسم الموقف الرسمي العربي بالبراغماتية. فقد أبدت الدول العربية استعداداً لتطوير التعاون الأمني والتقني مع الحلف، لكنها تجنبت التماهي الكامل مع خطاب المواجهة الغربية أو الانخراط في ترتيبات قد تنقل الحرب إلى أراضيها. فهي تحتاج إلى التكنولوجيا والحماية والتنسيق الاستخباراتي، لكنها لا ترغب في أن تتحول الشراكة مع الناتو إلى اصطفاف صلب يقوّض استقلال قرارها أو يهدد استقرارها الاقتصادي.
ولا يمكن فصل أزمة مضيق هرمز عن أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط. فهذه الممرات تشكل سلسلة واحدة لانتقال النفط والغاز والسلع والبيانات، وأي اضطراب في إحدى حلقاتها ينعكس على الأسواق الأوروبية والعالمية. لذلك لم تعد حماية الموانئ والناقلات وكابلات الاتصالات البحرية مسألة اقتصادية منفصلة، بل أصبحت جزءاً من مفهوم الردع الشامل. وكلما اتسع انخراط الناتو في هذه الملفات، ازدادت حاجته إلى البنية التحتية والمعلومات والموانئ والشراكات العربية، ما يمنح الدول العربية أوراق تفاوض إضافية، لكنه يرفع أيضاً مخاطر تورطها في صراعات لا تتحكم في مساراتها.
أما سوريا، فقد حضرت في دبلوماسية القمة أكثر مما حضرت في وثائقها الرسمية. فاللقاءات التي عقدها الرئيس أحمد الشرع مع ترامب وأردوغان عكست محاولة لإدخال سوريا الجديدة في ترتيبات إقليمية ودولية مغايرة، بعد سقوط نظام الأسد والتراجع الكبير في نفوذ إيران وحزب الله. وبالنسبة إلى واشنطن وأنقرة، تمثل سوريا ساحة لإعادة توزيع النفوذ، وممراً يربط المتوسط ب العراق والخليج، وملفاً يؤثر في مكافحة الإرهاب، واللاجئين، وأمن الحدود، والتوازن مع روسيا وإيران.
لكن غياب سوريا عن البيان الختامي يؤكد أن القمة لم تنتج سياسة أطلسية مشتركة تجاهها. فقد بقي الملف خاضعاً لإدارة الدول الأكثر انخراطاً فيه، وفي مقدمتها تركيا والولايات المتحدة. ويكشف ذلك فرقاً جوهرياً بين المسار الرسمي للقمة، الذي ينتج التزامات جماعية في ملفات مثل أوكرانيا والإنفاق الدفاعي، والمسار الموازي الذي تتحول فيه القمة إلى منصة للقاءات الثنائية والتفاهمات الجزئية بشأن الملفات العربية.
وتكتسب إعادة إعمار سوريا أهمية خاصة في هذه المعادلة؛ لأنها لا تمثل ملفاً اقتصادياً وإنسانياً فقط، بل أداة لإعادة توزيع النفوذ داخل المشرق. فالدول والقوى التي تمول الإعمار وتشارك في البنية التحتية والطاقة والموانئ ستكون قادرة على التأثير في مستقبل النظام السياسي والاقتصادي السوري. ومن ثم، ستصبح سوريا ساحة تنافس بين تركيا والدول العربية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، مع بقاء خطر إخضاع عملية الإعمار لشروط جيوسياسية قد لا تتطابق دائماً مع أولويات المجتمع السوري.
وتبقى فلسطين أكثر الملفات كشفاً لأزمة الشرعية الغربية. فقد غابت حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على قطاع غزة عن المخرجات السياسية المركزية للقمة، رغم أنها أصبحت من أكثر القضايا تأثيراً في الرأي العام العربي والإسلامي وفي صورة أوروبا والولايات المتحدة خارج المجال الغربي. وفي الوقت الذي أعادت فيه القمة التأكيد على القانون الدولي، وسيادة الدول، وعدم جواز تغيير الحدود بالقوة في سياق الحرب الروسية على أوكرانيا، لم تُترجم هذه المبادئ إلى موقف مماثل تجاه الاحتلال الإسرائيلي والقتل الجماعي والتجويع والتهجير في قطاع غزة.
ولا تعني أزمة الشرعية الغربية فقدان الولايات المتحدة وأوروبا قوتهما العسكرية أو الاقتصادية، ولا انهيار منظومة التحالفات التي تقودانها. إنها تعني تراجع قدرتهما على تقديم سياساتهما باعتبارها تطبيقاً متسقاً ومحايداً للقانون الدولي. فالشرعية لا تحل محل القوة، لكنها تقلل تكاليف استخدامها، وتسهل بناء التحالفات، وتمنح القرارات قبولاً أوسع. وعندما تتآكل، تحتاج الدول إلى مزيد من الضغوط والحوافز للحفاظ على الشركاء، كما يتسع المجال أمام روسيا والصين وقوى أخرى لتقديم روايات بديلة عن النظام الدولي.
ومن الضروري هنا التمييز بوضوح بين المواقف الرسمية للدول العربية والموقف الشعبي العربي. فالحكومات تتحرك وفق منطق الدولة وإدارة المخاطر والمصالح، وتحتاج إلى العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا في مجالات الدفاع والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة. لذلك اتسم خطابها في القمة بالبراغماتية الواقعية، وركز على تعظيم المكاسب العملية، والحفاظ على قنوات التعاون، وطرح المخاوف الإقليمية بلغة دبلوماسية لا تؤدي إلى صدام مباشر مع الشركاء الغربيين.
لكن هذه البراغماتية الرسمية لا تعكس بالضرورة اتجاهات الرأي العام العربي. فقد أدت حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على غزة إلى تراجع واسع في صورة الغرب لدى قطاعات كبيرة من المجتمعات العربية، ليس بسبب الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل فقط، بل بسبب التناقض بين الخطاب الغربي حول القانون الدولي وحقوق الإنسان وبين ممارساته الفعلية. وأصبحت غزة عدسة رئيسة تُقرأ من خلالها السياسات الغربية، بحيث لم يعد تأثير الحرب مقتصراً على التضامن الشعبي مع الفلسطينيين، بل امتد إلى إعادة تقييم صدقية الغرب ومؤسساته وخطابه الأخلاقي.
ولا ينبغي اختزال العلاقة بين الحكومات والمجتمعات في تعارض مطلق. فالمسألة تتعلق باختلاف مستويات الفعل وأدواته. الحكومات مطالبة بحماية مصالح الدولة وإدارة التوازنات الأمنية والاقتصادية، بينما يقيس الرأي العام المواقف من زاوية العدالة والهوية والكرامة والاتساق الأخلاقي. ومع ذلك، لا تستطيع الحكومات تجاهل المزاج الشعبي بصورة مفتوحة أو دائمة؛ لأن اتساع الفجوة يرفع الكلفة السياسية الداخلية للتعاون مع الغرب، ويجبرها على تبني خطاب أكثر استقلالاً، ويحد من قدرتها على الدخول في ترتيبات أمنية قد تُفهم شعبياً باعتبارها دعماً للسياسات الغربية أو الإسرائيلية.
ومن هنا تتحول حرب غزة من ملف أخلاقي إلى متغير استراتيجي. فتآكل الثقة الشعبية في الغرب يمكن أن يؤثر في شرعية وجوده العسكري، وفي استقرار شركائه، وفي فعالية التعاون الأمني، وفي القدرة على مكافحة التطرف وبناء التحالفات الإقليمية. كما قد يدفع قطاعات من النخب العربية إلى المطالبة بتنويع الشراكات مع الصين وروسيا وتركيا وقوى آسيوية أخرى، ليس بهدف استبدال الغرب كلياً، بل لتقليل الاعتماد عليه وتوسيع هامش المناورة.
غير أن امتلاك الدول العربية رصيداً أخلاقياً أو أوراقاً جيوسياسية لا يعني تلقائياً قدرتها على التأثير في مخرجات القمة. فقد أظهرت الوثائق الختامية هرمية واضحة في الأولويات؛ إذ حصلت أوكرانيا على التزامات عسكرية ومالية وسياسية محددة، بينما اختُزلت المنطقة العربية في إشارات إلى إيران وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وغابت فلسطين وسوريا ولبنان والبحر الأحمر عن جوهر المخرجات.
ويكشف هذا التفاوت أن الحضور العربي كان مهماً لإدارة المخاطر والشراكات والعمليات، لكنه لم يتحول إلى قدرة مقابلة على صياغة اللغة السياسية والالتزامات الاستراتيجية للقمة. فقد تعامل الحلف مع أوكرانيا باعتبارها جزءاً من مركز منظومته الردعية، بينما تعامل مع الدول العربية باعتبارها شركاء في تأمين الجناح الجنوبي والممرات الحيوية.
ولا يتعلق هذا الفارق بحجم التهديدات وحده، بل أيضاً بدرجة التنظيم السياسي وتوحيد المطالب. فقد دخلت أوكرانيا القمة بأجندة واضحة ومؤشرات قابلة للقياس تتعلق بالتمويل والتسليح والدفاع الجوي والصناعات المشتركة، بينما دخلت الدول العربية بأجندات وطنية متباينة، ولم تقدم ورقة مشتركة تربط التعاون الأمني بمواقف محددة من فلسطين أو سوريا أو أمن المنطقة.
وانعكس هذا التباين في السرديات الإعلامية. فقد ركز الإعلام التركي على نجاح أنقرة في استضافة القمة وتعزيز موقعها كقوة مركزية داخل الحلف وجسر بين أوروبا والشرق الأوسط. واهتم الإعلام الخليجي بالشراكات الدفاعية، وأمن الممرات البحرية، ومكافحة الطائرات المسيّرة، واللقاءات الثنائية. أما الإعلام الأوكراني، فنظر إلى القمة من زاوية الدعم العسكري والالتزامات المالية وتطوير الصناعة الدفاعية، في حين ركز الإعلام الغربي على الخلافات داخل الحلف بشأن إيران ومضيق هرمز، وعلى مستقبل العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة.
قطاعات واسعة من الإعلام والرأي العام العربي، قارنت بين كثافة الخطاب الغربي عن القانون الدولي والسيادة في أوكرانيا، وبين صمته أو دعمه للسياسات الإسرائيلية في فلسطين. ويكشف اختلاف السرديات أن كل طرف رأى القمة من خلال أولوياته الخاصة، وأن المشاركة العربية لم تنتج بعد رواية سياسية موحدة يمكنها منافسة السرديات الأطلسية أو التأثير في صياغتها.
مع ذلك، حققت الدول العربية المشاركة مكاسب عملية لا يمكن تجاهلها. فقد عززت وصولها إلى مؤسسات الحلف، ووسعت برامج التدريب والتشغيل البيني، وفتحت مجالات للتعاون في الأمن البحري والدفاع الجوي ومكافحة المسيّرات والإرهاب، ورفعت فرص جذب الاستثمارات والتكنولوجيا الدفاعية. كما أتاحت القمة للدول الخليجية التواصل المباشر مع القوى الغربية في لحظة شديدة الحساسية، والمشاركة في مناقشة ترتيبات الملاحة والطاقة التي تمس أمنها القومي بصورة مباشرة.
لكن هذه المكاسب بقيت دون مستوى التحول الاستراتيجي الكامل. فالدول العربية لم تفرض إطاراً جماعياً لمعالجة أمن الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط، ولم تربط تعاونها الدفاعي بمراجعة السياسات الغربية تجاه غزة، ولم تنتقل من موقع مستهلك السلاح والخدمات الأمنية إلى موقع الشريك المتكافئ في تعريف التهديدات وصياغة العقائد والقواعد.
ويتوقف الانتقال من نموذج «الحوار والشراكة» إلى نموذج «الشراكة الأمنية واللوجستية والصناعية» على قدرة الدول العربية على بناء أجندة تفاوضية أكثر تماسكاً. وهذا يتطلب توحيد الحد الأدنى من تعريف التهديدات، وتطوير مشروعات مشتركة في الدفاع الجوي والإنذار المبكر والأمن البحري والأمن السيبراني، وربط المشتريات العسكرية بنقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي، وتحويل الموانئ والممرات والبنية التحتية إلى أصول تفاوضية، لا مجرد خدمات متاحة للشركاء.
كما يتطلب استخدام المكانة الأخلاقية بصورة مؤسسية، لا خطابية فقط. فلا يكفي توجيه الانتقادات إلى ازدواجية المعايير، بل ينبغي تحويل هذه الانتقادات إلى مطالب سياسية وقانونية قابلة للقياس، وربط مستويات التعاون السياسي والأمني بإجراءات محددة لحماية المدنيين، وضمان تدفق المساعدات، ودعم المساءلة، وإعادة الإعمار، والاعتراف بالحقوق الفلسطينية. ومن دون ذلك، ستبقى أزمة الشرعية الغربية ورقة احتجاج شعبية أكثر منها أداة تفاوض عربية.
إن التحول الذي كشفت عنه قمة أنقرة لا يتمثل في انتقال الدول العربية إلى داخل الناتو، وإنما في انتقال الشرق الأوسط إلى داخل الحسابات الأطلسية. فقد أصبحت الطاقة، والملاحة، والصناعات الدفاعية، والتهديدات الصاروخية، والطائرات المسيّرة، وسوريا، وإيران، وفلسطين، عناصر متصلة بالأمن الأوروبي وبقدرة الحلف على الردع والتعبئة والحفاظ على شرعيته.
غير أن هذا الاندماج لا يجري بين طرفين متساويين. فقد دخل الناتو المنطقة وهو يمتلك مؤسسات وعقائد وخططاً صناعية وأهدافاً محددة، بينما دخلت الدول العربية بعلاقات ثنائية ومصالح متباينة وأجندات غير موحدة. ولذلك فإن السؤال المستقبلي لن يكون ما إذا كان التعاون بين الجانبين سيتوسع، فهو مرشح للتوسع بالفعل، وإنما ما إذا كانت الدول العربية ستتحول من شركاء تشغيليين في حماية نظام أمني يصوغه الآخرون إلى أطراف قادرة على المشاركة في تعريفه وصياغة قواعده.
وفي هذا السياق، تمثل أزمة الشرعية الغربية فرصة وتحدياً في آن واحد. فهي تمنح الدول العربية مساحة أوسع للاعتراض والمناورة وإعادة التفاوض، لكنها لا تتحول تلقائياً إلى نفوذ ما لم تُدعَم بالتنسيق السياسي، والقدرة الصناعية، والتحكم في الأصول الاستراتيجية، وصياغة بدائل قابلة للتنفيذ. لقد أظهرت قمة أنقرة أن الجغرافيا العربية باتت ضرورية للأمن الأطلسي، لكنها أظهرت أيضاً أن الضرورة الجيوسياسية لا تعني بالضرورة قيام شراكة سياسية متكافئة.
ومن ثم، فإن المعادلة التي ستحدد مستقبل العلاقة بين الناتو والعالم العربي لن تقوم فقط على السلاح والطاقة والموانئ، بل على قدرة الجانبين على التوفيق بين المصالح والقيم. فالحلف الذي يسعى إلى تقديم نفسه حارساً لنظام دولي قائم على القانون لا يستطيع الحفاظ على شرعيته العالمية وهو يتعامل مع القانون بانتقائية بين أوكرانيا وفلسطين. والدول العربية التي تمتلك موقعاً جيوسياسياً حاسماً لن تستطيع تحويل هذا الموقع إلى تأثير مستدام ما دامت تتحرك بصورة منفردة وتفصل بين التعاون الأمني ومطالبها السياسية.
لقد دشنت قمة أنقرة مرحلة جديدة من تداخل الأمن الأوروبي والعربي، لكنها لم تحسم طبيعة هذه المرحلة. فقد تقود إلى شراكة أكثر توازناً تقوم على الصناعة والتكنولوجيا والأمن المشترك، وقد تعيد إنتاج العلاقة القديمة في صورة أكثر تطوراً، حيث توفر الدول العربية الطاقة والمواقع والأسواق، بينما يحتفظ الغرب بسلطة تعريف التهديدات وصياغة السياسات. وبين الاحتمالين، ستحدد قدرة الدول العربية على تحويل ثقلها الاقتصادي والجغرافي والأخلاقي إلى مشروع استراتيجي جماعي موقعها الحقيقي في النظام الأمني الذي يجري بناؤه من بحر البلطيق والبحر الأسود إلى شرق المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي.

