- رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على استخدام عبارة "النصر المطلق" في عدوانه على قطاع غزة وارتكابه جرائم إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني، وهو يدرك عدم قدرته على حسم المواجهة مع المقاومة. وظل يبحث عن صورة نصر يقدمها للجمهور الإسرائيلي، مستخدماً المراوغة والخداع، في محاولة لاستعادة ثقة الإسرائيليين الذين أدخلهم في حرب مفتوحة، تحقق له النجاة، وتوصله إلى انتخابات الكنيست في موعدها المحدد، كاشفاً عن غاياته في إتمام ولايته كاملة، وتحقيق الانتصار على خصومه الذين راهنوا على سقوطه وخروجه من الحياة السياسية.
أقرت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي بالقراءتين الثانية والثالثة مشروع قانون تمويل الأحزاب، الذي تضمن قرار حل الكنيست الـ25 بدعم 62 نائباً من دون تسجيل أي اعتراض أو امتناع عن التصويت، إيذاناً بالذهاب نحو الانتخابات العامة التي ستُجرى في موعدها المقرر في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، بعد إتمام الكنيست الحالي ولاية كاملة مدتها 4 سنوات. وبموجب قرار الحل، يدخل الكنيست في عطلة انتخابية تمتد حتى انعقاد ولايته الـ26، بينما تواصل حكومة نتنياهو أداء مهامها بصفة حكومة تسيير أعمال إلى حين تشكيل ائتلاف حكومي جديد عقب الانتخابات. وتأتي انتخابات الكنيست السادسة والعشرين المقبلة وسط استقطاب سياسي واجتماعي غير مسبوق تشهده إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أعقبه من تداعيات أمنية وعسكرية وسياسية عميقة. وترى الأوساط الإسرائيلية أن الولاية الحالية لنتنياهو وحكومته كانت "الأكثر ضرراً في تاريخ إسرائيل"، وخاضت حملة تشريعات مدمرة في الأسابيع الأخيرة. ففي عهدها وقعت عملية طوفان الأقصى التي هزت أركان الكيان الصهيوني وأساطيره الزائفة في فلسطين، ووضعت الإسرائيليين أمام تساؤلات وجودية ومصيرية يكتنفها الغموض وعدم اليقين، ثم خاضت حكومة نتنياهو سلسلة من الحروب العدوانية في المنطقة؛ تم تغليفها بشعارات مضللة مثل "النصر المطلق"، مما حولها إلى حروب مفتوحة أرهقت الجيش الإسرائيلي. وارتكبت هذه الحكومة جرائم إبادة جماعية؛ حوّلت إسرائيل إلى حالة منبوذة ومكروهة في جميع أنحاء العالم. إضافة إلى ذلك، أججت الحكومة التناقضات والصراعات الداخلية وزَرعت الأحقاد في نفوس الإسرائيليين وعمقت الانقسامات بينهم، وباتت نذر الحرب الأهلية تدق ناقوس الخطر.
لقد أُطلق نتنياهو علنًا لأول مرة عبارة النصر المطلق في خطابه أمام الكنيست في 12 أكتوبر 2023، عند تشكيل حكومة الطوارئ، وحظيت تصريحات نتنياهو على اهتمام واسع من مؤيدين ومعارضين في وسائل الإعلام والخطاب العام والمحافل الدولية. فمن جهة المعارضين أصبحت فكرة النصر المطلق موضع انتقاد وسخرية وازدراء، إذ زعم بعضهم أنها تُستخدم كغموض مُتعمّد لتأجيل الاتفاقيات، أو تجنّب إعادة الأسرى، أو إطالة أمد الحرب، وأن نتنياهو يستخدم هذه العبارة للتهرّب من المسؤولية، لأن النصر يتحقق عند بلوغ الأهداف السياسية طويلة الأمد. وزعم آخرون أن المصطلح غير واضح للقيادة العسكرية ولا يُترجم إلى تعليمات عملياتية. ومن جهة المؤيدين أصبحت العبارة رمزاً للأمل وتحقيق الأحلام، إذ استطاع نتنياهو اقناع مؤيديه بالشعارات التي أطلقها، وأشغلهم في البحث عن معنى النصر المطلق الذي بدا مستحيلاً على صعيد المواجهة مع قوى المقاومة، مع العلم أنه استخدم القوة المفرطة التي كانت دائما تنعكس سلباً على الجبهة الداخلية الإسرائيلية. وكان كلما تصاعدت ردود الفعل والانتقادات الداخلية تجاه سياساته التدميرية، يكرر عبارة النصر المطلق من أجل تبرير مغامرته وكلفتها العالية التي تتكبدها إسرائيل، لأن كل ما يهم نتنياهو هو النجاة الشخصية وتحقيق أهدافه الخاصة التي يضعها فوق الحكومة والجيش ومصلحة الجمهور الإسرائيلي. ذلك أن نتنياهو يرى في كل انتقاد موجه إلى سياساته خطراً شخصياً عليه، وليس مجرد انتقاد موضوعي يتعلق بإخفاقاته في الحكم، ويعتبر نتنياهو البقاء في الحكم هدفاً أسمى وأولية قصوى يجب عليه تحقيقها بكل ثمن وطريقة ممكنة.
بعد حل الكنيست في 17 تموز/يوليو2026، كشف نتنياهو الذي شارك في جلسة التصويت النهائي مؤيداً قرار الحل، أن النصر المطلق بالنسبة له هو أن يستمر ائتلافه بالحكم، ويبقى رئيساً للحكومة حتى الانتخابات القادمة في موعدها المحدد. ووضع نتنياهو لنفسه ذلك المفهوم المضلل والخاص للنصر، من أجل مواصلة حرب الإبادة وإبقاء العدوان مستمراً حتى انتخابات الكنيست المقبلة. فالنصر المطلق هو عدم خسارة نتنياهو المقر الرسمي لرئيس الحكومة، وعدم خسارته تلك الهالة الملكية التي اكتسبها نتنياهو بعد قرابة عقدين من الحكم. ذلك أن النصر المطلق هو النصر الشخصي لنتنياهو. فقد حقق نتنياهو النصر المطلق على المعارضة بأنه حافظ على الائتلاف الحكومي لأطول فترة ممكنة، ثم الهروب من المحاكمة، والبقاء لأطول فترة ممكنة في الحكم، كما حقق نصراً على الشرطة الإسرائيلية التي لاحقته وحققت معه، فحوّلها إلى ما يشبه الدمية التي تتحرك بواسطة التحكم عن بعد في خدمة اليمين، بعد أن عيّن بن غفير وزيراً مسؤولاً عنها، فأصبح إنفاذ القانون في قوانين الهدم والبناء في الأحياء العربية يتم بصورة انتقائية، وبدوافع عنصرية. وانتقل نتنياهو من الشرطة إلى الإعلام، فحقق النصر المطلق عليه، بدعمه "القناة 14"- قناة اليمين المتطرف الداعم بصورة مطلقة لسياساته ولشخصه. وعقد مع الحريديم صفقة لتمرير قوانين تشجع على التهرب من الخدمة العسكرية، وتوزيع المحسوبية، وإضعاف دور النائب العام لتنفيذ حملة تشويه سياسية ضد المستشارة القانونية غالي بهاراف ميارا، وتقويض حرية الصحافة. وقرر تصفية الحسابات مع عدد من مظاهر السلطة والإدارة، وخصوصاً تلك التي تناولت قضايا الفساد المنسوبة له ولزوجته، فقرر أن يعيد ترتيب مؤسسات القضاء، بصورة تضمن عدم تهديدها لسلطته ونفوذه في المستقبل.
يوصف نتنياهو من قبل مؤيديه بأنه "سيد الأمن" كما يرغب أن يطلق على نفسه المنقذ أو المخلّص، ولهذا سوف يحمل وصمة العار التي ستلاحقه في حياته، باعتباره الشخص الذي قاد إسرائيل إلى أكبر هزيمة عسكرية في تاريخها- كارثة 7 أكتوبر. فهو الذي يتحمل المسؤولية الأمنية لأنه هو من تجاهل التحذيرات المتكررة من قادة المؤسسة الأمنية، بأن الانقلاب والانقسام الذي أحدثه في الرأي العام الإسرائيلي سيؤديان في نهاية المطاف إلى وضع إسرائيل أمام مواجهة خطر الانهيار الداخلي. وعلى صعيد العلاقة مع الولايات المتحدة، ارتكب نتنياهو كل خطأٍ ممكن؛ يهدد علاقات إسرائيل مع المجتمع الأمريكي، وبشكلٍ رئيسي مع الرأي العام وجيل الشباب وطلاب الجامعات. ولم يعد مرشحو الكونغرس من كلا الحزبين مجرد أصواتٍ ناقدة لإسرائيل، بل أصبحوا معادين لها بمستوياتٍ لم تشهدها من قبل. ويعد عمدة نيويورك زهران ممداني مثالاً حقيقياً على ما يحدث في الولايات المتحدة. ويعلم كل واحد في الحكومة الإسرائيلية أن نتنياهو ألحق بإسرائيل ضرراً غير مسبوق، ولا يزال من غير الواضح كيف ستخرج منه في السنوات القادمة، حتى بعد انتخابات 27 أكتوبر.
لقد تزامن مسار نتنياهو السياسي مع عصر العالم أحادي القطب، حيث كانت الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم، وهي التي تقدم الدعم الرئيسي لإسرائيل. ووصل الدعم الأمريكي إلى ذروته في ظل إدارة الرئيس ترامب الذي ظلّل حكومة نتنياهو بشعارات مشتقة من الرؤية المشتركة بين الاثنين، للتعامل مع قضايا الصراع وحلها في المنطقة، على قاعدة فرض السيطرة والإخضاع بالقوة العسكرية. وطالما كانت واشنطن مركز ثقل النظام الدولي، استطاعت الولايات المتحدة شن حروب طويلة الأمد والحفاظ على مئات القواعد العسكرية في ارجاء العالم، وفي الوقت نفسه تقديم دعم مطلق لإسرائيل. فالهيمنة الأمريكية هي التي أتاحت الفرصة لترسيخ العلاقة الخاصة بين الإدارة الأمريكية وإسرائيل، وهذه العلاقة الخاصة عززت قوة اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة. وكل هذه العوامل معاً مهدت الظروف التي جعلت نتنياهو هو الزعيم الأنسب لتجسيد المشروع الصهيوني ووظيفته العدوانية في المنطقة.

