Menu

في ذكرى ميلاد حكيم الثورة: عندما تصبح القيادة أخلاقاً والقائد قدوة

حيدر العيلة أبوالأمير /غزة

بوابة الهدف

يوافق الأول من شهر أغسطس/آب ذكرى ميلاد القائد الوطني والأممي المؤسّس جورج حبش (حكيم الثورة)، الذي ولد في مدينة اللد عام 1926، ورحل عن عالمنا في 26 يناير 2008، تاركاً إرثاً نضالياً وفكرياً كبيراً في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، ووفاءً لذكرى الحكيم، الخالد في وجداننا، كتبت هذه الكلمات، لكنني، كلما أنهيت سطراً، شعرت أن كلماتي ما زالت عاجزة عن الارتقاء إلى قامة جورج حبش، الإنسان والقائد، الذي عاش كبيراً في مبادئه، ورحل كبيراً في ذاكرة شعبه وأمته، فبعض القامات لا تُحيط بها الكلمات، ولا يفيها حقها قلم، مهما اجتهد صاحبه.

هناك قادة يصنعهم المنصب، وقادة يصنعون المنصب، وهناك من يرحلون بانتهاء مسؤولياتهم، وآخرون يبقون أحياء في ضمير شعوبهم لأنهم جعلوا من حياتهم رسالة، ومن مبادئهم أسلوبا للنضال. وكان الدكتور جورج حبش من هذا الطراز النادر من القادة الذين انتصروا على إغراء السلطة، وانتصروا قبل ذلك على ذواتهم.

لم يكن الحكيم يبحث عن زعامة، ولم يسعى إلى بناء هالة شخصية حول اسمه، بل كان يرى أن القضية أكبر من الأفراد، وأن التنظيم أقوى من قائده، وأن الشعب هو مصدر الشرعية الحقيقي.

لذلك بقي طوال مسيرته نموذجاً للمناضل الذي يقود بالفكرة قبل أن يقود بالموقع، وبالقدوة قبل أن يقود بالتوجيه.

كان يستطيع أن يكون طبيباً ناجحاً يعيش حياة آمنة ومستقرة، لكن مشهد اقتلاع شعبه من أرضه عام 1948 غيّر مسار حياته إلى الأبد. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد يرى مهنته منفصلة عن رسالته، فانتقل من مداواة أجساد المرضى إلى النضال من أجل شفاء وطن بأكمله من سرطان الاحتلال والاقتلاع.

ولعل أعظم ما يميز الحكيم جورج حبش أنه لم يسمح للثورة أن تفقد بعدها الأخلاقي، فقد آمن بأن الثورة ليست مجرد مواجهة مع الاحتلال، بل هي أيضا معركة لبناء إنسان حر، ومجتمع عادل، ومؤسسات ديمقراطية، وثقافة تحترم العقل والاختلاف، وكان يرى أن التنظيم الذي لا يمارس الديمقراطية داخله، لن يستطيع أن يبني مجتمعاً ديمقراطياً في المستقبل.

وعندما قرر التنحي عن موقع الأمانة العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لم يكن ذلك نتيجة ضغط أو هزيمة، بل كان قراراً أخلاقياً وسياسياً يؤكد أن تداول القيادة ليس ضعفا، وإنما مصدر قوة وتجدد.

وفي واقع عربي اعتاد بقاء القادة في مواقعهم حتى آخر العمر، شكّل هذا الموقف درساً استثنائياً في احترام المؤسسات والإيمان بأن الأشخاص زائلون، بينما تبقى الفكرة.

كما لم يعرف عنه أنه استغل موقعه لتحقيق منفعة شخصية، أو جمع ثروة، أو منح أقاربه امتيازات، عاش بسيطاً كما بدأ، وغادر الحياة كما عاشها، تاركاً خلفه رصيداً من الاحترام لا يُشترى بالمال ولا يُفرض بالقوة.

لقد اختلف كثيرون مع الحكيم في بعض اجتهاداته السياسية، وهذا أمر طبيعي في العمل العام، لكن حتى المختلفين معه كانوا يجدون صعوبة في الطعن بنزاهته أو صدقه أو إخلاصه، فقد كان من أولئك القادة الذين تطابق سلوكهم مع خطابهم، فصاروا قدوة قبل أن يكونوا مرجعاً سياسياً.

واليوم، في وقت تعاني فيه الساحة الفلسطينية من أزمات الانقسام، وضعف الثقة بالمؤسسات، وتراجع الممارسة الديمقراطية، وغياب النموذج تبدو سيرة جورج حبش أكثر حضوراً من أي وقت مضى. فهي تذكرنا بأن القيادة ليست امتيازاً، بل مسؤولية؛ وأن المنصب ليس غاية، بل وسيلة لخدمة الناس؛ وأن القائد الحقيقي هو من يترك خلفه مؤسسات قوية، لا أتباعاً ضعفاء.

إن أفضل وفاء للحكيم لا يكون بالاكتفاء باستذكار سيرته أو ترديد أقواله، بل بتحويل القيم التي عاش من أجلها إلى ممارسة يومية: نزاهة في العمل، واحترام للديمقراطية، ونبذ التعصب الأعمى والإقصاء، وإيمان بالشراكة والوحدة الوطنية، وانحياز للفقراء والمهمشين، ورفض لكل أشكال الاستبداد والظلم والفساد، أياً كان مصدرها.

رحل جورج حبش، لكن الرجال الذين يجعلون من الأخلاق أساساً للسياسة لا يغيبون، يبقون في ضمير شعوبهم منارات تهدي الأجيال، وتؤكد أن الأوطان لا يبنيها أصحاب المصالح، بل أصحاب المبادئ، ولذلك سيظل الحكيم حاضراً في الذاكرة الفلسطينية، لا لأنه أسس تنظيماً أو قاد مرحلة، بل لأنه أثبت أن الإنسان يستطيع أن يكون أكبر من المنصب، وأن تبقى قيمه حية حتى بعد أن يغيب جسده، سلاما لروحك الطاهرة يا حكيمنا، وعهدا أن نبقي أوفياء لمبادئك وقيمك النبيلة.