Menu

أمريكا تتغير... و«إيباك» لم تعد قادرة على شراء إرادة الناخب الأميركي

عمر فارس

بوابة الهدف

 

ما جرى في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان ليس مجرد فوز لمرشح على آخر، بل يمثل نقطة تحول سياسية تستحق التوقف عندها. فقد نجح الطبيب والسياسي الأميركي من أصل مصري عبد الرحمن (عبدول) السيد في هزيمة منافسته هايلي ستيفنز، رغم أن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل أنفقت أكثر من 60 مليون دولار لدعمها، في واحدة من أغلى الانتخابات التمهيدية في تاريخ الولايات المتحدة. وقد خاض عبد الرحمن السيد حملته داعياً إلى وقف الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل، وإنهاء الحرب في غزة، واحترام حقوق الفلسطينيين.

لكن هذا الفوز ليس حالة استثنائية، بل يأتي ضمن مسار سياسي متصاعد داخل الحزب الديمقراطي. ففي ميشيغان أيضاً، جدد الناخبون ثقتهم بالنائبة رشيدة طليب، إحدى أبرز الأصوات المدافعة عن حقوق الشعب الفلسطيني في الكونغرس، رغم الحملات الإعلامية والسياسية الضخمة التي استهدفتها. كما تمكن النائب التقدمي دونوفان ماكيني من إقصاء النائب شري ثانيدار في الانتخابات التمهيدية، بعد حملة ركزت على القضايا الاجتماعية وانتقدت استمرار الحرب في غزة.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على ميشيغان. فهناك كتلة متزايدة من أعضاء الكونغرس الذين يتبنون مواقف أكثر جرأة في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، ومن بينهم إلهان عمر، وسمر لي، وديليا راميريز، وغيرهم من النواب التقدميين الذين نجحوا في الحفاظ على مواقعهم أو تعزيز حضورهم السياسي رغم حملات الضغط والإنفاق الضخم ضدهم. كما برزت في عام 2026 لجان سياسية جديدة مؤيدة للحقوق الفلسطينية، في إشارة إلى تغير موازين العمل السياسي داخل الولايات المتحدة.

لقد حاولت «إيباك» لسنوات فرض معادلة بسيطة: المال يشتري الانتخابات، ومن يعارض سياسات إسرائيل يدفع الثمن سياسياً. لكن ما يجري اليوم يشير إلى أن هذه المعادلة بدأت تتصدع. فمهما بلغ حجم الأموال التي تُنفق، فإنها لم تعد قادرة على تغيير قناعات ملايين الأميركيين الذين يشاهدون يومياً صور الدمار والقتل والمعاناة الإنسانية في غزة.

وتؤكد استطلاعات الرأي هذا التحول؛ إذ أصبحت أغلبية الأميركيين تنظر بسلبية إلى أداء حكومة بنيامين نتنياهو، كما يتزايد عدد الرافضين لاستمرار الدعم العسكري الأميركي غير المشروط لإسرائيل، وخاصة بين الشباب والناخبين الديمقراطيين. وهذا التحول ينعكس اليوم في صناديق الاقتراع، حيث يحقق المرشحون الداعون إلى العدالة وحقوق الإنسان نتائج متقدمة، بينما يتراجع عدد من المرشحين الذين اعتمدوا على دعم جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تغير في نتائج بعض الانتخابات، بل بداية تحول عميق في الوعي السياسي الأميركي. فالرواية الإسرائيلية لم تعد تحتكر الرأي العام كما كان الحال لعقود، وأصبح ملايين الأميركيين يميزون بين دعم السلام الحقيقي وبين تأييد سياسات الحرب والاحتلال.

لقد أنفقت جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل مئات الملايين من الدولارات خلال السنوات الأخيرة، لكنها تواجه اليوم حقيقة جديدة: يمكن للمال أن يشتري الإعلانات، لكنه لا يستطيع أن يشتري ضمير شعب بدأ يرى الحقيقة بعينيه.

لقد بدأت أميركا تتغير... وعندما يتغير وعي الشعوب، يصبح التغيير السياسي مسألة وقت، لا أكثر.