السؤال الذي یحضر للأذھان مباشرة عند سماع الخبر أو قراءته : لماذا الآن ولم یكن قبل سنوات عند استحقاقھا القانوني ؟
الانتخابات من حیث المبدأ ھي ضرورة ولكنھا كعملیة دیمقراطیة تكون محصلة نھائیة لعملیة تقییمیة لمرحلة ما بین مرحلتین قانونیتین ھذا في الوضع الدیمقراطي الطبیعي.
للتذكیر أن الانتخابات التشریعیة الفلسطینیة كانت قد حصلت في نوفمبر ٢٠٠٦ وبعدھا صدر مرسوما رئاسیا بتحدید موعد في ٣١ تموز ٢٠٢١ ولكنھا ألغیت بدون إبداء أسباب بالرغم من موافقة الفصائل الفلسطینیة.
ھذا یعني أن الانتخابات الفلسطینیة إن حصلت فإنھا ستكون بعد أن مر ٢٠ عاما على الانتخابات التي سبقتھا.
انتخابات ستجري في ظل الإبادة الجماعیة للشعب الفلسطیني ب غزة تحدیدا والإجراءات الإسرائيلية التي ترتقي للإبادة في الضفة الغربیة والتي تطال تحدیدا المخیم الفلسطیني إن كان في الضفة والشتات وما تعنیه رمزیة المخیم في الذاكرة الفلسطینیة .
طالما كان ھناك اتجاھین في التعاطي مع الحالة الفلسطینیة في كافة مراحلھا.
- الأول: ھو المسیطر على زمام القرار الفلسطیني في السلطة المدعوم من المنظومة الرسمیة العربیة والغربیة وبعض الأوساط الاسرائیلیة.
الاتجاه الثاني: ھو المعارضة الفلسطینیة الفصائلیة والشعبیة وامتداداتھا العربیة والدولیة التي تتسم معظمھا بطابع شعبي.
في ظل ھذه الصورة یطرح سؤالا جوھریا ماذا یرید كل اتجاه أین تكمن مصالحه؟ الاتجاه الأول المسیطر على السلطة ومنظمة التحریر الفلسطینیة ھو المسؤول عن الحالة الفلسطینیة القائمة بكل ما تحمله المسؤولیة من معنى لأنه لم یستطع أن یتجاوز رؤیته الفصائلیة التي یعتبر فیھا أن السلطة والمنظمة ھي ملك حصري لمنظمة فتح التي قوِضَت بشكل فج وتحولت من حركة تحرر وطني إلى مؤسسة تخدم فئة كمبرادوریة سیاسیة واقتصادیة وثقافیة.
وھي تتعاطى مع الانتخابات الفلسطینیة كمشروع لإعادة تشریع رؤیتھا ودورھا السیاسي بالرغم من اعترافھا أن مشروعھا السیاسي فشل في حمایة الشعب الفلسطیني بل ساھم في تقویض وتفتیت الحالة الفلسطینیة.
الاتجاه الثاني: المعارضة الفلسطینیة الفصائلیة ویحكمھا اتجاھان تحكمھا علاقة متعارضة من حیث جوھر الفكرة ومرتبكة من حیث الشكل ولكن یجمعھا مجموعة من المفاھیم السیاسیة المستندة على ضرورة تحقیق العدالة للشعب الفلسطیني وفي ھذا الإطار یظھر بوضوح التعارض ما بین الفكرتین الدینیة والإنسانیة في حین یرى الاتجاه الدیني أن صراعه قائم على أساس الفكرة الدینیة یرى الاتجاه الدیمقراطي أن الصراع یقوم على تحقیق العدالة الإنسانة بعیدا عن الدین السیاسي.
ھذا التعارض یظھر على السطح بشكل تعارض ما بین الدیني والوطني ومتطلبات وشروط كل من الدیني والوطني.
الاتجاه الدیني كان تحت ضغط متطلبات الواقع الإنساني والوطني وضرورة الاستجابة لھما وبین متطلبات الفكرة الدینیة وداعمیھا (عربیا وإقلیمیا) الذین لعبوا دورا مھما في تغلیب الدیني على الوطني ھذا التغلیب الذي یقوض إمكانية استمرار حكم حماس في غزة لأنھا تعاملت مع الحالة الفلسطینیة الداخلیة في غزة بمنظور دیني مما دفعھا إلى تغییب المشاركة الطوعیة الدیمقراطیة ودفعھا إلى التفرد بالقرار الفلسطیني بكافة جوانبه في غزة تحدیدا .
ھذا التفرد أعطى تبریرات للفكرة الدینیة الصھیونیة وأبرز الصراع على أنه صراع دیني ولیس وطني.
الاتجاه الدیمقراطي الفلسطیني بكل فئاته وألوانه وقع بین مطرقة السلطة وبین سندان حماس وتمزق بین ھذین الاتجاھین وغیبت فكرته التي تقوم على أساس حمایة الدیمقراطیة الوطنیة للقضیة الفلسطینیة .
ھذه الحالة الفلسطینیة السیاسیة الداخلیة في ظل الإبادة الجماعیة وتَغَول الفكرة الصھیونیة التي حفزت صحوة عالمیة لمجابھتھا وصعدت قوى شعبیة دیمقراطیة من مختلف الألوان للتحذیر من الخطر القادم على البشریة من الرأسمالیة الصھیونیة التي كشرت عن أنیابھا وقوضت المنظومة القانونیة الدولیة واعتبرت أن الصراع في فلسطین والمنطقة ھو صراع من الممكن أن یقوض استمرار ھیمنتھا.
القوى الدیمقراطیة الفلسطینیة مطلوب منھا قرارا حاسما في توحید رؤیتھا على أسس واضحة وطنیة دیمقراطیة تحمي المشروع الوطني الفلسطیني وأھم متطلبات الوحدة الخروج من دائرة الاستقطاب سلطتي رام ﷲ وغزة.
الدعوة للانتخابات التشریعیة والمشاركة یتطلب من القوى الدیمقراطیة كافة تقییم موضوعي وعلمي للسلوك السیاسي والعسكري والثقافي والاقتصادي والحالة الاجتماعیة لشعبنا الفلسطیني في كافة أماكن تواجده والمخاطر الحقیقیة التي یتعرض لھا في كل مكان ھذا التقییم یجب أن یبدأ في إطار كل مؤسسة تنظیمیة فلسطینیة عبر عملیة دیمقراطیة تستخلص الدروس العمیقة للتجربة الفلسطینیة وتحدید الأسس المستقبلیة وتختار الأدوات والعناصر الذین یستطیعون تحمل تنفیذ ھذه المھام التي یجب أن تقوم على ناظم الحفاظ على وطنیة القضیة الفلسطینیة.
وفي ھذا الصدد یجب أن يكون معیار وحدتھا هو إسقاط الأنانیة الحزبیة والشخصیة وأن یصعد إلى الواجھة قادة یستطیعون تحمل مسؤولیة المرحلة لیتمكنوا من إنقاذ وطنیة وعدالة القضیة الفلسطینیة في ظل الحرب العدوانیة القائمة على الشعب الفلسطینی في كافة أماكن تواجده وبالأخص في غزة.
إذا كانت متطلبات معالجة الأمراض الإنسانیة تتطلب اعتراف المریض بمرضه فإن متطلبات الخروج من المأزق السیاسي الوطني الفلسطیني ھو اعتراف بالأمراض أولا ومن ثم إیجاد العلاج المناسب.
بوادر الشعارات المطروحة تعبر عن نمطیة أثبتت التجربة أنھا غیر مجدیة وھنا یجب أن نتوقف ھل الأزمة في الشعارات أم في أدوات ووسائل تحقیقھا أم في الشخوص المتربعین على سلم الھرم؟.
في ھذا الإطار ما طرح من ملاحظات حول المشاركة في الانتخابات التشریعیة أو عدمھا فإن المشاركة مشروطة بضرورة وطنیتھا ودیمقراطیتھا وھذا یتحقق من خلال تقدیم تقییم داخلي تنظیمي لكل فصیل ینتج عنه تقییم للأداء الفردي في ظل حرب الإبادة وتقییم سیاسي معلن للجماھیر التي سوف تدعى للمشاركة على أساس ناظم الحفاظ على القضیة الوطنیة الفلسطینیة ومعیار وحدتھا الوطنیة المشروطة بالخروج من نھج فكر أوسلو وتحیید الفكر السیاسي الدیني وإعادة الاعتبار للفكر الوطني الدیمقراطي آخذین بعین الاعتبار رؤیة شعبنا في ال١٩٤٨ وقواه الدیمقراطیة كجزء رئیسي في أي رؤیة مستقبلیة وطنیة فلسطینیة شاملة.

