Menu

نحو معالجة واقعية للجزء المفقود من السردية الفلسطينية

د. إبراهيم يوسف عبيد

نشر في مجلة الهدف العدد (85) (1559)

تمثل السردية الفلسطينية واحدة من أهم عناصر الصراع على الوعي والذاكرة في القضية الفلسطينية، فهي ليست مجرد رواية تاريخية لأحداث تتعرض لها الدول كجزء من حالة تطورها وتعاظمها، وإنما كونها تمثل إطارًا يفسر الماضي، ويمنح الحاضر معناه، ويؤسس لواقعها المستقبلي. وعلى الرغم من السعي والتخطيط والتنفيذ المدروس الذي تمارسه الدعاية، وتفرضه الرواية الإسرائيلية، والكثير من الأدوات الإقليمية والدولية، إلا أن السردية الفلسطينية نجحت، عبر عقود طويلة من العمل الدبلوماسي الرسمي والفصائلي والشعبي، إلى جانب التضحية بالأرواح دفاعًا عن قداستها، التي بدأت بالحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية، وتوثيق ما تعرض له الشعب الفلسطيني من تهجير واحتلال وانتهاكات، وآخرها جريمة الإبادة الجماعية التي تعرضت لها غزة منذ أكتوبر 2023م وما تزال، وقد اعترفت بها دول وازنة في النظام الدولي. ومع ذلك، فإن التحولات السياسية والإعلامية والتكنولوجية التي يشهدها العالم تفرض ضرورة مراجعة أدوات هذه السردية ومضامينها، والعمل على معالجة الجوانب التي ما تزال تعاني من القصور أو الغياب، بما يعزز قدرتها على الوصول إلى الرأي العام العالمي والتأثير فيه.

رغم هذه الإضاءات اللامعة، فإن حديثي في هذا المقال يتمحور حول الجزء الذي ينبغي العمل على معالجته، وأقصد هنا المفقود من السردية الفلسطينية. فالبحث عنه لا يعني، على الإطلاق، التشكيك في عدالة القضية، أو في صحة الوقائع التاريخية الدامغة على أصالة انتمائنا، والشاهدة على عنصرية وإجرام العدو واحتلاله لأرضنا، على العكس، إنه يشير إلى الحاجة إلى تطوير أساليب عرضها وتوسيع مضامينها بما يتناسب مع طبيعة العصر التكنولوجية وتطوراتها المتسارعة. فالصراعات الحديثة لم تعد تحسم بالقوة العسكرية وحدها، وإنما عبر القوة الناعمة التي ترتكز على الجانب الثقافي، فمعركة الرواية والمعلومة والصورة لا تقل أهمية عن أي بعد آخر. وبالتالي، فإن امتلاك سردية متماسكة وشاملة، لديها القدرة على مخاطبة مختلف الشعوب والثقافات بالأسلوب والطريقة التي تجذبها سرديتنا الوطنية الصادقة، يصبح ضرورة وطنية وسياسية وثقافية ملحة. ومن هنا يمكن العمل على معالجة جوانب النقص، وإيصالها بخطوات معينة، منها على سبيل المثال لا الحصر:

  1. إعادة التوازن بين البعد السياسي والبعد الإنساني في الخطاب الفلسطيني. فقد انصب الاهتمام، خلال العقود الماضية، على توثيق الاحتلال والاستيطان والانتهاكات، وهو أمر مهم وضروري ومشروع، لكنه جاء، في أغلب الأحيان، على حساب إبراز تفاصيل الحياة اليومية للفلسطيني الذي يمثل الإنسان المكافح، الذي يبحث عن تحقيق طموحاته، وتثبيت إنجازاته، وإبراز قدرته على الصمود والإبداع. لأن عالم اليوم لا تعنيه الأرقام والإحصاءات، بل لم يعد يتفاعل معها وحدها، وراح يتأثر بالقصص الإنسانية التي تعكس معاناة البشر وآمالهم. لذلك، ينبغي توثيق تجارب العائلات الفلسطينية، والطلبة، والأطباء، والمعلمين، والمزارعين، والفنانين، فهو يمثل عنصرًا مهمًا في بناء رواية أكثر قربًا وتأثيرًا.
  2. تطوير وسائل إنتاج ونشر السردية الفلسطينية بما ينسجم مع الثورة التقنية والرقمية. فوسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية، والأفلام الوثائقية، والبودكاست، والمحتوى المرئي القصير، كلها أصبحت أدوات رئيسية في تشكيل الرأي العام العالمي، وخاصة لدى فئة الشباب. وبالتالي، فإن الاعتماد على الخطاب التقليدي وحده لم يعد كافيًا، بل ينبغي الاستثمار في إنتاج محتوى فيه إبداع واحترافية، بلغات متعددة، يجمع بين المعلومة الدقيقة والأسلوب الجذاب، ويخاطب الجمهور العالمي بلغته وأدواته التي يحبها ويتماشى معها.
  3. تعزيز التوثيق العلمي والأكاديمي للسردية الفلسطينية. فكلما استندت الرواية إلى الوثائق الأصلية، والشهادات الموثقة، والأرشيف، والدراسات العلمية، ازدادت قدرتها على مواجهة محاولات التشويه أو الإنكار التي تمارسها دولة الاحتلال الإسرائيلي، وأذرعها الخبيثة حول العالم. ويكتسب هذا التوثيق أهمية خاصة في ظل تصاعد الحملات الإعلامية التي تسعى إلى إعادة تفسير الأحداث التاريخية أو التقليل من معاناة الفلسطينيين. لذلك، فإن دعم مراكز الأبحاث، وتشجيع الدراسات الأكاديمية، ورقمنة الوثائق التاريخية، أظن أنه استثمار طويل الأمد يسهم في حماية الرواية الفلسطينية.
  4. إبراز الجوانب الحضارية والثقافية للمجتمع الفلسطيني، بحيث تشمل السردية صورة متكاملة عن شعب يمتلك تاريخًا عريقًا، وتراثًا غنيًا، وإسهامات في مجالات الأدب والفنون والتعليم والعلوم والاقتصاد، مع عدم إغفال توثيق مشاهد الحرب والدمار. فإظهار هذه الجوانب يعزز فهم العالم للقضية باعتبارها قضية شعب يسعى إلى الحياة والحرية، وليس مجرد طرف في نزاع سياسي.
  5. توسيع دائرة الفئات المستهدفة التي تسعى السردية الفلسطينية إلى تعزيزها وترسيخها، وذلك من خلال عدم الاقتصار على البيئة العربية أو المتضامنين التقليديين، وإنما عن طريق التوسع والتمدد والتوجه إلى مختلف المجتمعات والثقافات، حاملين خطابًا إعلاميًا وطنيًا جامعًا يستند إلى المبادئ الإنسانية المشتركة، مثل العدالة، وحقوق الإنسان، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، واحترام القانون الدولي. لأنه كلما ارتبطت السردية بهذه القيم العالمية، ازدادت قدرتها على بناء تعاطف مستدام يتجاوز الاعتبارات السياسية الآنية.
  6. عدم إغفال الدور المتزايد للأفراد والمؤسسات المدنية في المعالجة. فقد أثبتت التجارب الحديثة أن الصحفيين المستقلين، والباحثين، وصناع المحتوى، والكتاب، والفنانين، والرياضيين، هم شركاء أساسيون في تشكيل الرواية الفلسطينية ونقلها إلى العالم. وبالتالي، فإن دعم هذه المبادرات، وتوفير التدريب والموارد لها، سيسهم بكل تأكيد في توسيع وتنويع مصادر السردية، وزيادة مصداقيتها وانتشارها.

بمعنى آخر، فإن معالجة الجزء المفقود من السردية الفلسطينية لا يُفهم منها أنها تعني إعادة كتابة التاريخ، وإنما استكماله وتقديمه بصورة أكثر شمولية وفاعلية. فالقضية الفلسطينية تمتلك من الحقائق والوثائق والمرتكزات القانونية والإنسانية ما يجعلها قادرة على مخاطبة الضمير العالمي، لكن يبقى نجاحها مرتبطًا، بشكل وثيق وجازم، بقدرة الفلسطينيين على تطوير أدواتهم، وتحديث خطابهم، وإبراز الفلسطيني كإنسان واعٍ متحضر يستحق أن يكون له وطن، فهو محور هذه السردية وغايتها.

باعتقادي، في حال تحققت هذه المعالجة، فسوف يؤدي ذلك إلى أن تصبح السردية الفلسطينية أكثر قوة وتأثيرًا، وأكثر قدرة على ترسيخ حضورها في الوعي العالمي، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية على أسس تاريخية وقانونية وإنسانية ثابتة.