Menu

استعادة المبادرة الشعبية وإعادة الاعتبار للعمل الجماهيري

حيدر العيلة

بوابة الهدف

في الأزمات الكبرى، لا تُقاس قوة المجتمع بقدرته على الصمود فقط،بل بقدرته على تنظيم صموده وتحويله إلى فعل جماهيري مؤثر.

و غزة اليوم، بعد كل ما أصابها، تحتاج إلى أكثر من المساعداتوالإغاثة وإعادة إعمار الحجر. إنها تحتاج إلى استعادة المبادرةالشعبية، وإلى إعادة الاعتبار للعمل الجماهيري الذي كان تاريخيًّاأحد أهم مصادر قوة المجتمع الفلسطيني.

لقد دفعت الحرب المواطن إلى موقع المتلقي: ينتظر المساعدة، وينتظرالقرار، وينتظر من يحدد له احتياجاته وأولوياته، ومع استمرار هذاالواقع، يبرز خطر أن يتحوّل المواطن من شريك في صناعة مجتمعهإلى مجرد مستفيد ينتظر دوره في طابور المساعدات؛ وهذا ما يجبأن نرفضه.

إنّ استعادة المبادرة الشعبية لا تعني الفوضى، ولا تعني الصدام معأحد، ولا تعني تجاوز المؤسسات، إنها تعني أن يستعيد المواطن دورهفي تحديد أولوياته، والدفاع عن مصالحه، ومراقبة أداء المؤسسات،والمشاركة في معالجة مشكلاته، بعيدًا عن الجدل العقيم الذي لا ينتجفعلًا في الواقع.

لذلك، فنحن بحاجة إلى لجان شعبية حقيقية في الأحياء ومناطقالنزوح، تضم أصحاب الكفاءة والنزاهة والثقة، وتعمل بشفافية فيقضايا المياه والنظافة والتعليم والصحة والمساعدات وغيرها منالاحتياجات اليومية.

وكذلك نحن بحاجة أيضا إلى تفعيل النقابات والاتحادات واللجانالمهنية والشبابية والنسوية، وإعادة الاعتبار لدورها المجتمعي بعيدًاعن الانغلاق الحزبي والتوظيف الفصائلي. ولا نحتاج إلى مزيد منالأطر التي تتحدث باسم الشعب، بقدر ما نحتاج إلى أطر تتيحللشعب أن يتحدث بنفسه. والأهم أن تكون هذه المبادرة مستقلة عنالاستقطاب الحزبي. فغزة المنهكة لا تحتمل تحويل كل نشاط شعبيإلى ساحة جديدة للصراع الفصائلي، ويجب أن يكون معيار المشاركةهو الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة الناس، لا الانتماء التنظيمي أوالسلطوي.

إن المجتمع المنظم يستطيع أن يراقب المساعدات، ويطالب بالشفافية،ويواجه الفساد، ويحمي الفئات الأضعف، ويحدد احتياجاته، ويشاركفي صياغة مستقبله. أما المجتمع الذي لا يملك أدوات حقيقية للتنظيموالمشاركة، فسيظل الآخرون يتحدثون باسمه ويقررون عنه، بينما لايملك سوى تفريغ غضبه بالشتائم يمينًا ويسارًا، دون أن يتحول هذاالغضب إلى فعل جماهيري منظم قادر على إحداث التغيير.

لقد أثبت شعبنا، في مراحل كثيرة من تاريخه، أن العمل الجماهيريالمنظم كان أحد أهم مصادر قوته، فقد أدّتْ لجان العمل التطوعي،واللجان الشعبية، ولجان المرأة، والاتحادات والأطر الشبابية، والروابطالمهنية، ولجان الأحياء أدوارًا مهمة في تنظيم المجتمع، والدفاع عنمصالحه، وتعزيز روح التكافل والمسؤولية الجماعية. واليوم نحن بحاجةإلى استعادة هذه الروح، ولكن بأدوات جديدة تناسب واقع غزةوظروفها الراهنة؛ أطر شعبية حقيقية تنطلق من احتياجات الناس،وتتيح لهم المشاركة في تحديد أولوياتهم، ومراقبة المساعدات، ومعالجةمشكلاتهم اليومية، والدفاع عن حقوقهم، بعيدًا عن الهيمنة والإقصاءوالتوظيف السياسي. فالمطلوب ليس استنساخ تجارب الماضي كماهي، بل استعادة روح العمل الجماهيري وتطوير أدواته بما يتناسبمع واقع غزة اليوم؛ بحيث يكون المواطن شريكًا في صناعة القرارالمجتمعي، لا مجرد متلقي ينتظر ما يُقرر له.

نحن لا نريد شارعًا غاضبًا بلا هدف، بل نريد عملًا جماهيريًّا واعيًا،منظمًا، يضع مصلحة الناس فوق الحسابات الخاصة والفئوية. وهذايتطلب إعادة بناء الأطر الاجتماعية والمدنية من القاعدة إلى القمة؛بدءًا من لجان الأحياء ومناطق النزوح، مرورًا بالنقابات والاتحاداتوالروابط المهنية والشبابية والنسوية، وصولًا إلى أطر مدنية أوسعقادرة على التعبير عن مصالح المجتمع والدفاع عنها، فإعادة إعمارغزة ليست إعادة بناء الحجر وحده؛ إنها أيضًا إعادة بناء المجتمع،واستعادة ثقته بنفسه، وإحياء مؤسساته، وإطلاق طاقاته.

إنّ غزة التي استطاعت أن تصمد أمام الحرب، قادرة أيضًا على أنتستعيد المبادرة. لكن البداية تكون عندما ننتقل من سؤال: "ماذاسيقدمون لنا؟" إلى سؤال أكثر أهمية: "ماذا نستطيع نحن أن نفعل،وكيف ننظم قوتنا الشعبية لكي نصبح شركاء حقيقيين في صناعةمستقبلنا؟"

فالمجتمع الذي يستعيد صوته، يستعيد قدرته على صناعة مستقبله.