Menu

إلى العرب والمسلمين في أوروبا: لا تمنحوا العنصرية وقودًا بأيديكم

عمر فارس

بوابة الهدف

هناك حقيقة مؤلمة يجب أن نتحدث عنها بصراحة، بعيدًا عن المجاملات والشعارات: العنصرية ضد العرب والمسلمين موجودة فعلًا في بعض المجتمعات الأوروبية، والإسلاموفوبيا ليست وهمًا ولا مبالغة. وهناك تيارات وأحزاب سياسية تستثمر في الخوف من الأجانب والمسلمين وتحوله إلى وسيلة لحشد الأصوات وتأجيج الكراهية.

في السنوات الأخيرة، شهدنا تصاعدًا في الخطاب المعادي للمهاجرين والمسلمين في عدد من الدول الأوروبية. وفي بولندا أيضًا، تظهر من وقت إلى آخر أصوات عنصرية ومعادية للأجانب والمسلمين. لكن من الخطأ أن نضع المجتمع البولندي كله في خانة العنصرية، كما من الخطأ أن ننكر وجود هذه الظاهرة.

علينا أن نسمي الأشياء بأسمائها: العنصرية موجودة، والإسلاموفوبيا موجودة، والتمييز موجود. ويجب أن نواجهه بلا خوف وبكل الوسائل القانونية والسياسية والمجتمعية. لكن مواجهة العنصرية لا تعني أن نعفي أنفسنا من النقد.

هناك سؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا بشجاعة: هل كل الصورة السلبية التي تُرسم عن العرب والمسلمين سببها العنصرية وحدها؟ أم أن بعض التصرفات والسلوكيات من جانب بعض أفرادنا تساعد، ولو من دون قصد، في تغذية هذه الصورة؟

علينا ألا نكذب على أنفسنا.

هناك ملايين العرب والمسلمين في أوروبا يعيشون باحترام، يعملون ويدرسون ويدفعون الضرائب، ويحترمون القانون، ويساهمون في مجتمعاتهم، ولديهم أصدقاء وجيران وزملاء من مختلف الأديان والثقافات.

لكن هناك أيضًا سلوكيات سلبية لا يجوز أن ندافع عنها لمجرد أن أصحابها عرب أو مسلمون.

عندما يأتي شخص إلى بلد أوروبي ويتعامل مع الشارع وكأنه ملك خاص له، أو يرمي النفايات في الأماكن العامة، أو يرفع صوته بطريقة مزعجة، أو لا يحترم الجيران، أو يدخل في مشاجرات، أو يحتقر المرأة، أو يتحايل على القانون، أو يتعامل مع قوانين البلد وكأنها لا تعنيه، فإنه لا يسيء إلى نفسه فقط، بل قد يساهم في تكريس صورة نمطية عن الآخرين الذين ينتمون إلى خلفيته نفسها.

والأمر نفسه ينطبق على ثقافة الاستعراض والتفاخر التي يمارسها البعض.

ليس العيب أن ينجح الإنسان أو يمتلك المال أو يقود سيارة فاخرة. وليس مطلوبًا من العربي أو المسلم أن يعيش فقيرًا حتى يرضى عنه الآخرون.

لكن عندما يتحول النجاح إلى استعراض مبالغ فيه للثروة والسيارات والملابس والحفلات والإنفاق، خصوصًا أمام مجتمعات تعاني فيها شرائح واسعة من ارتفاع الأسعار وأزمات المعيشة، فإن هذا السلوك قد يخلق مشاعر سلبية، حتى لو كان التعميم الناتج عنه غير عادل.

المشكلة ليست في النجاح، وإنما في طريقة تقديم النجاح. نحن لا نعيش في فراغ. تصرفاتنا تُرى وتُفهم وتُفسر، وأحيانًا تُستغل سياسيًا وإعلاميًا.

وهنا علينا أن نكون أكثر وعيًا.

إذا ارتكب شخص عربي جريمة، فهو المسؤول عنها، وليس العرب جميعًا.

إذا أساء مسلم إلى جاره، فهو المسؤول، وليس المسلمون جميعًا.

إذا ارتكب مهاجر مخالفة، فلا يجوز تحويلها إلى اتهام لملايين البشر.

لكن للأسف، هذا بالضبط ما تفعله بعض وسائل الإعلام والتيارات اليمينية المتطرفة: تبدأ بحادثة فردية، ثم تحولها إلى قصة عن "المهاجرين"، ثم إلى قصة عن "المسلمين"، ثم تستخدمها لبناء خطاب سياسي كامل ضد الإسلام والهجرة. وهنا تتحول أخطاء أفراد إلى وقود سياسي للعنصرية. لذلك، لا ينبغي لنا أن ندافع عن المخطئ فقط لأنه "واحد منا".

إذا سرق شخص، فهو المسؤول عن السرقة.

إذا اعتدى شخص على إنسان، فعليه تحمل مسؤولية اعتدائه.

إذا خالف شخص القانون، فعليه أن يتحمل نتيجة مخالفته.

الدفاع عن الخطأ ليس دفاعًا عن الهوية، بل إساءة إليها.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن نقبل بمنطق التعميم.

لا يجوز أن نقول: "كل الأوروبيين عنصريون"، كما لا يجوز أن يقول أحد: "كل المسلمين متطرفون".

كلاهما ظلم وتعميم.

أوروبا ليست عدوًا لنا.

نحن نعيش هنا، وأبناؤنا يدرسون هنا، ونعمل هنا، ونبني حياتنا هنا. لدينا حقوق، ولكن لدينا أيضًا واجبات.

ليس مطلوبًا من المسلم أن يتخلى عن دينه حتى يكون جزءًا من المجتمع، ولا من العربي أن يتخلى عن لغته وثقافته حتى يصبح مواطنًا صالحًا.

المعادلة بسيطة:

كن مسلمًا وكن مواطنًا صالحًا.

كن عربيًا واحترم الآخرين.

حافظ على هويتك واحترم هوية غيرك.

مارس شعائرك واحترم القانون.

دافع عن حقوقك، ولا تنتهك حقوق الآخرين.

هذا ليس ذوبانًا في المجتمع، بل هو احترام متبادل وعيش مشترك.

أما الجيل الجديد، فعلينا أن نكون أكثر مسؤولية تجاهه.

لا نريد أبناءنا أن يكبروا وهم يشعرون أنهم في حرب دائمة مع المجتمع الذي يعيشون فيه. ولا نريدهم في المقابل أن يتخلوا عن هويتهم أو يشعروا بالخجل منها.

نريدهم متعلمين، ناجحين، منفتحين، يتقنون لغة البلد الذي يعيشون فيه، يعرفون حقوقهم وواجباتهم، يحترمون القانون، ويشاركون في المجتمع بدل الانغلاق داخله.

نريد مسلمًا واثقًا من نفسه، محترمًا، متعلمًا، متواضعًا وناجحًا. إذا أردنا أن نحارب الإسلاموفوبيا والعنصرية، فعلينا أن نحاربها على جبهتين في الوقت نفسه:

نواجه العنصرية عندما تُمارس ضدنا، ونواجه الأخطاء عندما تصدر من بعضنا.

لا ندافع عن المخطئ لأنه من جماعتنا، ولا نقبل أن يعاقب المجتمع كله بسبب خطأ فرد.

الاندماج لا يعني الذوبان، واحترام القانون لا يعني التخلي عن الهوية، والنقد الذاتي لا يعني كراهية الذات.

بل إن أقوى مواجهة للعنصرية هي أن نقدم نموذجًا حضاريًا يجعل العنصري عاجزًا عن استخدام أخطائنا كسلاح ضدنا.

وفي النهاية، لسنا بحاجة إلى أن نثبت أننا أفضل من الأوروبيين، ولا إلى أن نثبت أنهم أسوأ منا.

نحن بحاجة فقط إلى أن نكون أفضل ما يمكن أن نكونه. فالعنصرية لا تُهزم بالصراخ والشتائم، وإنما بالعلم والأخلاق والعمل والاحترام والوعي، وبالتمسك بالكرامة والحقوق في الوقت نفسه.

هذه مسؤوليتنا جميعًا.