جاء التحالف السعودي التركي الباكستاني في خضم جملة من التحولات المتسارعة في المنطقة، ويأتي الحديث عن هذا التحالف باعتباره محاولة لفهم ما يجري، وتفسير حالة الاصطفاف الإقليمي لإعادة تشكيل بعض موازين القوة فيه. وكذلك، طرح تساؤلات حول طبيعة هذا الترتيب وحدوده، والأهم هنا: هل يمتلك هذا الحلف القدرة والإرادة السياسية لحماية القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تمر بأخطر مراحلها وأعقدها منذ سنوات؟
فلسطين الجريحة تمثل الاختبار الحقيقي لأي مشروع إقليمي يدعي امتلاك أدوات القوة، أو السعي إلى استقلال القرار السياسي. فمنذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023م، وما رافقها من إبادة جماعية راح ضحيتها أكثر من 100.000 غزي معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ، فضلاً عن سياسة التجويع الممنهجة، وحالة الدمار الواسع، وما صاحبها من عجز عربي وإسلامي عن نصرة المضطهدين في غزة، وفشل الحكومات العربية والإسلامية عن ممارسة أي ضغط على الولايات المتحدة أو إسرائيل، واكتفاؤها بالإدانة وإصدار البيانات.
تمتلك دول الحلف الثلاثي عناصر قوة مهمة. ف السعودية لديها ثقلاً سياسياً واقتصادياً كبيرين، وعلاقات دولية واسعة، وتركيا تمتلك قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة، ولها حضور سياسي إقليمي واضح، في حين تمتلك باكستان جيشاً كبيراً وقدرات عسكرية استراتيجية. غير أن امتلاك عناصر القوة لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامها في خدمة قضايا المنطقة، فالقوة كما تعلمنا في العلاقات الدولية لا تُقاس بالإمكانات المادية فحسب، وإنما بمدى استقلالية القرار السياسي، والاستعداد لتحمل كلفة المواقف... ومن هنا يبرز السؤال الأصعب: هل يستطيع هذا الحلف أن يتحول إلى قوة ضغط حقيقية لحماية الفلسطينيين وقضيتهم؟
إن الاتفاق الثلاثي يحسب للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هذا ما أكده النائب الأمريكي "جو ويلسون" الذي قال: "توقيع اتفاق الدفاع المشترك بين كل من السعودية وتركيا وباكستان إنجازا يحسب للرئيس " دونالد ترامب"، وقال ويلسون: "تُعد اتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان إنجازاً آخر يُحسب للرئيس الأمريكي في سبيل تعزيز الاستقرار والسلام والازدهار في الشرق الأوسط"، وتابع ويلسون: "في ظل وجود حلفائنا الخليجيين المزدهرين، و سوريا المحررة والمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، بات من الواضح أن النظام الإيراني الدموي يعيش حالة من العزلة، وأن الشعب الإيراني قادر على استعادة حكومة جديدة تليق بتاريخ إيران العريق".
إن التجربة التاريخية لسلوك الأنظمة العربية والإسلامية تجاه فلسطين تشير إلى وجود فجوة بين خطاب التضامن، وبين القدرة على التأثير الفعلي. فتركيا، رغم خطابها السياسي الداعم للفلسطينيين، تحكمها حسابات استراتيجية مرتبطة بعلاقاتها الدولية لا سيما مع الولايات المتحدة وإسرائيل. والسعودية تتحرك ضمن شبكة من المصالح والتحالفات الدولية، خاصة مع الولايات المتحدة. أما باكستان، فرغم مكانتها العسكرية، وما تمتلكه من قدرات نووية، فقد ارتبطت تاريخياً بعلاقات أمنية مع الولايات المتحدة والغرب، وساندت أنظمة عربية في قمع الفلسطينيين. فقد تناولت وثائق تورطها في أحداث أيلول الأسود عام 1970م، ودورها العسكري في دعم النظام الأردني خلال هذه الأحداث، خصوصًا وجود ضباط باكستانيين في المؤسسة العسكرية الأردنية، ومشاركة الطيران الباكستاني في قصف المخيمات الفلسطينية في الأردن. وهو ما يثير تساؤلات حول قدرتها في خدمة القضية الفلسطينية، وكذلك هامش استقلال قرارها الخارجي.
عموماً، ستبقى القضية الفلسطينية معياراً لاختبار مصداقية أي تحالف عربي وإسلامي في المنطقة. فالمطلوب ليس إعلان تحالفات جديدة، وإنما امتلاك رؤية سياسية قادرة على التأثير، وتحويل التضامن إلى أفعال. فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى البيانات، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية تترجم الإمكانات المتاحة إلى حماية حقيقية لفلسطين وأهلها، وحقوقهم التاريخية الغير قابلة للمساومة أو الاختزال.

