Menu

ترامب يعلن ما يسمى “سلام غزة” ونتنياهو يرفضه

جمال كنج

بوابة الهدف

 

خرج دونالد ترامب على مواقع التواصل الاجتماعي يوم الخميس، 30 يوليو/تموز، ليعلن ما وصفه بالإنجاز الكبير: اتفاقًا مرحليًا تحت مظلة “مجلس السلام”، يقضي بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية وانسحاب دولة الاحتلال. بدا المشهد وكأن رئيسًا يطوي صفحة إبادة جماعية شارك هو وسلفه في تمكينها على مدى عامين.

وافقت المقاومة الفلسطينية على الخطة، ورفضتها دولة الاحتلال.

تخيلوا لو أن المقاومة هي التي رفضت البنود الخمسة عشر، واشترطت، منطقياً، ربط نزع سلاحها بإنهاء الاحتلال. لا يحتاج المرء كثيرًا من الخيال لتوقع رد ترامب؛ كان سيُدينها فورًا ويحمّلها مسؤولية إفشال “خطة السلام”. لكن دولة الاحتلال تُعامل بمعيار مختلف تمامًا.

في 9 أغسطس/آب، أعلن بنيامين نتنياهو أمام حكومته بوضوح: “إسرائيل ترفض وثيقة النقاط الخمس عشرة”.

ومع ذلك، لم يتعامل ترامب مع الرفض كنسفٍ لمبادرته، بل كـ“مناورة سياسية” عابرة، وكأن تحدي رئيس وزراء حليف لخطته أمر يمكن تجاوزه بلا تبعات. وسرعان ما تحولت هذه “المناورة” إلى موقف أكثر صراحة، حين صعّد وزير الحرب الصهيوني يسرائيل كاتس معلنًا أن دولة الاحتلال لن تنسحب من غزة ولا من لبنان ولا من سوريا.

هذا النمط لم يكن جديدًا. فالمسألة لا تتعلق بتصريحات متفرقة، بل ببنية سياسية أوسع. في مايو/أيار الماضي، كتبت أن الموقف الصهيوني لا يتمحور حول نتنياهو كشخص، بل حول مشروع سياسي مدعوم من أغلبية صهيونية تتبنى مواقف أكثر تشددًا منه. وتؤكد استطلاعات الرأي هذا الاتجاه: 76% من الإسرائيليين يعتبرون الانسحاب من غزة عام 2005 خطأً، ونحو نصفهم يؤيدون إعادة الاستيطان داخل القطاع، وترتفع النسبة إلى 83% بين الحريديم و67% بين المتدينين. والأكثر دلالة أن 56% يعتقدون أن هجوم السابع من أكتوبر ما كان ليحدث لولا ذلك الانسحاب.

بهذا المعنى، لم يعد الانسحاب يُرى كخطوة سياسية، بل كـ“خطيئة أصلية” في الوعي الصهيوني، بينما يُعاد تعريف الاحتلال وحصار التجويع الذي سبق أحداث أكتوبر كوقائع ثانوية أو مبررة.

لذلك، فإن رفض نتنياهو لخطة ترامب لا يمكن اختزاله في حسابات سياسية شخصية. فهو يعكس في جزء كبير منه اصطفافًا مع قاعدة انتخابية ترى في أي انسحاب من غزة خطأً تاريخيًا يجب تصحيحه، وتدفع باتجاه سياسات أكثر تشددًا. وفي المقابل، يختزل ترامب هذا التعقيد في “مناورة” ظرفية، متجاهلًا أن ما يجري هو ترسيخ لواقع سياسي جديد يُراد له أن يصبح أمر واقع.

وعلى الأرض، جاء الرد الإسرائيلي على “خطة السلام” بالقصف. خلال يومين، قُتل 26 فلسطينيًا وأصيب 76 آخرون. وكان من أبرز الهجمات استهداف مستودعات الأدوية الملحقة بمستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، حيث دُمّر جزء كبير من مخزون الأدوية الحيوية، بما في ذلك سوائل وريدية ومستلزمات غسيل الكلى، في وقت يعاني فيه المرضى أصلًا من نقص حاد في العلاج.

ولم تكن الأرقام مجرد إحصاءات. في برج السوسي بمدينة غزة، قُتل عبدالله أبو طايف وزوجته الحامل عبير عنان وابنهما عزام (5 سنوات)، وانتُشل لاحقًا رفات جنينهما. وفي خان يونس قُتل محمود الحمص وزوجته وابنتهما، بينما قُتل الزوجان المسنان كمال وهدى أبو مويلق في دير البلح.

هكذا تُترجم “خطة السلام” عمليًا: استمرار القتل تحت غطاء سياسي متغير.

وفي هذا السياق، لا يبدو أن المشكلة في غياب الرسائل الأمريكية، بل في غياب القدرة على فرضها. فكلما أعلنت واشنطن موقفًا، قابلته دولة الاحتلال بتحدٍ مباشر، دون أن تواجه عواقب حقيقية. ومع كل مرة، تتآكل مصداقية الإدارة الأمريكية أكثر، بينما تتعزز قناعة صهيونيه بأن بإمكانها تجاوز واشنطن دون ثمن.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، حصلت دولة الاحتلال على إطلاق سراح أسراها ضمن اتفاق أنهى الحرب نظريًا، لكنها لم تلتزم ببنوده. فمنذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر، سُجل أكثر من 4000 خرق، قُتل خلالها 1300 فلسطيني، بينما تقلصت المساعدات الإنسانية، وتوسعت السيطرة الإسرائيلية من 53% إلى 70% من أراضي غزة. أي انسحاب مستقبلي، إن حدث، سيبدأ من هذا الواقع الجديد لا من خطوط الاتفاق الأصلية.

تتضح هنا المفارقة الأساسية: رئيس يعلن “اتفاق سلام” لا يملك أدوات فرضه، ويعجز في الوقت نفسه عن محاسبة طرف يرفضه علنًا. ليس هذا رئيسًا يصنع السلام، بل رئيس فقد القدرة على التأثير في مسار حليف يفترض أنه يخاطبه.

ولهذا، فإن إرث ترامب في غزة لا يختلف جوهريًا عن إرث سلفه. كلاهما واجه الرفض الصهيوني ذاته، وكلاهما انتهى إلى نتيجة واحدة: دولة الاحتلال لا تخضع للضغط الأمريكي، بل تستفيد منه أحيانًا لتثبيت وقائع على الأرض.

والحصيلة ليست مجرد فشل دبلوماسي، بل مسار طويل من الدعم السياسي والعسكري الذي مكّن حرب إبادة في غزة، وحمى دولة الاحتلال من أي مساءلة حقيقية.

أما “السلام” الذي أعلنه ترامب، فقد بقي في حدود التصريحات.