Menu

بأي حق يتحدث المجتمع الدولي عن الإصلاح؟ وأي شرعية أخلاقية يمتلك؟"

حيدر العيلة أبو الأمير

بوابة الهدف

 

أي وقاحة سياسية هذه التي تجعل ما يسمّي "المجتمع الدولي" مطالبة الفلسطينيين بإصلاح القوانين، وتعديل المناهج التعليمية، وإعادة هيكلة المؤسسات، بينما عجز، أو امتنع، عن القيام بأبسط واجباته الإنسانية والقانونية تجاه شعب يتعرض للقتل والتهجير والدمار؟

وأنا هنا لا أقصد بالمجتمع الدولي شعوب العالم ولا كل دوله ومؤسساته، وإنما القوى الدولية الإستعمارية التي تمتلك القدرة السياسية والقانونية على التأثير، ثم تختار استخدام هذه القدرة بصورة انتقائية

بأي حق يطالب الضحية بالإصلاح، وهو لم يستطع أن يلزم الجلاد بوقف جرائمه؟

لقد شاهد العالم آلاف الأطفال والنساء يُقتلون، والأحياء تُسوّى بالأرض، والمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء تُستهدف، ومع ذلك ظلّت بيانات الشجب الباردة هي أقصى ما يقدمه هذا المجتمع الدولي، بينما بقي القانون الدولي معطلاً عندما تعلق الأمر بالفلسطينيين.

إن المجتمع الدولي الذي يفشل في حماية المدنيين، ويعجز عن تنفيذ قراراته، أو يمارس الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، يفقد حقه الأخلاقي في إعطاء الدروس للضحايا أو فرض الوصاية عليهم.

نحن لا نرفض الإصلاح، بل نؤمن أن إصلاح مؤسساتنا ضرورة وطنية ومسؤولية فلسطينية، لكننا نرفض أن يتحول الإصلاح إلى أداة ابتزاز سياسي، أو إلى ثمن يُطلب من الضحية دفعه، بينما يُعفى المعتدي من أي مساءلة أو محاسبة.

 

قبل أن يطالبنا هذا المجتمع الدولي بتعديل مناهجنا وقوانيننا، فليُصلح أولاً منظومته الأخلاقية، وليُثبت أن العدالة ليست انتقائية، وأن دماء الأطفال الفلسطينيين لا تقل قيمة عن دماء أي طفل آخر في هذا العالم.

نحن لا نرفض الإصلاح من حيث المبدأ لكن الإصلاح الحقيقي الذي نريده لمؤسساتنا الوطنية لا ينبغي أن يكون استجابة لإملاءات خارجية.

إن رفض الوصاية الخارجية لا يعني رفض النقد، ولا يعني أن مؤسساتنا وقوانيننا فوق المراجعة، نحن بحاجة إلى إصلاح حقيقي، وإلى مراجعة جادة لكل ما يحتاج إلى إصلاح في حياتنا السياسية والإدارية، لكن هذا الإصلاح يجب أن يكون نابعاً من إرادة فلسطينية مستقلة، وأن يخضع لمصلحة الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، لا لشروط المانحين أو إملاءات القوى الدولية، فنحن نريد إصلاحاً يجعل مؤسساتنا أكثر ديمقراطية ونزاهة وكفاءة، ويصون حقوق الإنسان وسيادة القانون، لا إصلاحاً يُطلب منا مقابل الحصول على المساعدات أو إعادة الإعمار.

أما المجتمع الدولي الذي يصمت أمام المذابح، ويكتفي بالمراقبة بينما يُباد شعب بأكمله، فلا يملك الحق الأخلاقي ولا السياسي لأن ينصّب نفسه وصياً على الفلسطينيين أو أن يملي عليهم كيف يديرون شؤونهم، ففاقدُ المصداقية لا يملك حق منح الشرعية للآخرين، ومن عجز عن حماية الضحية لا يحق له أن يفرض عليها الشروط.

إن المجتمع الدولي الذي يكيل العدالة بمكيالين، ويطالب الضحية بالإصلاح بينما يعجز عن وقف الجريمة ومحاسبة المعتدي، ليس في موقع من يمنح الدروس الأخلاقية لأحد، قبل أن يطالبنا بإصلاح قوانيننا ومناهجنا ومؤسساتنا، عليه أن يثبت أن القانون الدولي ليس امتيازاً للأقوياء، وأن حياة الفلسطيني ليست أقل قيمة من حياة أي إنسان آخر.

إن العدالة لا تُجزّأ، ومن يطالب الفلسطينيين بالإصلاح، عليه أولاً أن يثبت التزامه بمبادئ العدالة نفسها، فالعدالة التي لا تشمل الجميع ليست عدالة، والقانون الذي يُطبَّق على الضعفاء ويُعطَّل أمام الأقوياء ليس قانوناً، بل أداة من أدوات القوة.

نعم للإصلاح، لا للوصاية؛ نعم للنقد، لا للإملاء؛ نعم للمراجعة الفلسطينية، لا للمساومة على الحقوق الوطنية.