وصل رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد، اليوم الأربعاء، في زيارة تأتي في توقيت شديد الحساسية، تتقاطع فيه التوترات الأمنية بين إيران وإقليم كردستان مع تصاعد الضغوط على فصائل المقاومة لحصر السلاح بيد الدولة العراقية.
وقال قاليباف، عقب وصوله إلى العراق، إن زيارته تهدف إلى تعزيز التعاون بين دول المنطقة وبناء "نظام جديد" بعيدًا عن التدخلات الخارجية، مشيرًا إلى أن اللقاءات ستتناول العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية كونها تأتي بعد يومين من هجوم بطائرتين مسيرتين استهدف مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني ومقر إقامة مسؤول أمني في أربيل.
وقال جهاز مكافحة الإرهاب في الإقليم إن المسيّرتين انطلقتا من جهة الحدود الإيرانية، بينما طالب وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين طهران بإصدار موقف رسمي واضح بشأن الهجوم.
وفي المقابل، نفت طهران مسؤوليتها عن الهجوم، ما أبقى ملابساته وهوية الجهة المنفذة موضع خلاف، في وقت كانت أربيل قد اتهمت إيران مباشرة بالوقوف وراء الاستهداف.
ويزيد هذا التباين من حساسية زيارة قاليباف، إذ تأتي في أعقاب حادث استهدف للمرة الأولى، وفق الرواية الكردية، منشآت مرتبطة مباشرة بقيادة الإقليم، وليس فقط مواقع لفصائل المعارضة الإيرانية الموجودة في شمال العراق.
هجوم أربيل.. ملف أمني على طاولة بغداد وطهران
ويمثل هجوم أربيل أحد أبرز الملفات التي تفرض نفسها على محادثات قاليباف في بغداد، خصوصًا مع حرص الحكومة العراقية على منع تحول أراضي البلاد إلى ساحة لتبادل الهجمات بين إيران وخصومها.
وكانت السلطات في إقليم كردستان قد قالت إن طائرتين مسيرتين مفخختين من طراز "حديد-110" استهدفتا مكتب بارزاني ومقر إقامة مسؤول أمني في منطقة بيرمام، من دون تسجيل خسائر بشرية.
وأكدت أربيل في الوقت نفسه رفضها استخدام أراضي الإقليم لشن هجمات على إيران أو دول الجوار.
ويضع الهجوم بغداد أمام معادلة معقدة: فمن جهة، تسعى الحكومة العراقية إلى الحفاظ على علاقاتها مع طهران ومنع التصعيد على حدودها، ومن جهة أخرى، تواجه ضغوطًا لحماية سيادة البلاد ومنع أي طرف إقليمي من استخدام الأراضي العراقية في صراعاته.
ملف السلاح.. العامل الأكثر حساسية
ولا تنفصل زيارة قاليباف عن ملف حصر سلاح فصائل المقاومة بيد الدولة العراقية، الذي دخل مرحلة أكثر حساسية مع اقتراب الموعد النهائي الذي حددته الحكومة في 30 سبتمبر/أيلول المقبل.
وتطالب بغداد جميع التشكيلات المسلحة بإنهاء وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، فيما تتمسك الفصائل برفض تسليم سلاحها.
ويبرز في هذا السياق موقف الأمين العام لحركة النجباء، أكرم الكعبي، الذي أكد رفض تسليم سلاح الحركة قبل خروج القوات الأمريكية من العراق، معتبرًا أن استمرار الوجود الأجنبي يبرر بقاء سلاح "المقاومة".
ولا تقتصر مواقف الفصائل على مسألة الوجود العسكري الأمريكي، إذ تربط بعض التشكيلات حصر السلاح بإعادة ترتيب أوسع للقرار العراقي سياسيًا وأمنيًا، وإنهاء ما تعتبره تدخلًا خارجيًا في شؤون البلاد.
وبذلك، يتحول ملف السلاح إلى اختبار لطبيعة الدولة العراقية وحدود سلطتها؛ فبينما تسعى بغداد إلى حصر القوة المسلحة بيد مؤسساتها الرسمية، ترى الفصائل أن أي تسوية يجب أن تسبقها ترتيبات تتعلق بالسيادة، والوجود الأجنبي، واستقلال القرار العراقي.
وتأتي هذه التطورات وسط تصاعد الاتصالات بين بغداد وطهران، بالتزامن مع تقارير عن ضغوط سياسية وأمنية تهدف إلى تجنب مواجهة بين الحكومة والفصائل.
ويتزامن الموعد النهائي لحصر السلاح مع المرحلة الأخيرة من إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، ما يجعل الملف جزءًا من ترتيبات أوسع تتعلق بمستقبل الوجود العسكري الأجنبي، وطبيعة العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن، ودور فصائل المقاومة في المنظومة الأمنية العراقية.
لماذا الآن؟
في هذا السياق، تبدو زيارة قاليباف محاولة إيرانية لإدارة أكثر من ملف في وقت واحد: الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع بغداد، احتواء تداعيات هجوم أربيل، والتعامل مع ملف سلاح الفصائل الذي بات يقترب من نقطة اختبار حقيقية.
وتأتي الزيارة بعد زيارة غير معلنة لقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد في وقت سابق من أغسطس/آب، حيث أجرى لقاءات مع قادة سياسيين وأمنيين وفصائل المقاومة، وفق تقارير عراقية، في وقت كان ملف حصر السلاح حاضرًا بقوة في المشهد العراقي.
ومن هنا، فإن وجود قاليباف في بغداد لا يُقرأ فقط باعتباره زيارة برلمانية أو دبلوماسية، بل يأتي ضمن مسار إيراني أوسع للتواصل مع القوى العراقية في لحظة تتغير فيها موازين النفوذ داخل العراق، وتقترب فيها الحكومة من الموعد المحدد لحسم ملف السلاح.
ويبقى السؤال الأبرز أمام زيارة قاليباف: هل تستطيع طهران وبغداد التوصل إلى صيغة تمنع انفجار أزمة السلاح، وتحول دون انتقال التوتر بين إيران وإقليم كردستان إلى مواجهة داخل العراق، أم أن اقتراب موعد 30 سبتمبر/أيلول سيضع الحكومة والفصائل أمام اختبار أكثر صعوبة؟

