قد لا يكون تعبير "أثر الفراشة" مناسباً لوصف فعل الطوفان. فالسابع من أكتوبر وما تبعه من مقاومة أسطورية كان "زلزالاً"، وليس "رفرفةً". لأنه فتح صدعاً عريضاً في "مسلمات" راسخة في العقل الجمعي الغربي، وحتى بعض العقول العربية. منها: أن الجيش الصهيوني هو "الجيش الذي لا يقهر" و"اسرائيل المنارة الحضارية الديموقراطية"، وهذا الطوفان قد زعزع معتقد استحالة الجمع بين الفعل الثوري العنيف وكسب تعاطف الرأي العام الغربي. ورغم أن الطوفان في حقيقته زلزال محلي حدث في قطاع من فلسطين، لكن ارتداداته العربية والعالمية كانت هائلة ومن شأنها أن تساهم بقوة في إعادة تشكيل موازين القوى العالمية. ورغم ذلك، فإن المخاضات التي أحدثتها موجات زلزال الطوفان في الولايات المتحدة الأمريكية، هي -نسبياً- اعتبرتها بمثابة تأثيرات "رفرفة" ذلك الزلزال في قارة بعيدة لم تكن كثيراً تتغير من جراء "زلازل كوكبية" كانت تحدث، أو كانت حكومات هذه القارة تنفذها بحق البشرية. ولذا، سنعتبر "مجازاً" هذا الزلزال "رفرفة جناحي فراشة فلسطينية"!. ولعلني أحسست بالعمق الإنساني والجمالي لكلمة "الفراشة"، قياساً للعمق الحماسي التدميري لكلمة "الزلزال"، وبالتالي، اختلاف دلالاتهما الشعورية . وكما القول الشعري حين يعلن:
ما جاز لقلبك، يجوز لعقلك!
أصل نظرية الفراشة:
- عام 1963م ابتكر العالم الفيزيائي إدوارد لورينتز نظرية أسماها (أَثر رفرفة جناحَي الفراشة). وهذا التعبير المجازي يصفُ تلك الترابطات والتأثيرات المتبادلة والمتواترة التي تنجم عن حدث أول، قد يكون بسيطاً في حد ذاته، لكنه يولّد سلسلة متتابعة من النتائج والتطورات المتتالية والتي يفوق حجمها بمراحل ما حدث في البداية، وبشكل قد لا يتوقعه أحد، وفي أماكن أبعد ما يكون عن التوقع، وهو ما عبّر عنه مفسرو هذه النظرية بشكل تمثيلي بما معناه، أن (رفرفة جناح فراشة في الصين قد يتسبب عنه فيضانات وأعاصير ورياح هادرة في أبعد الأماكن في أمريكا أو أوروبا أو اليابان). إن مصطلح أثر الفراشة، يستعمل بقصد التعبير عن التأثير الذي يمكن أن تسببه الأحداث متناهية الصغر في العالم من حولنا، حيث يمكن لحدث صغير يكاد لا يُذكر أن يكون سبباً في حدوث نتائج هائلة الاتساع. ويمكن تشبيه أثر الفراشة بالدومينو المؤلفة من عدد متفاوت من القطع، مصفوفة بعضها خلف بعض، ما إن تسقط القطعة الأولى-برفرفة أصبعك- حتى تتداعى بقية القطع. وهذا ما فعله (طوفان الأقصى) بعد "رفرفة" صواريخ المقاومة الفلسطينية على رؤوس الجيش الصهيوني والمستوطنين الصهاينة في السابع من أكتوبر 2023م.
يقول الشاعر محمود درويش في قصيدته (أثر الفراشة):
أَثرُ الفراشة لا يُرَى
أَثرُ الفراشة لا يزولُ
هو جاذبيّةُ غامضٌ
يستدرج المعنى، ويرحلُ
حين يتَّضحُ السبيلُ
هو خفَّةُ الأبديِّ في اليوميّ
أشواقٌ إلى أَعلى
وإشراقٌ جميلُ
هو شامَةٌ في الضوء تومئ
حين يرشدنا إلى الكلماتِ
باطننا الدليلُ
هو مثل أُغنية تحاولُ
أن تقول، وتكتفي
بالاقتباس من الظلالِ
ولا تقولُ…
أَثرُ الفراشة لا يُرَى
أُثرُ الفراشة لا يزولُ!
التأثير الأول للرفرفة:
نعم، هذا ما أحدثه طوفان الأقصى، فهو من ناحية فضح الكيان الصهيوني، وفضح معه قيم ومبادئ وسياسات الدول الرأسمالية الأوروبية وأمريكا الشمالية، وكشف تردد وحيادية بعض الدول التي كنا نعتقد بأنها صديقة لقضيتنا الفلسطينية، وفضح معظم الأنظمة العربية التي انكشفت حقيقتها ومعدنها غير العروبي وغير الإنساني، وجُبنها ورعبها من القوى الإمبريالية، ورضوخها المخجل لمواقف الكيان الصهيوني.
لو أن هذه الرفرفة الطوفانية حدثت في دولة غربية ديمقراطية، راسخة مؤسساتها السياسية والعسكرية والأمنية، لانتهت تأثيراتها في غضون أيام أو بضعة أسابيع. لكن رفرفة الطوفان ما زالت تأثيراتها المرئية واضحة، حيث كشفت عن نقاط الضعف والثغرات في بنية وقدرات هذا الكيان العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية. وهذا الأثر (يُرى) للعلن بعكس ما قاله درويش في قصيدته.
الأثر الذي لا يُرى ولا يزول:
رفرفة الطوفان هي (التحول في النموذج). هذا التعبير يستعمل في مجال مناهج البحث العلمي والفلسفي. إذ يشهد العالم بين الحين والآخر "تحولاً في النموذج"، أي تتغير إحدى الفرضيات الأساسية التي كانت سائدة لفترة طويلة من الزمان. فمثلاً حدث تحول في النموذج عندما تغيرت نظرتنا إلى العالم من الاعتقاد بأن الأرض هي مركز الكون إلى القول بأن الأرض تدور حول الشمس، وما هي إلا كوكب صغير في فضاء من المجرات، فانهارت بالتالي مركزية الإنسان على الكون. والتحول الثاني في النموذج، جاء بعد اكتشاف آينشتاين نظريته النسبية للمكان والزمان. حيث انهارت بعده "اليقينيات" و"المطلقيات" العقلية والمفاهيمية. ليتحول الواقع والفكر إلى مفاهيم "نسبية". ومن الممكن تطبيق منهج "التحول في النموذج" في حقول السياسة والاقتصاد والاجتماع، وحتى في التحولات التاريخية للبشرية
كل هذه التحولات أخذت وقتاً طويلاً لكي تنفذ إلى المجتمع ، سواء العلمي أو الفكري والاجتماعي والسياسي، ووقتاً أطول لكي تصبح مقبولة من الجمهور العام. وهذا ما سيحققه طوفان الأقصى من تحول جذري في نموذج نشوء "إسرائيل" وجذورها التاريخية، وحاضرها الراهن وحاجتهما إلى مثل هذا التحول في النموذج، فالنموذج السائد حتى الآن نتيجة لتزييف تاريخ المنطقة العربية المحيطة ب فلسطين عامة، وتاريخ وحاضر فلسطين خاصة، على يد الإمبراطوريتين الاستعماريتين البريطانية والفرنسية، وصُنّاع الحركة الصهيونية العالمية، باعتبار إنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين، هو بمثابة تأسيس دولة في "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض"، وفي وسط منطقة شرقية عربية متخلفة، ولا يمكن التعويل عليها لحماية المصالح الاستعمارية. إن رفرفة الطوفان قد كشفت بأن كل هذا الترويج مجرد "وهم" زائف. وأن الطوفان قد بدأ يحل نموذجًا آخر محل هذا النموذج الصهيوني السائد، وهو الأثر الذي لغاية الآن (لا يُرى، ولن يزول). أثر فراشة الطوفان الذي لم يكن أحد يتوقعه، ها قد بدأ يظهر رويداً رويدا في الجامعات الأمريكية والأوروبية، وفي الساحات والميادين، ولدى الباحثين والمفكرين والأكاديميين والإعلاميين والأدباء والفنانين.
الرفرفة تصل للقلعة الحامية:
لقد بدأت تأثيرات رفرفة جناحي الطوفان تصل إلى القلعة الحامية للكيان الصهيوني، والمتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية، فلقد أشارت العديد من التقارير الغربية الموثوقة على ذلك، ومنها ورقة علمية قيمة للباحث الأكاديمي البحرين ي الدكتور محمد جاسم بوحجي، الذي اعتمدنا على منهجيتها ومعلوماتها. حيث قام بتحليل واستعراض لتحولات جديدة برزت في الولايات المتحدة، أهمها:
أولاً: الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عام 2026م:
حيث مَثَّلت هذه الانتخابات لحظةً فارقةً في السياسة الأمريكية، إذ كشفت عن إعادة تنظيمٍ جوهريةٍ تميّزت بانهيار الإجماع التقليدي المؤيد "لإسرائيل" الذي طالما دعمته لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك). وذلك، عندما نجحت حركةٌ "اشتراكيةٌ" صاعدةٌ في الحزب الديمقراطي، من شخصياتٍ مثل زهران ممداني وآخرين من هذا التيار السياسي الديمقراطي المناهض للرأسمالية الجديدة. حيث تمكنوا من حشد الدعم حول المشاعر المناهضة للحرب ومعارضة الإبادة الجماعية في غزة.
ثانياً: لجنة أيباك، وتراجع دورها في الانتخابات :
لعقود، عملت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) كقوة مؤثرة في السياسة الأمريكية، وبالأخص في دعم المرشحين من الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، حيث رسخت إجماعًا مؤيدًا لإسرائيل من خلال نفوذ مالي وسياسي كبير. فمنذ تأسيسها عام 1954 وهي تمسك بخيوط المؤسسات الأمريكية، بهدف مواصلة دعمها للكيان الصهيوني. ولقد استطاعت منظمة «آيباك» النجاح في الحفاظ على وضعيتها الخاصة في واشنطن؛ إذ لم يُعرف عنها ميلٌ إلى أحد الحزبين، الجمهوري أو الديموقراطي، وأصبح حيادها الحزبي مصدر قبول وترحيب من الحزبين. ولكن في عام 2015م، برز أول شقاق كبير بين (أيباك) والحزب الديموقراطي عقب توقيع إدارة الرئيس باراك أوباما الاتفاق النووي مع إيران؛ إذ دفعت (أيباك) القيادة الجمهورية للكونجرس إلى دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإلقاء كلمة أمام جلسة مشتركة للحزبين، فيما اعتُبر صفعةً على وجه الرئيس أوباما. ووقفت (أيباك) بوضوح مع سردية نتنياهو المعارضة للاتفاق ضد سردية أوباما. ويشير الباحث محمد المنشاوي، المقيم في واشنطن، في مقال نشره في موقع 180pist.Com، بأن هذه الخطوة الإسرائيلية-غير المدروسة!- هي التي شَكلَّت بداية جنوح (أيباك) إلى جانب الحزب الجمهوري، وتراجع دعمها للمرشحين الديموقراطيين، وإن لم يختفِ. ومنذ ذلك الحين، ارتبطت (أيباك) ارتباطًا وثيقًا بالليكود الإسرائيلي والحزب الجمهوري في الوقت ذاته، في وقت لا يزال فيه أغلب اليهود الأمريكيين ديموقراطيين. وبعد وصول الرئيس دونالد ترامب، في ولايته الأولى، إلى البيت الأبيض، وإلغائه الاتفاق النووي عام 2018، زاد الغضب بين الديموقراطيين، وبرز تيار تقدمي صغير ينتقد إسرائيل بصورة مباشرة، من مرشحين وأعضاء جدد في مجلس النواب، من أبرزهم ألكسندريا كورتيز، ورشيدة طليب، وإلهان عمر، وجمال بومان، وكوري بوش. ورأت (أيباك) في هذا التطور تهديدًا استراتيجيًا وجوديًا طويل الأجل، وبالفعل هو كذلك. ومنذ ذلك الوقت، فقد تغير المشهد بشكل جذري، وتراجع دوره (أيباك) وتأثيرها. حيث أظهرت الانتخابات التمهيدية الأخيرة للحزب الديمقراطي، بأن دعم أيباك لم يعد ضمانًا للفوز، بل قد يكون عبئاً. فقد نجح هذا التيار في تحدي النظام القائم من خلال استغلال تحول جيلي في الوعي. هذا التحول، الذي حفزته الحرب على غزة واعتصامات الطلاب في الجامعات الأمريكية، حيث تم حشد روايات بديلة لمواجهة الخطاب السائد الذي حافظت عليه لجنة (أيباك)، حيث كانت سرديتها المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة مهيمنة على العقول والإعلام والجامعات، وذلك من خلال التمويل المالي الكبير، والتأثير الإعلامي، والضغط السياسي. ومع ذلك، فقد حفزت الأحداث في غزة أزمة "معرفية". وقد استغل هذا التيار الاشتراكي الجديد في الحزب الديمقراطي هذه الأزمة من خلال تقديم سردية مضادة، اعتمدت على مبادئ حقوق الإنسان ومناهضة الاستعمار، متحدية شرعية الخطاب السائد. وقد كان هذا التحدي قويًا بشكل خاص بين الفئات العمرية الشابة التي تشربت وتأثرت من مصادر معلومات بديلة خارج سياق الإعلام الرسمي المؤيد لإسرائيل.
إن لهذا التراجع في دور وتأثير لجنة (أيباك) في وقتنا الراهن، عوامل عديدة، منها، تحويل خطاب رفض الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، كسلاح مقاومة استراتيجي في الحملة الانتخابية. حيث يمكن فهم نجاح الحركة المؤيدة لفلسطين، التي تغذي التمرد السياسي ضد لجنة (أيباك) من خلال استراتيجية حشد مصادر معلومات متنوعة - وسائل التواصل الاجتماعي، وشبكات الطلاب، ووسائل الإعلام البديلة - من أجل "تطويق" وتفكيك السردية المهيمنة التي تحافظ عليها هياكل السلطة التقليدية. ولقد كانت مخيمات الطلاب عام 2024، التي امتدت من جامعات النخبة مثل جامعة كولومبيا إلى الجامعات في جميع أنحاء العالم، بمثابة مراكز لتطويق السردية الصهيونية التي تروج لها لجنة (أيباك) وفروخها من اللجان والمنظمات الأخرى. وقد عملت هذه المخيمات كـ"مناطق محررة" حيث تم نشر روايات تاريخية بديلة وحقائق عن فلسطين، مما أدى فعليًا إلى كسر الصمت الذي هَمَّش سابقًا الخطاب المؤيد للقضية الفلسطينية. لقد عكس صعود "الديمقراطيين الاشتراكيين الجدد"، مع تآكل الثقة في المؤسسات التقليدية، شعورًا بالأهمية الاستراتيجية للناخبين المحبطين .
إن المطالبة بوقف إطلاق النار في غزة، وسحب الاستثمارات من "إسرائيل" ليست مجرد تفضيلات سياسية، بل هي أفعال رمزية تُعطي معنى لجيل يُصارع الظلم العالمي. وقد برز هذا البحث عن المعنى والجوهر الإنساني للقضية الفلسطينية، بشكل خاص بين جيل Z وجيل الألفية، الذين أظهروا انخراطًا غير مسبوق في رفضهم للسردية الإعلامية الصهيونية. لذا، من الأهمية بمكان أن نعتبر مفهوم الوعي الجيلي محورياً لفهم التحوّل الانتخابي لعام 2026. فقد كان لجيل Z دور فعّال في إعادة صياغة الرواية الحقيقية لفلسطين، مستخدماً المنصات الرقمية ووسائل الإعلام البديلة لمواجهة الروايات السائدة. كما تمكن الصراع في غزة في خلق إلهام لجيل Z وغيرّ جذرياً عقلياتهم، مُحدثاً تحولاً دائماً في الوعي السياسي. حيث برز صعود المشاعر المعادية للصهيونية بين جيلي الألفية وZ اليهوديين، وأن هذا التحوّل ليس مجرد تفضيل سياسي، بل هو تحوّل عميق في الهوية والقيم. وقد حفز هذا التحول الجيلي إلى تغيير جذري في النظرة إلى العالم، من جهة، كما برزت الحرب على غزة كلحظة فاصلة ذات آثار طويلة الأمد لم تتضح معالمها بالكامل بعد، من جهة ثانية.
ثالثاً: مقاومة الضعفاء للأقوياء:
- هذه المقاومة الأمريكية الجديدة، وثيقة الصلة بالحركة الطلابية والسياسية الأمريكية المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني، والتي كانت في كل الانتخابات السابقة غائبة بشكل كامل. وقد ساهمت محاولات قمع الاحتجاجات الطلابية والقمع الإداري الذي يواجهه النشطاء في تعزيز عزيمة الحركة الأمريكية الصاعدة ضد الكيان الصهيوني، مما أدى إلى خلق قوة سياسية كانت هشة وضعيفة، إلى مقاومة صاعدة، تزداد قوةً تحت الضغط بدلاً من أن تضعف. لذلك، صعدت الطليعة الاشتراكية الجديدة، وبالأخص عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، كشخصية مؤثرة بشكلٍ خاص، حيث استخدم نفوذه السياسي لدعم قائمة من المرشحين ذوي التوجهات المماثلة في الانتخابات التمهيدية لمجلس النواب، والترويج لها. هؤلاء المرشحون غالبًا ما يكونون منتسبين إلى أو مدعومين من قبل الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين (DSA). وقد نفذ هذا التيار الاشتراكي، استراتيجية استهداف "المقاعد الديمقراطية الآمنة" بدلًا من التنافس في الدوائر الانتخابية التنافسية، باعتبارها نهجًا محسوبًا لتحويل الحزب الديمقراطي نحو اليسار. هذه الاستراتيجية هي تطبيق سياسي لتأثير "الاستيقاظ" الذي تم رصده في الحركات الطلابية، حيث ينتقل المواطنون المنخرطون من الاهتمام السلبي إلى المقاومة السياسية الفعالة. وقد نجح المرشحون الذين دعمهم ممداني في حشد الدعم حول قضية غزة، مما يدل على أن المشاعر المعادية للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) يمكن أن تكون موردًا انتخابيًا للحزب الديمقراطي في الانتخابات القادمة.
رابعاً: قوة مالية موازية لقوة "أيباك":
كان أحد العناصر الحاسمة لنجاح هذه الحركة الاشتراكية قدرتها على مواجهة القوة المالية الهائلة للجنة (أيباك). فبينما تمتلك أيباك لجنة عمل سياسي فائقة القوة والتأثير، حيث أسست مشروع الديمقراطية المتحدة(UDP)، والتي أنفقت مبالغ طائلة في الدورة الانتخابية الحالية. ولكن موازاة لهذه اللجنة الإسرائيلية الأمريكية، فقد برزت لجنة سياسية جديدة باسم "الأولويات الأمريكية" American Priorities
والتي تأسست في فبراير 2026، وهي لجنة فائقة الحيوية، تدعوا إلى التركيز على الأولويات الأمريكية، كالتعليم الحكومي والرعاية الصحية، بدلاً من تحويل أموال الضرائب الذي يدافعها المواطن لدعم "إسرائيل" في إبادتها الجماعية للشعب الفلسطيني. وهذه اللجنة السياسية والمالية تمثل ثقلاً فعالاً موازياً للجنة "أيباك"، حيث بدأت قبل أشهر قليلة من الانتخابات التمهيدية، بإنفاق ملايين الدولارات لدعم المرشحين المنتقدين لإسرائيل وأيباك، مما ساعد على تحقيق تكافؤ "الفرص المالية" في العديد من السباقات الانتخابية الرئيسية. وحسب قناة سي إن إن فإن هذه المجموعة استلهمت من حماس المانحين الذي أثارت حملة ممداني الانتخابية لمنصب رئيس البلدية. وتعكس هذه الاستجابة العملية المالية، مدى التحولات في المشهد السياسي، مما يدل على أن هذا التحول المعرفي قد تُرجم إلى قوة انتخابية مادية.
علماً بأن لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) وحلفاؤها قد انتقدت هذا التوجه "المالي" للتيار الاشتراكي الديمقراطي باعتباره نفاقًا، مشيرين إلى أن اليساريين الذين يستنكرون نفوذ المال السياسي الكبير يستفيدون الآن من لجنة عمل سياسي ممولة من كبار المانحين. ومع ذلك، يجادل مؤيدو المجموعة الداعمة للتيار الاشتراكي، بأنه من الضروري مواجهة نفوذ أموال أيباك "الخفية" وأن هذا يمثل "دمقرطة" و"شفافية" للمال السياسي. ويعكس كيف امتد الصراع إلى المجال المالي.
وفي هذا السياق، أصبحت أزمة لجنة (أيباك) هيكلية وليست مرحلية. حيث دفعت الهزائم الانتخابية لعام 2026 إلى إعادة تقييم داخل لجنة (أيباك) والمنظمات التابعة لها. فقد أشارت إلى نيتها تكثيف مشاركتها في دورات الانتخابات التمهيدية المقبلة من خلال توسيع التزاماتها المالية بما "يتجاوز المعايير التقليدية"-دون ذكر هذا التجاوز! وأكدت بأنها تخطط للاستثمار بشكل أكبر في استقطاب المرشحين وتطوير السرديات المضادة للمشاعر المتنامية المعادية لإيباك. ورغم ذلك، فإن التحليلات تؤكد بأن التحدي الذي يواجه إيباك لم يعد تحدياً تكتيكياً مرحليا، بل هو تحدي هيكلي، حيث كانت قوة تأثير ونفوذ لجنة (إيباك) قائمة على توافق بين الحزبين: الجمهوري والديمقراطي، وهو التوافق الذي لم يعد موجودًا في مرحلتنا الراهنة، خاصة بين الديمقراطيين الشباب. ذلك أن الآثار الجانبية للحرب على غزة قد ولّدت انعدام ثقة مؤسسية عميق، مما جعل من الصعب على نحو متزايد على أصحاب النفوذ الراسخين الحفاظ على سلطتهم. وقد تقوّضت جهود لجنة (إيباك) لتصوير المعارضة على أنها معادية للسامية من خلال مشاركة نشطاء ومنظمات يهودية داعمة للسلام ورافضة للإبادة الجماعية في غزة. كما تشير الانتصارات المتتالية للمرشحين التيار الاشتراكي في الحزب الديمقراطي إلى أن الآراء المناهضة للجنة (إيباك) والمؤيدة لفلسطين
تلقى نفوراً سياسياً في الدوائر ذات الأغلبية الديمقراطية، بل إنها في الواقع، تحولت إلى رصيدٍ سياسيٍ ثابت في الحملات الانتخابية، ولعلها تكون برامج ومواقف وسياسات في المؤسسات السياسية والتشريعية الأمريكية في المرحلة القادمة. إن الموقف الناقد والهجومي لهذا التيار الجديد في الحزب الديمقراطي الأمريكي لممارسات وسياسات الكيان الصهيوني، وإعلان المرشحين الاشتراكيين رفضهم تحويل أموال الضرائب الذي يدفعونها الشعب الأمريكي إلى أسلحة للإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، بدل توجيهها لتطوير الرعاية الصحية والتعليم والتوظيف، كل هذه الأسباب هي التي أدت إلى النجاح الانتخابي لهؤلاء المرشحين، وتُظهر مواقف ممداني في التجمعات الانتخابية عندما وصف إيباك بـ"الوحوش"، مدى شعبية شعارات هذا التيار الجديد، وجرأته في كسر ما كان "مقدساً" أو "محرماً" المساس به. وهذه ما تؤكد صحة استراتيجية تقديم "السرديات البديلة"، ونجاحها في تحدي الخطاب السائد الداعم لإسرائيل.
خامساً: دور النشاط الطلابي والتغيير الجيلي:
ومثلما أشرنا آنفاً، بأنه لا يمكن فهم التحول الانتخابي لعام 2026 دون الإشارة إلى احتجاجات الطلاب في عام 2024، والتي أعادت تشكيل الوعي السياسي بشكل جذري. فلقد كان النطاق غير المسبوق للاحتجاجات الطلابية المؤيدة لفلسطين في الجامعات الأمريكية، حيث تم اعتقال آلاف من طلابها في أكثر من 130 حرمًا جامعيًا. هذه الاحتجاجات، التي بدأت في جامعات مرموقة مثل جامعة كولومبيا، ثم انتشرت إلى المدارس الثانوية والجامعات في جميع أنحاء العالم، مما أدى إلى إنشاء شبكة عالمية من النشاط الطلابي والشبابي. إن جامعة كولومبيا التي أشعلت هذا التغيير السياسي، وكان لها الدور الحاسم في مسار الحركة الطلابية، وحتى الأساتذة والإداريين. حيث تتمتع هذه الجامعة بسمعة أكاديمية -وحتى سياسية- طيبة، حيث تخرجت قادةً سياسيين وقانونيين منها، من بينهم باراك أوباما، وفرانكلين روزفلت، والقاضية في أعلى محكمة أمريكية السيدة وروث بادر غينسبيرغ. كما لدى هذه الجامعة تاريخ طويلٍ من النشاط الطلابي يعود إلى فترة حرب فيتنام وحركة الحقوق المدنية ضد العنصرية في الولايات الأمريكية. وقد بدأت جامعة كولومبيا فعالياتها التضامنية مع الشعب الفلسطيني بإقامة مخيم في أبريل 2024 تحت حركة "كولومبيا يونيفرستي أبارتايددايفست" (CUAD). وهي البداية التي أدت إلى موجةٍ من الاحتجاجات في جميع أنحاء أمريكا. وقد شكلّت حملة الاعتقالات الجماعية للطلاب في هذه الجامعة، نقطة تحوّل وإدانة محلية ودولية. وذلك بعد استخدام القوة من قبل قوات الشغب ضد الطلاب المحتجين، وأدى ذلك إلى حشد أوسع ودعم أكبر للحركة الاحتجاجية. لقد ساهم طلاب الجامعات المرموقة، الذين "لا ينتمون فقط إلى عائلات من الطبقة العاملة، بل في الواقع، أغلبيتهم ينتمون إلى الطبقة الغنية والمتميزة" في جلب اهتمام إعلامي كبير ورأس مال سياسي للقضية. حيث انتشرت الاحتجاجات بسرعة في جميع أنحاء الجامعات الأمريكية، بما في ذلك الجامعات التالية: كاليفورنيا، لوس أنجلوس، ييل، جنوب كاليفورنيا. والعديد من الجامعات الحكومية الأخرى. وقد أدى رد الفعل الإداري على الاحتجاجات الطلابية، بما في ذلك استخدام القوة الشرطية، ومراقبة النشطاء، والإجراءات التأديبية إلى إدانة منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش هذه الأفعال. وأدى استخدام القوة ضد المتظاهرين السلميين، الذين كانوا "يتضورون جوعًا وعطشًا ليشعروا بما يعانيه شعب غزة" إلى خلق تعاطف ودعم للحركة الاحتجاجية. إن قمع النشاط الطلابي، زاد من الالتزام بالقضية. بعد أن وَلَّدَ صدمة نفسية واجتماعية وجيوسياسية عميقة ذات عواقب عالمية بعيدة المدى. وقد كثفت الآثار الثانوية وغير المباشرة للصراع حركات التضامن، لا سيما بين الأجيال الجديدة التي تعيش الصدمة بشكل غير مباشر من خلال وسائل الإعلام الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي. وعالمياً، امتدت الحركة الاحتجاجية إلى المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وأستراليا واليابان. وبالطبع في دول أخرى في أمريكا الجنوبية وآسيا وأفريقيا. وقد كشف هذا الانتشار العالمي مدى قوة الإعلام البديل عن الإعلام السائد، حيث انتشرت المعلومات والتكتيكات من خلال الشبكات العابرة للحدود. وقد تمحورت مطالب الحركة الطلابية الأمريكية والأوروبية حول سحب الاستثمارات من الشركات التي تتعامل تجارياً مع إسرائيل وتدعم الحرب على غزة. ودعوة طلاب الجامعات إلى قطع علاقاتها مع مصنعي الأسلحة مثل "إلبيت سيستمز، ولوكهيد مارتن، ورايثيون". وقد أثبت التركيز على المصادر المالية - أوقاف الجامعات- التي تمثل نفوذاً مالياً كبيراً، أنه نهج استراتيجي للتغيير السياسي.
سادساً: مشاركة الطلاب اليهود:
كان أحد الأبعاد المهمة للحركة الطلابية في الجامعات الأمريكية، هو مشاركة الطلاب اليهود. حيث تصاعد المشاعر المعادية للصهيونية بين جيل الألفية اليهودي وجيل Z، مدفوعةً بتعاليم يهودية عن العدالة (تزداكا) وإصلاح العالم (تيكون أولام). وقد لعبت منظمات مثل "الصوت اليهودي من أجل السلام" دورًا محوريًا في حشد الدعم اليهود يللحقوق الفلسطينية. تمثل مشاركة الطلاب اليهود في الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين
تحديًا كبيرًا للرواية القائلة بأن معارضة السياسات الإسرائيلية معادية للسامية. ويعكس هذا التحول الاستقطاب الأوسع وانعدام الثقة بالمؤسسات الرسمية والإعلام الموجه. كل ذلك، أظهرت حركات التضامن بين الأجيال الجديدة، بما في ذلك الشباب اليهودي، وكيف تحوّلت الصدمة غير المباشرة إلى حراك سياسي. وهذا ما حَفَّزَ الطلاب اليهود بإعلان مواقفهم بشأن
انتهاكات حقوق الإنسان، والأزمة الإنسانية في غزة، وإيمانهم بأن الوضع الراهن الدموي يجب أن لا يكون قابل للاستمرار. وقد كانت لمشاركتهم هذه بمثابة محطة حاسمة في مواجهة اتهامات معاداة السامية وإضفاء الشرعية على الحركة. وقد تكون هذه الاحتجاجات الطلابية تمثل أكثر من مجرد احتجاج مؤقت، ولعلها تكون بمثابة إعادة لهياكل القوة العالمية في قادم السنوات، حيث تُعد حرب غزة بمثابة عرض ومحفز لهذا التحول التاريخي. وذلك، إذا ربطنا هذا السياق الأمريكي الداخلي بالسياق الدولي والتضامن العالمي، حيث لا يمكن فهم التحول الانتخابي لعام 2026 في الولايات المتحدة بمعزل عن الديناميكيات الدولية الأوسع. فالحرب على غزة قد سرّعت في كشف وفضح الازدواجية التي تمارسها الدول الغربية في مجال حقوق الإنسان والحوكمة العالمية. بينما عززت في الوقت نفسه دور الشعوب في دول الجنوب العالمي. وقد أثر هذا التحول العالمي على السياسة الأمريكية من خلال خلق ضغط دولي على السياسة الأمريكية، وإثبات أن الأطر الجيوسياسية البديلة قابلة للتطبيق. وقد خلقت حركة التضامن العالمية مع فلسطين التي انبثقت من احتجاجات الطلاب عام 2024، قاعدة شعبية عابرة للحدود تضغط على الحكومات في جميع أنحاء العالم لإعادة تقييم علاقاتها مع الكيان الصهيوني. وعلى صعيد الولايات المتحدة، فقد وَفَّرَ هذا التضامن الدولي غطاءً سياسياً للناشطين المحليين الذين يمكنهم الاستشهاد بالحركات العالمية كدليل على أن مواقفهم تُعتبر من التيار السائد وليست هامشية. لذا، يمكن فهم انتصارات انتخابات عام 2026م كجزء من تحول عالمي أوسع، حيث يُواجه التحالف التقليدي للقوى الغربية مع "إسرائيل" تحديًا من قِبل قوى صاعدة وحركات اجتماعية تُؤطّر النضال الفلسطيني ضمن إطار مناهض للاستعمار وحقوق الإنسان.
سابعاً: انعكاسات التيار الاشتراكي في الحزب الديمقراطي على الحزب الجمهوري:
- نتائج الانتخابات التمهيدية صدمة في الحزب الديمقراطي. كاشفةً عن انقسامات داخلية عميقة. وبروز الصراع الداخلي في الحزب والذي تفاقم بفعل الآثار الجانبية للحرب على غزة. حيث كشف الاستقطاب وانعدام الثقة المؤسسية، مما خلق بيئة تواجه فيها المؤسسات القائمة - بما في ذلك الأحزاب السياسية - تحديات غير مسبوقة لسلطتها. ولذا، انقسم الحزب الديمقراطي بين فصيل يتمسك بالمواقف التقليدية المؤيدة لإسرائيل، وفصيل صاعد يتحدى هذه المواقف استنادًا إلى أطر معرفية بديلة. ولا يقتصر هذا الصراع على السياسة فحسب، بل يتعلق بمن يملك سلطة تحديد الولايات التي من الممكن المنافسة فيها، وسلطة الدعم المالي والإعلامي. وقد سارع الجمهوريون إلى استغلال هذه التطورات، على أمل تسييس القضية وتصوير الحزب الديمقراطي بأكمله على أنه خاضع لسيطرة أقصى اليسار فيه، "المعادي لإسرائيل". ويرى الحزب الجمهوري نتائج الانتخابات التمهيدية فرصةً "مُغلّفة" لاستخدام "العاطفة والمشاعر" لتصوير الديمقراطيين على أنهم متطرفون، وقد وصفهم ترامب بالجهاديين!.وهذا، في تصورهم، ما يخلق ضعفًا سياسيًا يستعد الجمهوريون لاستغلاله في انتخابات التجديد النصفي القادمة. مع ذلك، فإن التقارير والأوراق العلمية ترى بأن طبيعة ومصادر هذه الهجمات قد تُعزز جاذبية هذا التيار الاشتراكي أكثر من أن تضعفه. وتعكس قدرة هذا التيار على امتصاص هذه الضربات واستيعاب الاضطرابات والازدهار في ظلها. بل أنها قد تخلق التحول الأوسع في السياسة الأمريكية وتُقلب التصنيفات السياسية التقليدية رأسًا على عقب بفعل التغيرات الجيلية والأيديولوجية في الساحة الأمريكية.
هل التاريخ يعيد نفسه؟:
- شاهدنا من الاستعراض أعلاه، عن مدى تأثير "رفرفة جناحي الطوفان" الذي بدأ بعد العملية البطولية في السابع من أكتوبر عام 2023م، لتمتد موجاتها إلى القلعة الحصينة للصهيونية في القارة الأمريكية البعيدة عن فلسطين بأكثر من 10 آلاف كيلو متر. فهل تواصل هذه الموجات زخمها، وتعيد "الوعي الجمعي" الأمريكي بضرورة تراجع النفوذ الصهيوني في صناعة القرارات الأمريكية. تماماً كما حدث مع اللوبي الألماني الأمريكي. فلقد كانت الجالية الألمانية في الولايات المتحدة ضخمة بين عامي 1820 وبداية الحرب العالمية الأولى، حيث هاجر حوالي 6 ملايين ألماني إلى أمريكا. هذا الحجم الهائل تحول إلى قوة سياسية منظمة عبر "التحالف الوطني الألماني الأمريكي" (The National German-American Alliance)، الذي تأسس عام 1901. حيث بلغ عدد أعضائه النشطين حوالي 3 ملايين، مع ملايين آخرين من المتعاطفين. وقد وظف هذا التحالف قوته الهائلة للضغط من أجل حياد الحكومة الامريكية في الحرب العالمية الأولى، و"اللعب النظيف" مع ألمانيا. حيث كانت هناك مصالح مشتركة بين هذا اللوبي من الأمريكان ذوي الأصول الألمانية والحكومة القيصرية والبرجوازية الصاعدة في ألمانيا. وقد وصفت وثائق استخباراتية لاحقة هذا التحالف بأنه "آلة الضغط السياسي الأقوى التي شهدتها الولايات المتحدة على الإطلاق". ولكن مع تصاعد المشاعر المعادية لألمانيا، وخاصة بعد غرق سفينة "لوسيتينيا" من قبل القوات الألمانية، تحول الرأي العام الأمريكي من التعاطف إلى اعتبار هذا اللوبي ضد مصالح وأمن وسيادة الولايات المتحدة. وبالتالي خضع هذا اللوبي لتحقيق من قبل لجنة فرعية لمجلس الشيوخ التي كشفت أنه كان يتلقى أوامر مباشرة من برلين. وتم اتهامه بالخيانة وحُلَّ بقرار من الكونغرس في يوليو 1918. بمعنى، أن هذا اللوبي الألماني الأمريكي كان بمثابة قوة ضغط هائلة، لكنها لم تدم طويلاً؛ فمع دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، تحولت قوتهم إلى نقطة ضعف، مما أدى إلى انتهاء نفوذهم السياسي المنظم في تلك الحقبة.
فهل التاريخ يكرر نفسه هذه المرة مع اللوبي الصهيوني الأمريكي (أيباك)، الذي بدأت نواتها تحت مسمى "اللجنة الصهيونية الأمريكية للشؤون العامة" (AZCPA). وكانت خليفةً لـ"المجلس الصهيوني الأمريكي" (AZC) الذي كان يضغط للحصول على المساعدات الفيدرالية الأمريكية للكيان الصهيوني منذ عام 1949م. وبعد اقتراف القوات الصهيونية بقيادة أرييل شارون، مذبحة قرية قبية في الضفة الغربية يومي 14 و15 أكتوبر عام 1953، والتي قُتل فيها 74 مدنيًا فلسطينيًا، أغلبهم من النساء والأطفال، وتدمير 45 منزلًا ومدرسة ومسجدًا، أدان مجلس الأمن الدولي المذبحة بالقرار رقم 101، الذي دعمته وصوّتت معه الولايات المتحدة. ثم قامت وزارة الخارجية الأمريكية بتعليق تقديم المساعدات لإسرائيل. وقد أشار الباحث المنشاوي في مقاله، بأن ذلك الحدث دفع الصحفي اليهودي الأمريكي إشعياء كينين إلى تأسيس "اللجنة الصهيونية الأمريكية للشئون العامة" التي تغير اسمها إلى (إيباك) عام 1954، وذلك بهدف منع أي إدانات أمريكية مستقبلية في مجلس الأمن لأي شيء تقوم به إسرائيل، ولمنع اتخاذ أي قرارات بشأن وقف المساعدات لإسرائيل، ولدعم علاقات «التحالف الاستراتيجي بين الدولة الإسرائيلية والولايات المتحدة». وسهّل من مهمة «آيباك» الادعاء بأن «إسرائيل هي الديموقراطية» الوحيدة في الشرق الأوسط، وأن ما يجمع الدولتين هو «إرث قيمي وأخلاقي بالأساس»، وأن «إسرائيل هي الحليف» لواشنطن ضد المد الشيوعي السوفياتي، في وقت مالت فيه الجمهوريات العربية تجاه موسكو. بيد أن الدافع الرئيسي لتأسيس لجنة (أيباك) كان بهدف تنفيذ تغطية إعلامية "مخادعة" ضد الموجة الإعلامية الشعبية التي تعرضت لها "إسرائيل" عالمياً، بسبب المجزرة التي نفذتها القوات الصهيونية في تلك القرية الفلسطينية. وها هي الصهيونية تكرر مجازرها ليست في قرية صغيرة، بل في عموم فلسطين. وها هي الموجة الإعلامية والشعبية التضامنية مع حقوق الشعب الفلسطيني، بسبب "رفرفة جناحي الطوفان" قد وصلت إلى عقر دار (إيباك) في الانتخابات الأمريكية التمهيدية، حيث تمكن التيار الاشتراكي في الحزب الديمقراطي التحرر من النفوذ المالي والإعلامي لهذا اللوبي الصهيوني الأمريكي، فهل سيبدأ التحرر السياسي من هذا اللوبي؟، ويكرر التاريخ الأمريكي معه كما حدث مع اللوبي الألماني الأمريكي؟.
الخلاصة:
أقول، لعل ما حدث بعد السابع من أكتوبر، وما يحدث من موجات بعد هذا الطوفان، هو قمة رأس جبل الجليد، أو سقوط القطع الأولى من حبات الدومينو. إن أَثر رفرفة الطوفان في التحول الجاري بتغيير النموذج الصهيوني السائد، سيؤدي إلى ضرورة إحلال نموذج فلسطيني، وتاريخ فلسطيني، وحقيقة فلسطينية، بديلةً عما تم إقحامه، والتلاعب بعقول الشعوب الغربية، وغسيل أدمغتهم ووجدانهم، وبالتالي في إنحراف بوصلة مواقفهم.
هذا هو الأثر الذي لن يزول، والأثر الذي لا يُرى لغاية الآن، والذي تنبأ به محمود درويش منذ عقود من السنين.، ولكن كل هذا لن يبقى، ولعله يزول، إذا لم تلتقط حركة المقاومة الفلسطينية وحلفائها في العالم هذه "الفرصة التاريخية" لتحويلها إلى حقيقة "مؤسسية"، سياسية واقتصادية ومالية وإعلامية و"لوبيات" فلسطينية أوروبية وأمريكية. فلقد مرت المقاومة الفلسطينية بنفس هذا الزخم التعاطفي والتضامني الغربي في محطتين كبيرتين: الأولى إبان الغزو الصهيوني للبنان، الذي أدى إلى "هجرة" المقاومة ولجوئها للشتات، والمحطة الثانية فترة الانتفاضة الأولى السلمية للشعب الفلسطيني، والتي كانت سلاحها الحجارة. ولكن بعد كلتا المحطتين بفترة قصيرة، تمكنت اللوبيات الصهيوأمريكية، والصهيوأوروبية من "غسيل الأدمغة" و"التلاعب بالعقول" من جديد!. ولذا، فأمام قوى المقاومة والتحرر، فرصة تاريخية لتحويل هذا التراكمات الكمية إلى قفزة نوعية، لتصبح تأثيرات "الرفرفة" موجات "زلزال" تعيد أحداث التاريخ إلى ما قبل وعد بلفور وسايكس بيكو!

