الانتخابات ليست مسألة خلافية، فهي حق ديمقراطي ووسيلة طبيعية لتجديد الشرعيات، وإعادة بناء المؤسسات، وتمكين الشعب من اختيار من يمثله ومن يدير شؤونه.
لكن الإيمان بالانتخابات لا يعني اختزالها في صندوق اقتراع، أو الاعتقاد بأن إصدار مرسوم رئاسي بالدعوة إليها وحده كفيل بجعلها ديمقراطية وحرة ونزيهة. فليس كل انتخابات قادرة بالضرورة على إنتاج الشرعية التي نحتاجها.
نحن نعيش واحدة من أصعب المراحل في تاريخ القضية الفلسطينية. غزة ما زالت في قلب كارثة إنسانية وحرب مدمرة، والضفة الغربية تواجه مخاطر التهجير والاستيطان والتوسع والضم الزاحف، فيما يعيش الشعب الفلسطيني حالة غير مسبوقة من الإنهاك والفقدان والنزوح، ولا تزال المواجهة مع العدو مفتوحة بأشكال مختلفة.
في مثل هذا الظرف يصبح السؤال مشروعا: هل نملك فعلاً الشروط التي تجعل الانتخابات مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس صحيحة، أم أننا نحاول إجراء انتخابات داخل واقع سياسي وجغرافي وأمني لم يستقر بعد، لا بهدف إعادة بناء النظام السياسي وتصحيح مساره، بل تحت ضغط الحاجة إلى تجديد شرعية السلطة، أو استجابةً لرغبات وضغوط أطراف دولية تبحث عن عنوان فلسطيني منتخب يمكن التعامل معه، ولو كان ذلك على حساب الأسس الديمقراطية والوطنية التي يفترض أن تقوم عليها الانتخابات؟
لست ضد الانتخابات ... ولكن
من الخطأ أن يُفهم الحديث عن شروط أفضل للانتخابات باعتباره رفضا للديمقراطية أو خوفا من إرادة الشعب. على العكس، نحن نريد انتخابات حقيقية تمنح المواطن حقه في اختيار ممثليه ومحاسبتهم. لكن الانتخابات لا تصبح ديمقراطية بمجرد صدور المرسوم الرئاسي.
الديمقراطية تحتاج أولا إلى توافق وطني على قواعد العملية الانتخابية وضماناتها الأساسية، بحيث تقبل القوى السياسية المتنافسة بالاحتكام إلى صندوق الاقتراع، وتضمن نزاهة العملية وحياد مؤسساتها، وتحترم نتائجها. كما تحتاج إلى تكافؤ معقول في الفرص، وحرية في الدعاية والتعبير، وضمانات قانونية، وقدرة متقاربة على الوصول إلى الناخبين، ومشاركة سياسية حقيقية، وعدم إقصاء القوى السياسية من المنافسة بسبب مواقفها أو برامجها.
ولهذا فإن السؤال ليس: هل نحن مع الانتخابات أم ضدها؟ بل السؤال الأهم: أي انتخابات نريد؟ ولمن؟ وبأي شروط؟
عندما يصبح القانون جزءا من السؤال السياسي حينها تحتاج الانتخابات إلى قانون واضح وعادل قبل الصندوق . والقانون الانتخابي ليس مجرد مجموعة من الإجراءات التقنية لتنظيم يوم الاقتراع، وإنما هو الإطار الذي يحدد من يشارك، وكيف يشارك، وما حدود المنافسة، وما الفرص المتاحة أمام القوائم والمرشحين.
لقد شهد قانون الانتخابات العامة خلال الأشهر الماضية تعديلات متلاحقة. وكان القرار بقانون رقم (10) لسنة 2026 قد رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو، وخفض سن الترشح إلى 23 عامًا، وخفض نسبة الحسم إلى 1%، وعزز تمثيل المرأة. لكن هذا القرار لم يعد هو القانون النافذ؛ إذ أُلغي صراحة بموجب القرار بقانون رقم (17) لسنة 2026، الذي أعاد عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 132 عضوًا، مع الإبقاء على عدد من التعديلات، وفي مقدمتها سن الترشح البالغ 23 عامًا، ونسبة الحسم البالغة 1%، وتعزيز تمثيل المرأة. كما أبقى التعديل على الشروط المتعلقة بالتزام المرشح والقائمة بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، وببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
بعض هذه التعديلات يمكن النظر إليه بإيجابية واضحة. فخفض سن الترشح يفتح الباب أمام جيل الشباب للمشاركة في صناعة القرار، وتعزيز تمثيل المرأة خطوة مهمة نحو مشاركة سياسية أكثر عدالة، فيما يمكن أن تمنح نسبة الحسم المنخفضة القوائم الصغيرة والمستقلين فرصة أفضل للوصول إلى المجلس التشريعي.
لكن القانون لا يُقاس فقط بما يفتح من أبواب، وإنما أيضا بما قد يغلق من أبواب أخرى. وهنا تبرز قضية تستحق نقاشا وطنيا: الشروط السياسية المفروضة على المرشحين.
فإذا كانت الانتخابات ساحة للتنافس بين البرامج السياسية والرؤى، فهل ينبغي أن يكون الاتفاق المسبق مع برنامج سياسي محدد شرطا لدخول المنافسة الانتخابية؟ المسألة هنا ليست في مكانة منظمة التحرير الفلسطينية أو دورها الوطني الذي لا خلاف عليه، وإنما في مبدأ التعددية السياسية.
قد يقول البعض إن هذه الشروط ضرورية لحماية المشروع الوطني، وقد يرى آخرون أنها يمكن أن تتحول إلى أداة لإقصاء قوى سياسية لا تتبنى البرنامج نفسه.
فالديمقراطية لا تعني فقط أن نسمح للناس باختيار من نريدهم أن يختاروا، وإنما أن نترك لهم مساحة حقيقية للاختيار بين البدائل السياسية المختلفة.
غزة و القدس والشتات... من يشارك في الانتخابات؟
هذا سؤال آخر لا يقل أهمية، كيف نتحدث عن انتخابات وطنية شاملة بينما يعيش الفلسطينيون في واقع جغرافي وسياسي بالغ التعقيد، وتواجه القدس قيود الاحتلال، وتعيش غزة واقعا استثنائيا، فيما يبقى ملايين الفلسطينيين في الشتات خارج صيغة المشاركة في الانتخابات العامة؟
إن الحديث عن تمكين المواطنين في غزة والقدس من ممارسة حقهم الانتخابي يحتاج إلى ترتيبات عملية حقيقية، لا إلى نصوص قانونية فقط.
والأمر نفسه ينطبق على الفلسطينيين في الخارج. ف فلسطين ليست الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، والفلسطينيون في الشتات ليسوا مجرد أرقام في السجل الوطني. وإذا أردنا انتخابات تعيد بناء الشرعية الوطنية، فعلينا أن نبحث عن صيغة تجعل الفلسطيني، أينما كان، يشعر بأن صوته جزء من القرار الوطني، وأن حقه السياسي لا يتوقف عند حدود الجغرافيا التي فرضها الاحتلال والانقسام.
الانتخابات ليست سباقا بين ماكينات انتخابية
المشكلة لا تتوقف عند القانون. هناك أيضا البيئة السياسية والاجتماعية التي ستجري فيها الانتخابات. في مجتمع أنهكته الحرب والانقسام والفقر والنزوح، لا يمكن افتراض أن جميع القوى السياسية ستدخل الانتخابات بالقدرات نفسها. هناك قوى تملك المال والتنظيم، وأخرى تستخدم الدين أو تستند الى العشيرة أو العصبية العشائرية، فيما توجد قوى لا تملك إلا برنامجها وأفكارها. وهنا يصبح السؤال: هل يستطيع صاحب الفكرة الجيدة أن ينافس صاحب المال والتنظيم والنفوذ؟
الانتخابات الحرة لا تعني فقط أن يسمح القانون للجميع بالترشح، وإنما أن تتوافر درجة معقولة من تكافؤ الفرص. وإلا فإننا قد نجد أنفسنا أمام انتخابات يتنافس فيها من يملك الأدوات أكثر مما تتنافس فيها البرامج الأفضل.
هل هذا وقت المحاسبة؟ المراجعة ضرورية، والمحاسبة السياسية لا يمكن أن تسقط. لكن الأولوية اليوم يجب أن تكون واضحة:
كيف نخرج من الكارثة؟ كيف نخفف معاناة الناس؟ كيف نحمي المجتمع الفلسطيني؟ كيف نحافظ على القضية الوطنية؟ وكيف نمنع الاحتلال من تحويل الحرب إلى فرصة لتصفية القضية؟ ليس مطلوبا أن نخوض جميع المعارك في الوقت نفسه.
المراجعة والمحاسبة قادمتان لا محالة، لكن إدارة المرحلة الراهنة تحتاج إلى ترتيب الأولويات، لا إلى فتح جبهات داخلية جديدة تستنزف ما تبقى من طاقة المجتمع والقوى السياسية.
اليسار وأزمة الأدوات
وهنا يصل النقاش إلى اليسار الفلسطيني، فاليسار لديه أزمة حقيقية، بعضها داخلي وبعضها يتعلق بشح الإمكانات وضعف القدرة على الوصول إلى قطاعات واسعة من المجتمع.
لقد قدم اليسار، ولا يزال يقدم، خطابا سياسيا وفكريا مهما، لكن علينا أن نعترف بأن جزءا كبيرا من هذا الخطاب يصل إلى النخبة أكثر مما يصل إلى الناس. وهذه مشكلة لا يجوز تجاهلها. فالسياسة من دون أدوات معرفية عميقة تتحول إلى ارتجال وضربة حظ.
يمكن أن تمتلك أفضل الدراسات والبرامج والأفكار، ثم تفشل في الوصول إلى المواطن الذي يبحث عن الماء والغذاء، أو يعيش تحت الخيمة، أو فقد بيته وأحد أفراد أسرته.
الناس لم تعد بحاجة إلى خطابات سياسية منفصلة عن الواقع، ولا إلى وعود انتخابية تُنسى بعد إغلاق صناديق الاقتراع. إنها تحتاج إلى خطاب صادق وواضح، يخرج من واقعها ويدخل إلى حياتها مباشرة؛ خطاب يتحدث عن كرامتها التي أُهدرت، وأمنها الذي اهتز، وحقها في حياة آمنة، ومستقبل أبنائها، وفرصة العمل، والتعليم، والعدالة، والخدمات الأساسية. خطاب لا يبيعها الأوهام ولا يطلب منها أن تصدّق وعودًا جديدة، بل يضع أمامها حلولًا قابلة للتنفيذ، ويقول لها بوضوح: ماذا سنفعل، وكيف سنفعله، ومن سيحاسب إذا فشلنا.
إذا قررت الجبهة الشعبية وقوى اليسار خوض الانتخابات، فلا ينبغي أن تتحول حملتها فقط إلى معركة ضد حماس أو فتح أو أي فصيل آخر.
اليسار بحاجة إلى أن يقدم بديلا حقيقيا. برنامجا انتخابيا واضحا ومحترما، ورؤية إنقاذية تجيب عن الأسئلة التي يعيشها المواطن الفلسطيني كل يوم:
كيف نعيد بناء غزة؟ كيف نحمي الضفة؟ كيف ننهي الانقسام؟ كيف نعيد بناء المؤسسات؟ كيف نحمي الحريات؟ كيف نحقق العدالة الاجتماعية؟
كيف نوفر للناس احتياجاتهم ونحفظ لهم كرامتهم؟ كيف نواجه الاحتلال؟
وكيف نحافظ على المقاومة ضمن رؤية وطنية شاملة؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن نحملها إلى الناس. أما الدخول في سجالات لا تنتهي مع الآخرين، فلن يزيدنا إلا ضعفا.
كل الأدوات تحتاج إلى إمكانات، هناك حقيقة أخرى يجب الاعتراف بها: كل الأدوات السياسية والإعلامية والتنظيمية تحتاج إلى إمكانات تمكنها من العمل. وحال كثير من القوى اليسارية لديه الأفكار، والكفاءات، والتاريخ، والتجربة، لكن الإمكانات محدودة. ولا يمكن بناء قوة سياسية مؤثرة بالأفكار وحدها.
يحتاج اليسار إلى إعلام يصل إلى الناس، وتنظيم قادر على الحركة، وكوادر مؤهلة، وأدوات حديثة للتواصل، وقدرة حقيقية على إدارة حملة انتخابية. وإلا سيبقى يتحدث مع نفسه دون أن يسمعه أحد.
نريد انتخابات تعيد بناء الشرعية، من غير المعقول أن تتحول الانتخابات إلى غطاء لواقع غير ديمقراطي، أو إلى وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام، أو إلى معركة لإقصاء الخصوم، أو إلى عملية شكلية تسبقها التعيينات وتفرضها موازين القوة.
نحن نريد انتخابات تعيد بناء الشرعية، لا انتخابات تعيد إنتاج الأزمة.
وحماس والجهاد ليس كل فلسطين، وفتح ليست كل فلسطين، والجبهة الشعبية واليسار ليس كل فلسطين، ولا يستطيع أي فصيل أن يختصر الشعب والقضية في رؤيته.
الخلاف السياسي طبيعي، والاختلاف في البرامج طبيعي، والتنافس الانتخابي طبيعي لكن تحويل الخلاف إلى إلغاء وإقصاء هو الذي يهدد مستقبلنا. نحن بحاجة إلى جمع القوى الوطنية حول برنامج إنقاذي، لا إلى فتح جبهات داخلية جديدة. المعركة الأساسية الآن هي حماية الشعب والقضية. أما المراجعة والمحاسبة وإعادة بناء النظام السياسي، فهي معارك لا بد من خوضها، ولكن في إطار سياسي وطني يسمح بالنقاش الحقيقي ويؤسس لمرحلة جديدة.
فالانتخابات أداة وليست غاية، علينا ألا ننسى أن الانتخابات أداة وليست غاية. لأن الغاية هي فلسطين. الغاية هي بناء نظام سياسي يمثل الشعب ويحمي حقوقه. الغاية هي استعادة الوحدة الوطنية. الغاية هي إنتاج قيادة قادرة على مواجهة الاحتلال وحماية المجتمع. والغاية، قبل كل شيء، أن يشعر المواطن بأن صوته قادر على التأثير في حياته ومستقبل أبنائه.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نريد انتخابات؟ نعم، نريدها. لكن السؤال هو: هل نريد انتخابات تعيد إنتاج واقعنا، أم انتخابات تفتح الطريق للخروج منه؟
لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا. ولا يجوز أن تكون الانتخابات مناسبة جديدة لإعادة توزيع مواقع القوى بينما يبقى الشعب خارج معادلة القرار.

