Menu

بالصورمن الحرفة إلى الضرورة.. شحّ الأدوات يعيد إحياء الفخار في غزة لسدّ احتياجات الأسر

أحمد زقوت

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

تحولت صناعة الفخار في قطاع غزة، تحت وطأة الحرب والحصار وشح السلع، من حرفة تراثية تستحضر ذاكرة الأجداد إلى وسيلة لتأمين احتياجات يومية أساسية، بعدما وجد الغزيون في الطين بديلًا محليًّا للأطباق والأكواب والأباريق وأواني الطعام والتخزين.

وفي ورش متضررة من عدوان الاحتلال "الإسرائيلي"، تعود الأيدي إلى دولاب الفخار لتشكيل قطع لم تعد اليوم مجرد منتجات تراثية، بل أدوات يحتاجها السكان في حياتهم اليومية، فيما يواصل حرفيون في مدينة غزة إنتاج الأواني الفخارية رغم الدمار ونقص الموارد وانقطاع الكهرباء.

وقبل الحرب، كانت هذه الصناعة تتراجع تدريجيًّا أمام انتشار الأدوات المصنوعة من الألمنيوم والزجاج والبلاستيك والخزف، وانحسرت في عدد محدود من الورش والعائلات التي توارثت المهنة؛ إذ أدى تدمير الورش والمصانع، وتعطل التجارة، وشح دخول السلع والمواد، إلى إحداث نقص حاد في الأدوات المنزلية، ودفع السكان إلى البحث عن بدائل محلية، لتستعيد صناعةُ الفخار حضورَها من بوابة الحاجة لا التراث.

060826_Gaza_BO_00(40).jpg

إعادة إنتاج الحرفة من مكان النزوح

في ورشة صغيرة وسط قطاع غزة، يستقبل الداخلَ صوتُ ماكينة الفخار قبل أن تقع عيناه على تفاصيل المكان؛ إذ رائحة الطين تملأ الأجواء، وعلى الرفوف تصطفّ الأباريق والصحون والجِرار وأوعية الطبخ، فيما يتجاور معها طوب طيني يتصاعد تدريجيًّا ليشكّل غرفة صغيرة.

يحاول الحرفي بهجت عطاالله بالطين إعادة بناء شيء مما هدمته الحرب، بعدما فقد منزله ومصنع الفخار الذي ورثته عائلته في حي الدرج بمدينة غزة، وظل قائمًا لنحو قرن، حيث حمل مهنة أجداده إلى مكان نزوحه وسط القطاع، وبدأ من الصفر.

يقول عطاالله لـ "بوابة الهدف": "فقدنا المصنع والبيت والآلات والقوالب والأفران والمخزون، وبدأنا من الصفر في مكان النزوح"، مضيفًا أنّه في المصنع القديم، تعلّم وهو في السابعة كيف يروّض الطين بيديه، ضمن مهنة توارثتها عائلته على مدار نحو 100 عام، ومع تهدّم البيت والمصنع، فقدَ في لحظة واحدة مكان عمله وذاكرة عائلته المهنية.

مع تغير احتياجات الناس خلال الحرب، اتسعت استخدامات الفخار الذي يصنعه عطاالله؛ ليشمل أوعية الطبخ وحفظ المياه، وصولًا إلى الطوب الطيني المستخدم في بناء غرف ومساكن للنازحين.

060826_Gaza_BO_00(51).jpg

ارتفاع التكاليف يهدد بقاء المهنة

في ظل شح الأدوات المنزلية وارتفاع أسعارها، تحوّلت منتجات عطاالله إلى بديل محلي لما غاب عن الأسواق، لكن إنتاجها يواجه كلفة متصاعدة تفرضها أزمة الكهرباء وصعوبة تأمين المواد الخام ونقلها.

ويبيّن بهجت أن كلفة الفخار ترتفع منذ الحصول على مادته الخام؛ إذ كانت حمولة شاحنة الطين التي تتسع لنحو 12 ألف كيلوغرام، تكلف قرابة 300 شيكل قبل الحرب، فيما اقترب سعرها اليوم من 4 آلاف شيكل، بفعل ارتفاع كلفة النقل والوقود وصعوبة الوصول إلى مناطق استخراج الطين.

ولا تتوقف الخسائر عند المواد الخام؛ فقد دُمّر مصنع العائلة بالكامل، فيما أدت أزمة الكهرباء وارتفاع كلفة تشغيل المعدات إلى تراجع الطاقة الإنتاجية في ورشته الجديدة إلى نحو 30% من مستواها السابق.

ورغم هذه القيود، يواصل عطاالله العمل، بعدما خرج الفخار من حدود الموروث الشعبي إلى دائرة الاحتياج اليومي؛ من أواني الطعام وحفظ المياه إلى الطوب الطيني المستخدم في بناء غرف للنازحين.

060826_Gaza_BO_00(32).jpg

منزل من الطين يوفر الخصوصية

ويتجاوز استخدام الطين صناعة الأواني؛ إذ يعمل الحرفي على بناء منزل كامل من التبن والطين، مستفيدًا من المادة التي رافقته منذ طفولته، ومحاولًا تحويلها من حرفة ورثها عن أجداده إلى وسيلة لاستعادة مساحة للحياة وسط النزوح.

يشرح بهجت لـ "بوابة الهدف" طريقة بناء الغرفة، التي تبلغ مساحتها 4 أمتار طولًا و4 أمتار عرضًا، فيثبت قطعة حديد في مركز الغرفة، ويمد منها حبلًا يرسم به دائرة تحدد حدود البناء؛ إذ تبدأ العملية بتجهيز الطين وغمره بالماء حتى يلين، ثم تُعجن مع التبن لمنحها التماسك ومقاومة التشقق، بعدها توضع الخلطة في قوالب خشبية لتشكيل الطوب، وتُترك في الهواء الطلق تحت التغطية نحو 4 إلى 5 أيام حتى تجف وتتصلب.

وبعد تجهيز الطوب، يحفر عطاالله أساسًا بعرض طوبتين حول محيط الغرفة، ويملؤه بالطين لحماية الجدران من مياه الشتاء، ثم يبدأ برص الطوب طبقة فوق أخرى وفق الدائرة التي رسمها في البداية.

حتى التفاصيل الصغيرة يجد لها حلولًا مما هو متاح؛ فعند تشكيل قوس النافذة، يضع إطارًا لسيارة قديمة داخل الفتحة، ثم يبني حوله بالطين والطوب حتى يأخذ القوس شكله النهائي.

تحتاج الغرفة إلى نحو 10 أيام من العمل المتواصل بين تجهيز الطين وعجنه وتجفيفه وبناء الجدران. ومع ارتفاعها التدريجي إلى نحو مترين ونصف المتر، تضيق الفتحة العلوية تدريجيًّا حتى تكاد تُغلق، بحسب الحرفي.

في الداخل، تبدو الغرفة أكثر ثباتًا من الخيمة، وتوفّر عزلًا أفضل من الغبار والهواء وتقلّبات الطقس؛ إذ يؤكّد عطاالله أنّ الطين يساعد على إبقائها أكثر برودة صيفًا، ودفئًا شتاءً. والأهم أنه يمنح العائلة مساحة مغلقة وخصوصية افتقدتهما خلال سنوات النزوح.

ووفق بهجت، تتراجع قدرة الورشة على الإنتاج مع محدودية ساعات الكهرباء وتراكم الطلبات، فيما ارتفعت أسعار منتجاتها الفخارية أكثر من 50% مقارنة بما قبل الحرب، بفعل ارتفاع كلفة المواد والطاقة والنقل.

060826_Gaza_BO_00(33).jpg

3 آلاف دولار لغرفة

ورغم ذلك، بدأ النازحون يسألون عن إمكانية بناء غرف مماثلة قرب خيامهم، برغم أنّ كلفة الغرفة الواحدة تبلغ نحو 3 آلاف دولار، هو مبلغ مرتفع بالنسبة إلى عائلات أنهكتها الحرب، لكنه يظل بالنسبة إلى من عاش سنوات داخل خيمة، ثمنًا مقابل الحصول على جدار وسقف ومساحة تحفظ الخصوصية.

ومع اتساع الاهتمام، يخطط عطاالله لبناء منزل طيني كامل يضم غرفتين ومطبخًا وحمامًا، مع استكمال احتياجاته من منتجات مصنوعة من الطين، في محاولة لتحويل الحرفة التي ورثها عن أجداده إلى نموذج سكني يتلاءم مع واقع النزوح.

ويقول الحرفي لـ "الهدف": "أصبحت الغرفة الطينية حاجة للناس؛ يبحثون عن مكان مغلق بعد سنوات من العيش في الخيام، وجدار يحفظ للعائلة خصوصيتها وكرامتها"، موضحًا أنّ الفكرة تجاوزت كونها تجربة فردية، مع تزايد استفسارات النازحين عن إمكانية بناء غرف مماثلة قرب خيامهم، بحثًا عن مساحة أكثر ثباتًا وأمانًا من الشوادر، تحمي العائلات من قسوة الطقس والغبار، وتمنح أطفالهم مساحة أكثر استقرارًا للعيش.

وهكذا، ينتقل الطين في تجربة عطاالله من صناعة إناء بسيط إلى بناء مساحة للسكن، في حرفة تستعيد دورها تحت ضغط الحاجة، وتمنح النازحين ما هو أبعد من مأوى مؤقت: جدارًا يشعرون خلفه بأن لهم بيتًا من جديد.

060826_Gaza_BO_00(16).jpg

أزمة المأوى والاحتياجات المنزلية

وتأتي عودة الفخار إلى الاستخدام اليومي في وقت يعيش فيه قطاع غزة أزمة حادة في المأوى والاحتياجات المنزلية؛ إذ يحتاج نحو 1.98 مليون فلسطيني، أي 94% من سكان القطاع، إلى مساعدات في مجال المأوى والمواد المنزلية الأساسية، وفق تقرير حديث لمجموعة المأوى في غزة بقيادة المجلس النرويجي للاجئين.

ويشير التقرير إلى أنّ أكثر من أربع من كل خمس أسر تعيش ظروفًا حرجة أو كارثية، فيما لا تستطيع 64% من الأسر تخزين ما يكفي من الغذاء والمياه، في ظل نقص الأدوات والمواد المنزلية التي تحتاجها العائلات للطهي والغسل والتخزين.

كما يعيش نحو ثلثي الأسر في خيام أو ملاجئ مؤقتة، ما يفسر لجوء بعض الحرفيين إلى إنتاج أدوات محلية من الطين لتغطية جزء من الاحتياجات التي لم تعد الأسواق قادرةً على توفيرها.