تدخل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المرتقبة مرحلة شديدة الحساسية ليس فقط لأنها تأتي بعد عقدين تقريبًا من آخر انتخابات تشريعية، بل لأنها تجري في لحظة فلسطينية وإقليمية ودولية استثنائية.
فقد حددت القيادة الفلسطينية 28 تشرين الثاني 2026 موعدًا للانتخابات التشريعية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، فيما لم يُحسم بعد موعد الانتخابات الرئاسية، التي يُتوقع أن تكون في مرحلة لاحقة.
وبذلك، لا يمكن النظر إلى الانتخابات بوصفها استحقاقًا دستوريًا فحسب؛ فهي تقع عند تقاطع ثلاثة مستويات متداخلة: حاجة فلسطينية داخلية إلى تجديد الشرعية، وحسابات إقليمية مرتبطة بمستقبل غزة، وضغوط دولية تتعلق بمن سيمثل الفلسطينيين ومن سيكون شريكًا في أي تسوية سياسية مقبلة.
أولًا: الحاجة الفلسطينية الداخلية
ربما تكون الحاجة إلى الانتخابات اليوم أكبر من أي وقت مضى. فمنذ انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، تعطل المسار الانتخابي العام، وتعمق الانقسام بين فتح وحماس، وتآكلت شرعية المؤسسات الفلسطينية المنتخبة. وقد جرت محاولة في 2021 إعادة إطلاق المسار الانتخابي، لكن الانتخابات أُجلت قبل إجرائها. واليوم، وبعد عشرين عامًا، تعود الانتخابات التشريعية إلى الواجهة بموعد رسمي جديد.
المشكلة ليست فقط في غياب الانتخابات، وإنما في الفجوة التي نشأت بين المؤسسات السياسية والمجتمع الفلسطيني. فجيل كامل من الفلسطينيين لم يشارك في انتخابات تشريعية وطنية، بينما تغيرت الخريطة السياسية والاجتماعية جذريًا منذ 2006، ولا يعرف بعد طبيعة تلك الخريطة الجديدة.
ومن هنا، يمكن أن تكون الانتخابات فرصة لإعادة بناء الشرعية على أساس شعبي، وإعادة الاعتبار للمؤسسات، وفتح المجال أمام قوى سياسية جديدة وشخصيات مستقلة لم تكن موجودة في المشهد السابق.
لكن الانتخابات لا تكتسب قيمتها بمجرد إجرائها. فالانتخابات التي لا تشمل مختلف القوى السياسية، أو تُجرى في ظل انقسام جغرافي وسياسي عميق، قد تنتج شرعية جزئية بدلًا من أن تعالج أزمة الشرعية.
وهنا تظهر المعضلة الأكبر: هل ستكون الانتخابات أداة لإنهاء الانقسام أم مجرد انعكاس جديد له؟
ثانيًا: فتح وحماس واختبار الشرعية
سيكون موقف حركة حماس العامل الأكثر حساسية في تحديد طبيعة الانتخابات ونتائجها السياسية. فالانتخابات التشريعية السابقة أفرزت فوز حماس، ثم أدى الصراع السياسي والأمني إلى الانقسام الذي ما زال قائمًا.
لذلك، فإن إجراء انتخابات جديدة من دون تفاهم سياسي واسع بين فتح وحماس وبقية القوى قد يعيد إنتاج الأزمة نفسها، حتى لو جرت العملية الانتخابية بصورة قانونية، وعلى ما يبدو بدأت ملامح اتفاقات شملت مختلف القوى الفلسطينية باستثناء حركة فتح، التي بدأت التواصل مع بعض القوى الفلسطينية بغرض بناء إطار واسع من اجل خوض الانتخابات.
وفي المقابل، فإن مشاركة حماس في العملية السياسية تطرح سؤالًا آخر على المستوى الدولي: هل ستتعامل القوى الغربية ودولة الاحتلال مع نتائج انتخابات قد تمنح حماس أو قوى قريبة منها وزنًا سياسيًا مؤثرًا؟
هذه النقطة تحديدًا تجعل الانتخابات الفلسطينية مختلفة عن انتخابات داخلية عادية. فالنتيجة لا تحدد فقط شكل السلطة الفلسطينية، وإنما يمكن أن تؤثر في مستقبل العلاقة مع دولة الاحتلال، وفي إدارة غزة، وفي أي مسار تفاوضي مقبل.
ثالثًا: غزة باعتبارها عقدة الانتخابات
لا يمكن فصل الانتخابات عن السؤال الأكبر: من يحكم غزة؟
إجراء الانتخابات في غزة يتطلب حدًا أدنى من الاستقرار الأمني والإداري، كما يتطلب توافقًا حول المؤسسات التي ستدير القطاع، وطبيعة العلاقة بين السلطة الفلسطينية والقوى الموجودة على الأرض.
ولهذا، فإن الانتخابات يمكن أن تصبح جزءًا من إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بعد الحرب، خصوصًا إذا كان هناك اتجاه فلسطيني وإقليمي ودولي نحو إعادة توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن إطار سياسي واحد.
لكن هذا المسار يحمل تناقضًا واضحًا: الأطراف الدولية قد تريد سلطة فلسطينية أكثر توحيدًا وقابلية للتعامل معها، بينما تحتاج الشرعية الفلسطينية إلى أن تكون الانتخابات نابعة من توافق داخلي لا مجرد استجابة لشروط خارجية.
رابعًا: دولة الاحتلال والعامل الدولي
ستكون دولة الاحتلال طرفًا مؤثرًا في الانتخابات حتى لو لم تكن طرفًا فيها. فإجراء الانتخابات في القدس الشرقية، والسيطرة الإسرائيلية على الأرض، والحركة بين المناطق الفلسطينية، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في العملية الانتخابية.
وقد أعلنت لجنة الانتخابات أن الانتخابات التشريعية تشمل القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما يجعل قضية القدس واحدة من أكثر الملفات حساسية.
أما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فسيهمهما بالدرجة الأولى شكل السلطة الفلسطينية المقبلة، وقدرتها على إدارة الأراضي الفلسطينية، وموقفها من دولة الاحتلال ومن عملية السلام ومن الترتيبات الأمنية.
لكن هنا ينبغي التمييز بين دعم الانتخابات والتأثير في نتائجها. فالتدخل الخارجي، إذا تحول من دعم العملية الديمقراطية إلى محاولة هندسة مخرجاتها، يمكن أن يقوض شرعيتها منذ البداية.
خامسًا: العامل العربي والإقليمي
لا يمكن فهم الانتخابات الفلسطينية بعيدًا عن الدول العربية والإقليمية. ف مصر ترتبط مباشرة بملف غزة والمصالحة الفلسطينية، وقطر لعبت أدوارًا متعددة في الوساطة، بينما تتابع دول عربية أخرى مستقبل السلطة الفلسطينية وإعادة إعمار غزة والعلاقة مع دولة الاحتلال.
وتختلف مصالح هذه الأطراف، لكنها تلتقي في نقطة أساسية: الحاجة إلى منع تحول الأراضي الفلسطينية إلى ساحة جديدة للصراع الإقليمي.
لذلك، قد تتحول الانتخابات إلى جزء من عملية أوسع لإعادة ترتيب النظام الفلسطيني، خصوصًا إذا تزامنت مع ترتيبات لإعادة إعمار غزة، وإعادة توحيد المؤسسات، وإحياء المسار السياسي.
سادسًا: هل تستطيع الانتخابات إنتاج قيادة جديدة؟
ربما يكون السؤال الأهم فلسطينيًا هو ما إذا كانت الانتخابات ستنتج مجرد إعادة توزيع للمقاعد، أم ستفتح الطريق أمام تجديد حقيقي للقيادة السياسية.
فالمجتمع الفلسطيني يحتاج إلى أكثر من انتخابات. يحتاج إلى تجديد سياسي، وإلى مؤسسات قادرة على تمثيل الفلسطينيين في الداخل والخارج، وإلى آليات للمساءلة، وإلى انتقال من إدارة الانقسام إلى إدارة التعدد السياسي.
ولهذا، فإن انتخابات المجلس التشريعي وحدها لا تكفي. فالانتخابات الرئاسية، وإعادة بناء منظمة التحرير، وتجديد المجلس الوطني، كلها أجزاء من سؤال أكبر يتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
وقد بدأ بالفعل مسار منفصل يتعلق بانتخابات المجلس الوطني، مع مرسوم صدر في شباط/فبراير 2026، ما يعكس محاولة لإعادة ترتيب الإطار التمثيلي الفلسطيني الأوسع.
الخلاصة
الانتخابات الفلسطينية المقبلة ليست مجرد استحقاق انتخابي تأخر عشرين عامًا؛ إنها اختبار لمستقبل النظام السياسي الفلسطيني كله.
فإذا جرت في إطار شامل يضم مختلف القوى، وتحترم نتائجها، وتضمن مشاركة غزة والقدس والضفة، وترافقها عملية حقيقية لإعادة بناء المؤسسات، فقد تصبح مدخلًا لإعادة توحيد النظام السياسي واستعادة جزء كبير من الشرعية الشعبية.
أما إذا تحولت إلى انتخابات تجرى في ظل الانقسام، أو إلى أداة لإعادة إنتاج التوازنات القائمة، أو خضعت بصورة مباشرة للحسابات الإقليمية والدولية، فإنها قد تزيد أزمة الشرعية بدلًا من حلها.
المفارقة أن الأطراف الخارجية قد ترى في الانتخابات وسيلة لإنتاج شريك فلسطيني أكثر قابلية للتعامل، بينما يرى الفلسطينيون فيها حاجة وطنية لإعادة امتلاك قرارهم السياسي. وبين الرؤيتين يقع التحدي الحقيقي.
لذلك، فإن السؤال الفلسطيني الأهم ليس: من سيفوز في الانتخابات؟ بل: هل تستطيع الانتخابات أن تعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة المشاركة والوحدة والشرعية الشعبية؟
إذا تحقق ذلك، يمكن أن تصبح الانتخابات نقطة تحول. أما إذا غابت المصالحة السياسية وضمانات المشاركة، فقد تكون مجرد محطة جديدة في مسار طويل من الأزمات المؤجلة.
ونحن أمام هذا الاستحقاق ونتائجه مازلنا ننتظر.

