Menu

من الكلام إلى الاحتلال الفعلي: سموتريتش يكشف مشروع ابتلاع الضفة الغربية

عمر فارس

بوابة الهدف

لم يعد الأمر بحاجة إلى كثير من التجميل أو التحليل السياسي. بتسلئيل سموتريتش يقولها بوضوح: لم تعد إسرائيل مهتمة بالكلام، بل بتغيير الواقع وفرض السيطرة الفعلية على الضفة الغربية. وما يجري على الأرض يؤكد أن المسألة ليست تصريحات متطرفة معزولة، بل مشروع متكامل لتحويل الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم.

سموتريتش، أحد أبرز مهندسي مشروع الاستيطان والضم، يعمل منذ سنوات على نقل السيطرة على الضفة من مجرد إدارة عسكرية إلى منظومة مدنية إسرائيلية مرتبطة مباشرة بالحكومة. وقد وثقت تقارير إسرائيلية ودولية تسارع ما يسمى "الضم الفعلي" للضفة، عبر الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وشق الطرق، وتوسيع البؤر الاستيطانية، وإضعاف الوجود الفلسطيني.

قلنديا: الاحتلال عندما يتحول إلى فعل يومي

ما حدث في مركز تدريب الأونروا في مخيم قلنديا ليس حادثاً هامشياً.

في 25 أغسطس/آب 2026، اقتحمت قوات الاحتلال مركز التدريب التابع للأونروا في قلنديا، وأخرجت الموظفين ورفعت العلم الإسرائيلي داخل المنشأة، بالتزامن مع إجراءات لإخلاء مجمع الأونروا في كفر عقب، بحسب بيان صادر عن اللجنة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني.

هنا تظهر الصورة بوضوح: الاحتلال لا يريد فقط السيطرة على الأرض، بل يريد السيطرة على المؤسسات، والموارد، والتعليم، والمكان، والذاكرة، وكل تفاصيل الحياة الفلسطينية.

قلنديا ليست مجرد مبنى

إنها مخيم للاجئين الفلسطينيين، ومكان يحمل ذاكرة النكبة والتهجير، ومركز لخدمة أجيال من اللاجئين. ولذلك فإن اقتحام منشأة تابعة للأونروا ومحاولة فرض السيطرة عليها يحمل معنى سياسياً يتجاوز المبنى نفسه: محاولة ضرب إحدى المؤسسات التي ارتبط وجودها بحقوق اللاجئين الفلسطينيين وبقضية فلسطين منذ عام 1949.

الاحتلال لا يحدث فجأة

المشكلة أن العالم اعتاد التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي وكأنه مجرد وجود عسكري مؤقت، بينما يجري على الأرض شيء مختلف تماماً.

تقرير لمنظمتي Peace Now وKerem Navot أشار في يوليو 2026 إلى تسارع غير مسبوق في عملية الضم الفعلي، مع توسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية ومصادرة الأراضي وطرد المجتمعات الفلسطينية. وخلص التقرير إلى أن الحكومة الإسرائيلية دفعت عملية الضم الفعلي بوتيرة غير مسبوقة.

بل إن تقارير حديثة تشير إلى أن السيطرة الإسرائيلية تتوسع حتى داخل مناطق كانت، وفق ترتيبات أوسلو، تقع تحت إدارة فلسطينية جزئية؛ كما ارتفعت اعتداءات المستوطنين في المناطق المصنفة "أ" و"ب" بصورة كبيرة.

إذن نحن أمام استراتيجية واضحة:

مصادرة الأرض → توسيع المستوطنات → طرد الفلسطينيين → بناء البنية التحتية للمستوطنين → نقل الصلاحيات إلى مؤسسات إسرائيلية → ثم تحويل الواقع الجديد إلى أمر دائم.

وهذا بالضبط هو معنى الضم الفعلي.

لماذا يريدون الضفة؟ لأن الضفة الغربية ليست مجرد مساحة جغرافية. إنها قلب الدولة الفلسطينية المفترضة، وهي مرتبطة ب القدس الشرقية، وتشكل مع غزة وحدة الأرض الفلسطينية التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية.

ولهذا فإن السيطرة على الضفة تعني عملياً قتل إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

سموتريتش نفسه لم يخفِ هذه الرؤية. فسياساته تهدف إلى تغيير الواقع على الأرض بصورة تجعل فكرة الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة، بينما تؤكد تحليلات دولية أن الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة تنقل أجزاء متزايدة من إدارة الضفة من النظام العسكري إلى أجهزة مدنية إسرائيلية. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

فالمشروع ليس مجرد بناء مستوطنة جديدة هنا أو مصادرة قطعة أرض هناك. إنه إعادة هندسة كاملة للضفة الغربية بحيث يصبح الاحتلال جزءاً من النظام الإداري والاقتصادي والأمني والديموغرافي الدائم.

من أوسلو إلى الضم

لقد عاش الفلسطينيون أكثر من ثلاثين عاماً وهم يسمعون عن "عملية السلام" و"حل الدولتين" و"المفاوضات".

لكن ماذا حدث على الأرض؟ المستوطنات توسعت. الطرق الاستيطانية تمددت.

الأراضي صودرت. المجتمعات الفلسطينية هُجّرت. والآن تنتقل السيطرة تدريجياً من الإدارة العسكرية إلى مؤسسات حكومية إسرائيلية مدنية.

وهذا يعني أن إسرائيل لا تنتظر اتفاقاً سياسياً؛ إنها تصنع واقعاً جديداً ثم تطلب من العالم أن يتعامل معه كأنه أمر طبيعي.

ولهذا فإن تصريحات سموتريتش يجب ألا تُقرأ كخطاب سياسي عابر. إنها إعلان عن استراتيجية.

والسؤال للعالم: إلى متى؟

لقد أثبتت السنوات الماضية أن بيانات الإدانة وحدها لا توقف الاستيطان.

ولا توقف مصادرة الأرض. ولا تحمي الفلسطينيين من عنف المستوطنين. ولا تمنع تغيير الوضع القانوني والإداري للأراضي المحتلة. حتى المؤسسات الدولية ومراكز الأبحاث الغربية أصبحت تتحدث صراحة عن تسارع الضم الفعلي للضفة الغربية. لذلك لم يعد السؤال: هل تريد الحكومة الإسرائيلية ضم الضفة؟ السؤال الحقيقي هو: كم تبقى من الضفة قبل أن يصبح الضم واقعاً لا يمكن التراجع عنه؟ وإذا كان سموتريتش ينتقل من الكلام إلى الفعل، فعلى العالم أيضاً أن ينتقل من الإدانة إلى الفعل.

العقوبات، وقف دعم الاستيطان، محاسبة المسؤولين عن انتهاكات القانون الدولي، حماية المؤسسات الدولية، ومنع التعامل مع المستوطنات وكأنها جزء طبيعي من إسرائيل؛ هذه ليست إجراءات عدائية، بل الحد الأدنى المطلوب لوقف تحويل الاحتلال إلى نظام دائم.

فلسطين ليست أرضاً بلا شعب قد يستطيع الاحتلال تغيير أسماء الأماكن. وقد يستطيع مصادرة الأرض. وقد يستطيع بناء المستوطنات والطرق والجدران. وقد يستطيع اقتحام قلنديا وإغلاق مؤسسة فلسطينية ورفع علمه فوق مبنى تابع للأونروا. لكنه لا يستطيع محو الحقيقة.

هذه أرض فلسطينية محتلة، وهذا شعب فلسطيني له حق في الحرية وتقرير المصير. وما يجري اليوم في الضفة الغربية يجب أن يُفهم في سياقه الحقيقي: ليس مجرد "توسع استيطاني"، ولا مجرد "إجراءات أمنية"، ولا مجرد خلاف إداري. إنه مشروع سياسي يسعى إلى تحويل الاحتلال إلى سيادة مفروضة بالقوة. ولهذا فإن قلنديا ليست خبراً عابراً. قلنديا رسالة.

والرسالة واضحة:

سموتريتش ومن معه لا يريدون فقط أن يتحدثوا عن السيطرة على الضفة الغربية؛ إنهم يعملون على فرضها على الأرض، قطعة بعد قطعة، مؤسسة بعد مؤسسة، وقرية بعد قرية. والتاريخ لن يسأل فقط ماذا قال العالم عندما بدأ الضم. بل سيسأل: ماذا فعل العالم عندما كان يرى الضم يحدث أمام عينيه؟