ربما تكون أزمتنا الراهنة أكبر من كل ما نقوله عنها، وأكثر تعقيدًا من أن تختصر في خلافٍ بين هذا الطرف وذاك، أو في أزمة قيادةٍ، أو في انقسامٍ طال أمده، أو في انتخاباتٍ نختلف على توقيتها وشكلها ونتائجها. وربما تكون المشكلة الأكثر عمقًا كامنةً في مكانٍ آخرَ، في شيءٍ يبدو بسيطًا في لفظه، لكنه شديد التعقيد في أثره: الفكرة. فما الذي تعنيه الفكرة حين تكون الأرض واقعةً تحت الاحتلال الاستعماري الصهيوني بكل جغرافيتها؟ وما الذي تعنيه السياسة حين يكون الهدف المفترض هو التحرر والتحرير والخلاص من الاحتلال، وبناء طريق الحرية والعدالة والحق في تقرير المصير؟ وهل ما زالت لدينا اليوم الفكرة التي تستطيع أن تجمع كل ذلك في مشروعٍ وطنيٍّ واحدٍ ..؟؟
فلسطين تحت الاحتلال، وهذه هي الحقيقة الأولى التي لا ينبغي أن تضيع وسط كثافة التفاصيل. ليست الأرض مجرد خلفيةٍ للصراع السياسي، وليس الاحتلال مجرد ظرفٍ طارئٍ نضعه في مقدمة البيانات ثم نعود إلى إدارة شؤوننا الداخلية. الاحتلال هو الحقيقة المركزية التي يفترض أن تحدد معنى السياسة، ووظيفة المؤسسات، وطبيعة النضال، وموقع المقاومة، وشكل العلاقة بين القوى الوطنية، وحتى معنى الانتخابات نفسها. ومن هذه الحقيقة يجب أن تبدأ الفكرة، لا من موازين القوى الداخلية، ولا من حسابات السلطة، ولا من مصالح التنظيمات، ولا من ترتيبات المرحلة...
هنا يصبح السؤال موجعًا. فلدينا الكثير من الأفكار، وربما أكثر مما نحتاج. لدينا خطابات وبرامج ومبادرات ومؤسسات وتنظيمات وتحالفات ورؤى واجتهادات، ولدينا قراءات متعددة للمرحلة، ولدينا من يتحدث عن الدولة، ومن يتحدث عن المقاومة، ومن يتحدث عن التسوية، ومن يتحدث عن التحرر، ومن يتحدث عن الانتخابات، ومن يتحدث عن الوحدة، ومن يتحدث عن الواقعية، ومن يتحدث عن الشرعية، ومن يستدعي قوانين مرحلة التحرر الوطني. كل ذلك موجود، لكن وسط هذا الكم الهائل من الأفكار يبقى السؤال.. أين الفكرة الجامعة؟ أين الفكرة التي تجعل من كل هذه الأدوات والاختلافات أجزاءً في مشروعٍ واحدٍ، لا مشاريع متجاورةً تتنافس على تعريف الحقيقة...؟
ربما تكون المشكلة أننا خلطنا بين كثرة الأفكار ووجود الفكرة. فالأفكار يمكن أن تتعدد، وهذا أمرٌ طبيعيٌ وصحيٌ في حياة أي مجتمع، لكن الفكرة الكبرى التي تمنح هذه الأفكار اتجاهًا ومعنًى لا يجوز أن تضيع. وحين تضيع الفكرة الجامعة، تتحول التعددية إلى تشظٍ، ويصبح الاختلاف انقسامًا، وتتحول الوسائل إلى غاياتٍ، ويصبح كل طرف مشغولًا بتثبيت فكرته الخاصة أكثر من انشغاله بالسؤال الوطني الأكبر...
وهنا لا بد أن نسأل السؤال الذي ربما طال تأجيله.. هل ما زالت لدينا حركة تحرر وطني بالمعنى الحقيقي للكلمة؟ أو حركة تحرير وطني؟ أو ائتلاف تحرري جبهوي عريضٌ يستطيع أن يجمع القوى الوطنية المختلفة حول هدف مركزي واضحٍ.. تحرير الأرض والإنسان، والخلاص من الاحتلال، وبناء طريق الحرية والعدالة والحق في تقرير المصير؟ لسنا نتحدث هنا عن إنكار وجود فصائل أو قوى مقاومة أو أحزاب سياسية، ولا عن التقليل من تضحيات وتجارب أي طرف، بل عن سؤال مختلف تمامًا.. هل استطاعت هذه القوى مجتمعة أن تنتج حركة تحرر وطنية بالمعنى الذي يجعل من تعددها قوةً واحدةً، ومن اختلافها تنوعًا داخل مشروع، ومن مقاومتها وسياساتها ومؤسساتها أدواتٍ متكاملةٍ في معركة التحرر؟
ربما لدينا القوى، لكننا نفتقد الإطار الجامع. وربما لدينا المقاومة، لكننا نفتقد في كثير من الأحيان الاستراتيجية الوطنية التي تجعل منها جزءًا من مشروع تحرري شاملٍ. وربما لدينا السياسة، لكن السياسة كثيرًا ما تنشغل بإدارة الممكن أكثر من تغيير الواقع. وربما لدينا المؤسسات، لكنها تصبح أحيانًا منشغلة بإدارة الحياة تحت الاحتلال أكثر من العمل المنظم للخلاص من الاحتلال. وربما لدينا الخطاب الوطني، لكن الخطاب حين ينفصل عن الفعل يتحول مع الوقت إلى عادةٍ لغويةٍ، وحين تتعدد الخطابات من دون فكرة جامعة يصبح من الصعب معرفة أي خطاب يقود إلى أي طريق...
ومن هنا نصل إلى السؤال الآخر، الذي لا يقل أهمية عن سؤال حركة التحرر نفسها.. ماذا بقي من الحاضنة الشعبية والبيئة الجماهيرية التي يفترض أن تحمل مشروع التحرر والتحرير؟ هل ما زالت هذه الحاضنة قائمةً على قاعدة الحرية والخلاص من الاحتلال، أم أن سنوات طويلة من سياسات النظام السياسي الفلسطيني، في الموالاة والمعارضة معًا، أصابت هذه البيئة بقدر كبير من الخراب والاستنزاف والتشظي؟
وهنا أيضًا لا ينبغي الوقوع في التبسيط. ليس صحيحًا أن الحاضنة الشعبية للتحرر قد اختفت، كما أنه ليس صحيحًا أن كل ما جرى خلال السنوات الماضية محا من الوعي الوطني فكرة الحرية والتحرير. الاحتلال ما زال الحقيقة التي لا يستطيع أحد تجاوزها، والحق في الحرية لم يسقط، والانتماء إلى الأرض لم ينته، والرفض للاحتلال لم يتحول إلى قبول به. لكن ما تعرض للضرب شيء آخر.. الثقة، والقدرة على التنظيم، والأمل بجدوى السياسة، والاقتناع بقدرة القوى القائمة على تحويل التضحيات والمعاناة إلى مشروع وطني قادر على تحقيق نتائج...
وربما تكون المسألة أكثر قسوةً من ذلك.. ربما لم تفقد الحاضنة الشعبية فكرة التحرر بقدر ما فقدت الثقة بمن يقولون إنهم يحملونها. وهذه نقطةٌ لا يجوز القفز عنها. فمن السهل أن نقول إن الجمهور تعب، أو إن الحاضنة تغيرت، أو إن المزاج الشعبي لم يعد كما كان. لكن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى القوى السياسية قبل غيرها هو.. ماذا فعلتم بهذه الحاضنة؟ ماذا قدمتم لها؟ ماذا فعلتم بوعيها الوطني؟ وهل حافظتم على صلة حقيقية بين النضال السياسي وبين حياتها اليومية وكرامتها وحقوقها؟ وهل نجحتم في تحويل المعاناة إلى فعل وطني منظم، أم أن قسمًا كبيرًا من الطاقة الوطنية استنزف في صراعات داخلية، وانقسامات، ومناكفات، ومنافسة على الشرعيات والمواقع؟
وهنا لا يستطيع طرف واحد أن يمنح نفسه شهادة براءة. فالخراب الذي أصاب البيئة السياسية والجماهيرية ليس نتاج سياسة طرف واحد فقط. هو حصيلة تراكم طويل شاركت فيه قوى الموالاة والمعارضة، والسلطة والمقاومة، والتنظيمات القديمة والجديدة، وكل من وضع الحساب التنظيمي أو الفئوي في لحظة ما فوق الحساب الوطني العام. وفي النهاية دفع الجميع الثمن، لأن الحاضنة الشعبية حين تتعب لا تميز دائمًا بين من تسبب في تعبها ومن حاول استثماره، وحين تفقد الثقة لا تسأل فقط من أخطأ، بل تسأل لماذا لم يعد أحدٌ قادرًا على تقديم طريق واضح...
وهنا تصبح أزمة الفكرة أكثر وضوحًا. نحن لا نعاني فقط من اختلاف حول الوسيلة، بل من اضطراب حول الغاية نفسها. لا نتفق بما يكفي على شكل المرحلة المقبلة، ولا على وظيفة السلطة، ولا على موقع المقاومة، ولا على طبيعة العلاقة بين المؤسسات الوطنية وبين الاحتلال، ولا على شكل النظام السياسي الذي نريده، ولا على كيفية بناء ائتلاف وطني تحرري يستطيع أن يستوعب التعدد السياسي من دون أن يتحول التعدد إلى انقسام دائم. وفي ظل هذا الاضطراب، تصبح كل أداة قابلة لأن تتحول إلى ساحة صراع مستقلة عن المشروع الذي يفترض أن تخدمه.
حتى الانتخابات، وهي مثال واضح على ذلك، لا ينبغي أن تحمل أكثر مما تستطيع. الانتخابات في ذاتها ليست مشروعًا وطنيًا، كما أنها ليست بديلًا عن حركة التحرر، ولا يمكن لصندوق الاقتراع أن ينتج وحده استراتيجية للتحرير. هي أداة سياسية يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة إذا وضعت في مكانها الطبيعي داخل مشروع وطني جامع، ويمكن في المقابل أن تتحول إلى مجرد وسيلة لإعادة توزيع المواقع إذا انفصلت عن سؤال المرحلة ومشروع التحرر. ولهذا لا تكمن المسألة في الانتخابات ذاتها، بل في الفكرة التي ستحدد وظيفتها وموقعها: ماذا نريد من الانتخابات؟ ماذا نريد من المؤسسات التي ستنتج عنها؟ وإلى أي مشروع وطني نريد أن تقود؟
والأمر ذاته ينطبق على التحالفات. التحالف ليس مشكلة في حد ذاته، والتعدد ليس عيبًا، والتنافس السياسي ليس خطرًا إذا بقي داخل إطار وطني جامع. المشكلة تبدأ حين تتحول التحالفات إلى بديل عن المشروع، وحين تصبح الحسابات الانتخابية أو التنظيمية هي التي ترسم حدود العلاقة بين القوى، وحين يصبح الهدف من التقارب هو الوصول إلى موقع سياسي لا بناء طريق وطني. عندها يمكن للتحالف الذي يفترض أن يوسع مساحة الوحدة أن ينتج أشكالًا جديدة من الانقسام...
لذلك فإن أزمتنا ليست أزمة أفكار قليلة، بل ربما هي أزمة فكرة ناظمة... الفكرة التي تقول إن الاحتلال هو نقطة البداية، وإن التحرر هو الهدف، وإن الإنسان والأرض هما مركز الصراع، وإن المقاومة والسياسة والمؤسسات والانتخابات والعمل الشعبي والعلاقات الدولية كلها أدوات ينبغي أن تتكامل داخل استراتيجية واحدة، لا أن تتصارع كل منها على احتلال مركز المشروع...
وإذا كانت الفكرة موجودة في الوعي الوطني، فلماذا لم تتحول إلى حركة؟ وإذا كانت الحركة موجودة في شكل قوى وفصائل، فلماذا لم تتحول إلى ائتلاف تحرري جبهوي عريض؟ وإذا كانت الحاضنة الشعبية ما زالت موجودة، فلماذا لا تستطيع هذه القوى أن تستعيد ثقتها وتوحد طاقتها؟ هنا ربما تكمن الأسئلة التي ينبغي أن نتوقف عندها بدل الاستمرار في الدوران حول الأسئلة الأصغر...
ربما نحتاج قبل كل شيء إلى إعادة تعريف معنى حركة التحرر الوطني في زمننا هذا. لا باعتبارها نسخة مكررة من تجارب تاريخية سابقة، ولا باعتبارها تنظيمًا جديدًا يضاف إلى قائمة التنظيمات، وإنما باعتبارها إطارًا وطنيًا واسعًا تتسع فيه المقاومة والسياسة والعمل الشعبي والمؤسساتي، ويجد فيه المختلفون مكانًا لهم من دون أن يفقدوا هويتهم، وتصبح فيه التعددية مصدر قوة، ويكون فيه الهدف واضحًا.. تحرير الأرض والإنسان من الاحتلال، وصناعة شروط الحرية والعدالة والحق في تقرير المصير...
وهذا يتطلب أيضًا إعادة بناء الحاضنة الشعبية لا على قاعدة التعبئة المؤقتة، ولا على قاعدة الاستقطاب التنظيمي، وإنما على قاعدة استعادة الثقة. فالناس لا تحتاج فقط إلى من يخاطبها باسم الوطن، بل تحتاج إلى من يقنعها بأن الوطن مشروع قابل للحياة، وأن السياسة ليست لعبة مغلقة بين القوى، وأن الانتخابات ليست مجرد سباق على المقاعد، وأن المقاومة ليست مجرد فعل منفصل عن المجتمع، وأن المؤسسات ليست أجهزة لإدارة الانقسام، وأن الخلاف السياسي لا يعني بالضرورة أن يتحول المجتمع كله إلى ساحات متقابلة...
والمطلوب أيضًا أن نتوقف عن الاعتقاد بأن تغيير الأشخاص وحده يكفي. نعم، الشخوص مهمة، والقيادات التي استنفدت قدرتها على العطاء ينبغي أن تفسح المجال لغيرها، لكن تغيير الوجوه من دون تغيير الفكرة والمنهج لن يكون أكثر من إعادة تدوير للمشهد. كما أن تغيير الأدوات من دون تغيير الغاية قد يجعلنا ننتقل من أداة إلى أخرى ونحن نحمل الأزمة نفسها.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يوضع في قلب كل نقاش سياسي قادم هو .. ما الذي نريد تحريره ..؟ هل نتحدث فقط عن الأرض، أم عن الإنسان أيضًا؟ هل التحرير يعني التخلص من الاحتلال فقط، أم يعني أيضًا بناء مجتمع حرٍ عادلٍ يستطيع الإنسان فيه أن يعيش بكرامة؟ وهل الحرية التي نناضل من أجلها تتوقف عند رفع الاحتلال، أم تبدأ بعده أيضًا ببناء نظام سياسي واجتماعي يضمن العدالة والحق في تقرير المصير؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا. إنها صميم المشروع الوطني. لأن التحرير الذي لا يحرر الإنسان يبقى ناقصًا، والحرية التي لا تنتج عدالة تبقى منقوصة، والعدالة التي لا تصون حق تقرير المصير تبقى معلقة، والمقاومة التي لا تجد مشروعها السياسي الجامع قد تتحول إلى فعل عظيم في لحظته، لكنه عاجز عن إنتاج المسار الطويل الذي تحتاجه معركة التحرر.
وهنا ربما نعود إلى النقطة الأولى.. الفكرة. ليست المشكلة أننا لا نملك ما يكفي من الأفكار، بل أننا لم ننجح في جعل فكرة واحدة كبرى تنظم كل هذه الأفكار. نحتاج إلى فكرة تستطيع أن تجمع لا أن تلغي، وأن توحد لا أن تذيب، وأن تستوعب الاختلاف لا أن تحوله إلى خصومة دائمة. نحتاج إلى فكرة تجعل من التحرر والتحرير مركزًا، ومن الإنسان والأرض هدفًا، ومن الحرية والعدالة وتقرير المصير أفقًا، ومن كل الأدوات السياسية والتنظيمية وسائل تخدم هذا الهدف...
وعندها فقط يمكن أن نعيد النظر في كل شيء من موقع مختلف: في الانتخابات، وفي المؤسسات، وفي المقاومة، وفي السلطة، وفي الفصائل، وفي التحالفات، وفي النظام السياسي، وفي علاقة القوى بالجمهور. ليس من السؤال.. من يربح؟ ومن يخسر؟ ومن يملك الشرعية؟ ومن يحصل على المقاعد؟ بل من السؤال الأكبر.. هل ما نفعله يقربنا من التحرر أم يبعدنا عنه؟
ربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لكل فكرة وكل قوة وكل تحالف وكل مؤسسة وكل قيادة. فكل ما لا يخدم مشروع التحرر يحتاج إلى مراجعة، وكل ما يستهلك طاقة المجتمع في غير اتجاه الاحتلال يحتاج إلى إعادة نظر، وكل ما يعيد إنتاج الانقسام بوصفه قدرًا دائمًا يحتاج إلى كسر، وكل ما يعيد الثقة بين الحاضنة الشعبية وبين المشروع الوطني يستحق أن يوضع في مركز الاهتمام...
وفي النهاية، لا أظن أننا بحاجة إلى مزيد من الأفكار بقدر حاجتنا إلى شجاعة مواجهة الفكرة التي فقدناها وسط هذا الزحام كله. الفكرة التي تقول بوضوح أن فلسطين ليست قضية إدارة، وأن الاحتلال ليس قدرًا، وأن السلطة ليست غاية، وأن الانتخابات ليست بديلًا عن التحرر، وأن التحالفات ليست مشروعًا، وأن الفصائل ليست وطنًا، وأن الانقسام ليس طبيعة فلسطينية، وأن الشعب ليس مجرد جمهور انتخابي، وأن المقاومة ليست شعارًا، وأن السياسة ليست إدارة للأزمة فقط...
فلسطين تحت الاحتلال، وهذه الحقيقة ينبغي أن تعيد ترتيب كل شيء. ومن هذه الحقيقة تبدأ الفكرة، ومنها يجب أن يولد المشروع، ومن المشروع يجب أن تولد الحركة، ومن الحركة تستعاد الحاضنة، ومن الحاضنة تستعاد الثقة، ومن كل ذلك يمكن أن يبدأ طريق طويل نحو الحرية والعدالة والحق في تقرير المصير... لذلك، ربما يكون سؤالنا الأخير ليس: كم لدينا من الأفكار؟ بل: هل ما زالت لدينا الفكرة التي تستحق أن تجتمع حولها كل الأفكار؟ لأن الفكرة، حين تكون حاضرة، تستطيع أن تمنح الحركة معناها، والمقاومة أفقها، والسياسة وظيفتها، والانتخابات مكانها، والمؤسسات دورها، والجمهور ثقته، والمشروع طريقه. أما حين تغيب الفكرة، فقد تظل لدينا عشرات الأفكار، وعشرات القوى، وعشرات الخطابات، وعشرات التحالفات، لكننا سنظل نتحرك كثيرًا من دون أن نقترب بالضرورة من المكان الذي نريد الوصول إليه.
الفكرة هي الفكرة... والأفكار كثيرة. لكن ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الأفكار، بل الفكرة التي تعيد للمشروع بوصلته، وللحركة معناها، وللتحرر طريقه، وللحرية موعدها

