Menu

من غرف الغاز المخفية إلى مشانق الاحتلال مع قاعة العرض

جمال كنج

بوابة الهدف

ما الفارق بين معسكر النازية في أوشفيتز-بيركيناو بولندا، ومشانق دولة الاحتلال؟ لعل الفارق الوحيد أن أوشفيتز افتقرت إلى “قاعة عرض” خاصة.

هذا ليس تشبيهاً مجازياً. ففي 19 آب/أغسطس، أعلن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير عن إنشاء مشانق لإعدام الأسرى الفلسطينيين، وتحدث عن آليات التنفيذ وكأن إزهاق الأرواح البشرية مناسبة تستدعي العرض والاحتفاء. هذا الخطاب لا يعكس موقفاً فردياً معزولاً، بل يترجم ثقافة أشمل تطبّعت مع موت الفلسطينيين حتى غدا مادة ترفيهيه.

 

حين يتحول القتل إلى سينما

تجلّت هذه الثقافة سابقاً فيما سُمّي “سينما سديروت”، حين احتشد مستوطنون على التلال المطلة على غزة لمشاهدة ألسنة النار وهي تلتهم المنازل. ووثّقت تقارير ومقاطع متداولة منذ عام 2014 مشهد مدنيين يفترشون الكراسي ويتناولون الوجبات الخفيفة وهم يتابعون الانفجارات كمشاهدي عرض سينمائي.

لا تكمن خطورة هذا المشهد في غرابته، وإنما في ما يحمله من دلالة أخلاقية: فحين يتحول قصف الأحياء السكنية إلى مناسبة للهرج، تخرج الحرب من إطارها كأداة عنف لتصبح ممارسة جماعية للتلذذ بألم الآخر. من هنا، لا يمكن اعتبار تصريحات بن غفير عن “قاعه العرض” حدثاً منفصلاً عن هذا السياق، بل استمراراً طبيعياً له.

 

وقد رسّخ الوزير هذه الصورة حين احتفل بعيد ميلاده الخمسين بكعكة مزينة برسم أنشوطة مشنقة، كُتب عليها: “مبروك للوزير بن غفير، أحياناً تتحقق الأحلام”. والحلم المقصود هنا هو تمرير قانون الإعدام في الكنيست. هذا التماهي بين الخطاب السياسي والرمزية الاحتفالية يُظهر كيف تحول الإعدام من إجراء قضائي إلى علامة هوياتية ووسيلة حشد جماهيري.

قانون الإعدام وبنية التمييز

جاء قانون الإعدام الذي أقرّه الكنيست في آذار/مارس الماضي ليكسو ثقافة التمييز العنصري بغطاء قانوني. فالقانون الجديد يفرض عقوبة الإعدام الإلزامية على المقاومين الفلسطينيين حصراً، فيما يستثنى من المنطق نفسه معتدون مستوطنون يهود تسببوا بمقتل فلسطينيين، من بينهم أميركيون من أصل فلسطيني. كما تبقى مساءلة هؤلاء المستوطنين استثناءً نادراً لا قاعدة.

وقد رفعت جمعية حقوق المواطن في دولة الاحتلال التماسا أمام المحكمة العليا، مشككة في صلاحية الكنيست بسن تشريع كهذا بحق أشخاص لا يحملون جنسيته. وحذّر وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا من “الطابع التمييزي الفعلي” للقانون، بينما اعتبرته ثماني حكومات ذات أغلبية مسلمة جزءاً من منظومة فصل عنصري قائمة.

والإشكالية لا تنحصر في آلية التنفيذ، بل تمتد إلى من يُستهدف بها ومن يُعفى منها. فحين يُفرض الإعدام على الفلسطينيين بوصفهم فئة جماعية، بينما يحظى المستوطنون بحماية قانونية مدنيه وسياسية، يتحول القانون من أداة عدالة إلى أداة تمييز.

آلة الاعتقال والتعذيب

لا يمكن قراءة قانون الإعدام بمعزل عن منظومة الاعتقال الأشمل. تحتجز دولة الاحتلال نحو 9200 فلسطيني، نسبة 40 في المئة منهم رهن الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة، بينهم 191 قاصراً. وتطال الاعتقالات قاده وأطباء وطلاباً وأكاديميين ونواباً منتخبين، فيما تُجدَّد أوامر الاعتقال العسكري كل ستة أشهر، ما يُبقي المعتقلين في حالة من التعليق القانوني الدائم.

ويخضع فلسطينيو الضفة الغربية وغزه لقانون عسكري، بينما يخضع المستوطنون اليهود لنظام مدني منفصل تماماً. النتيجة نظامان قانونيان متوازيان لشعبين على الأرض ذاتها: أحدهما يُحكم قبضته على الفلسطينيين، والآخر يوفر مظلة حماية أوسع للمستوطنين.

ومنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، لقي ما لا يقل عن 98 أسيراً فلسطينياً حتفهم داخل سجون الاحتلال، وكشفت تقارير عن آثار تعذيب على معظم جثامينهم. وروى معتقلون أُفرج عنهم تعرضهم لصعقات كهربائية وهجمات كلاب واعتداءات جنسية خلال التحقيق، فيما وصف خبير أممي التعذيب الإسرائيلي بأنه “عقيدة رسمية للدولة”.

هذه المعطيات تكشف أن مشروع الإعدام لا يأتي من فراغ، بل يُبنى على منظومة قائمة أصلاً على الاعتقال التعسفي والتعذيب والتصفية خارج نطاق القضاء. وحين يُضاف قانون الإعدام إلى هذه الأدوات، يزداد العنف رسوخاً داخل مؤسسات الدولة، وتزداد احتمالات تكراره.

الموقف الدولي والغطاء القانوني

في نيسان/أبريل، أعلن أربعة من المقررين الخاصين للأمم المتحدة، من بينهم المقرر المعني بالإعدامات خارج نطاق القضاء، أن قانون الإعدام “يشكّل نظاماً تمييزياً” ويخالف التزامات دولة الاحتلال بموجب القانون الدولي.

كما خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024 إلى أن سياسات دولة الاحتلال في الأرض الفلسطينية المحتلة تنتهك الحظر الدولي للفصل العنصري والتمييز العرقي. وذهب تحليل قانوني نشرته مجلة “أوبينيو جوريس” إلى أن قانون الإعدام الجديد قد يندرج ضمن تعريف نظام روما الأساسي لجريمة الفصل العنصري، كونه يُكرس هيمنة مؤسسية لجماعة عرقية على أخرى. وتستحضر هذه المقارنة تجربة جنوب أفريقيا، حيث طُبّقت عقوبة الإعدام الإلزامية بشكل شبه حصري على الأغلبية السوداء تحت نظام الفصل العنصري.

تكشف هذه الوقائع مجتمعة عن تشابك ثلاثة مستويات: ثقافة شعبية تطبّعت مع مشاهدة القتل كانّه حدث ترفيهي، وخطاب سياسي يحتفي بالمشنقة، ومنظومة قانونية وأمنية تفرّق بين الفلسطينيين والمستوطنين. لهذا لا ينبغي التعامل مع تصريحات بن غفير باعتبارها استفزازاً عابراً، بل باعتبارها تعبيراً عن مسار يسعى لتحويل العنف من ممارسة ميدانية إلى سياسة رسمية معلنة.

قبل ثمانين عاماً، أخفت النازية غرف الغاز لأن مهندسيها أدركوا أن العالم لن يقبل مشاهدتها علناً. أما اليوم، فتُعرض المشنقة أمام الجمهور بوصفها رمزاً للقوة والانتقام. قد تتبدل الأدوات والأماكن والزمان، لكن جوهر المنظومة يبقى واحداً: نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطيني، ثم إضفاء الشرعية على قتله.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي في الفكر الصهيوني: تصريح وزير الامن الصهيوني ليس مجرد نزوة فردية، بل ثقافة سياسية وقانونية تُحوّل ألم الآخرين إلى نشوة، والتمييز إلى قانون، والقتل إلى مشهد احتفالي.