Menu

أبو علي مصطفى العين بالعين والرأس بالرأس

حمزة البشتاوي

أبو علي مصطفى العين بالعين والرأس بالرأس

في صيف عام 1994، بينما كنت جالسًا في البيت الذي كنت أسكنه بمخيم الرمل الفلسطيني في مدينة اللاذقية على الساحل السوري؛ طرق باب البيت الصديق داوود السمرا، وقال لي: لدينا حفل تأبين لشهيد في طرطوس، ونريد منك إلقاء قصيدة في الحفل، فذهبت إلى بيته وكان مفاجئًا لي وجود القائد الوطني الكبير الشهيد أبو علي مصطفى - الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- يجلس بكبريائه الثوري العالي وصافحني بقلبه قبل يديه، و كانت زوجة داوود السمرا المرحومة سالي تحضر الطعام، حيث كان الغذاء وقتها سردين وبطاطا مقلية وسلطة خضار، تناولنا الغداء وذهبنا معًا في سيارة القائد أبو علي مصطفى، ووصلنا قبل الوقت المحدّد للحفل بساعة تقريبًا، ولذلك قمنا بجولةٍ في محيط المكان، حيث راح القائد أبو علي مصطفى يحدثنا عن تضاريس الوطن والأرض والتربة الخصبة في بلدته عرابة قضاء جنين، التي عرفها منذ نعومة أظفاره ودراسته للمرحلة الابتدائية فيها، وكنا نحن والشمس سعداء بما يقول عن الأرض وزينة الدار وشموخ السنابل.

في حفل التأبين ألقى أبو علي مصطفى كلمةً كانت امتدادًا لحديثه عن الأرض والفكرة والثورة والبنادق والوفاء لدماء الشهداء، وجسّد هذا الوفاء بالأقوال والأفعال عبر التمسّك بالمقاومة والحقوق والوحدة الوطنية. وعلى الرغم من جريمة اغتياله في 27 آب عام 2001، فإنه ما زال حاضرًا كموقف ثابتٍ ونهجٍ حيٍّ وبوصلةٍ وطنية مقاوِمة؛ انطلاقًا من تجسيده العميق للوحدة الوطنية التي آمن بها، وقال: إنها تحتاج إلى بناء مؤسسات وطنية قوية وفاعلة وفي مقدمتها المجلس الوطني الفلسطيني، وذلك على قاعدة التوافق وصون الوحدة باعتبارها شرطًا من شروط الصمود والانتصار.

مزج الشهيد القائد أبو علي مصطفى بصدق ونقاء ما بين الحب والنضال من أجل فلسطين، ومنذ بدء مسيرته النضالية وحتى لحظة استشهاده كان قابضًا على جمر الفكرة والثورة من أجل العودة والتحرير مستندًا إلى قناعاته، ومنها أن كل مقاتل هو سياسي وكل سياسي يجب أن يكون مقاتلًا، ويجب أيضًا أن يكون متسلّحًا بالوعي والمعرفة بأبجديات الوطن ومفاتيح الصراع.

في كل محطة نضالية، وفي ظل حرب الإبادة على قطاع غزة والعدوان على الضفة و القدس نتذكر حكمة القائد وفكرة المفكّر الثوري، خاصة داخل الوطن المحاصر بجرافات الاستيطان وضجيج محاولات إخراج الكل الفلسطيني من المعادلة السياسية، وهذا ما يستدعي التمسك أكثر بالروح الوطنية وبرؤية الشهيد القائد أبو علي مصطفى ومواقفه، وبملح الثورة الذي لا يذوب.

وفي 17 تشرين الأول عام 2001، كان الرد المزلزل من قبل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، بتنفيذ عملية اغتيال وزير السياحة "الإسرائيلي" المتطرّف رحبعام زئيفي، وفي هذا الرد طبّقت الجبهة الشعبية مقولة الأمين العام الأسير القائد أحمد سعدات، صاحب التجربة الثورية المدهشة (العين بالعين والسن بالسن والرأس بالرأس) وذلك ردًّا على جريمة اغتيال أبو علي مصطفى صاحب المكانة البارزة في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر، الذي تميزت تجربته بالربط ما بين البعد الوطني والاجتماعي وفكرة التحرير، ووجود الشعب الفلسطيني على أرضه، والأرض بالنسبة له ليست مساحة جغرافية أو حدودًا سياسية، بل هي الوطن والبيت والهوية والبيارة والذاكرة والوجود، ولهذا قرر في عام 1999، العودة إلى أرض الوطن رافعًا شعار (عدنا لنقاوم لا لنساوم) واستنادًا إلى هذا الشعار كان ينظر إلى الثقافة باعتبارها جزءًا أساسيًّا وضروريًّا من عملية بناء الوعي الوطني مع التأكيد على أهمية قراءة الواقع بصورة نقدية للحفاظ على البعد الوطني، وعلى الحلم والطريق الذي يقودنا إلى فجر جديد، وقد مشى أبو علي مصطفى في هذا الطريق رغم وحشته مؤمنًا بالأرض وبأن العتمة مهما اشتدت، فإنها لن تستطيع أن تطفئ حلمًا يسكن في شعبٍ لا يعرف المستحيل، وهذا الشعب المضحّي يقول اليوم مختصرًا كل جماليات اللغة والشعر والأغاني والأناشيد: سلامٌ لذكراك وسلامٌ للطريق.

كاتب وإعلامي