Menu

عن غسان كنفاني في عشق حيفا

ثائر أبو عياش

تهادت السنوات مثقلةً بالأسئلة الكبرى التي تركها غسان كنفاني معلقة على مشجب الزمن العربي. منذ أن تشتّت جسده النحيل ليتوزع على شكل فكرة عصية على الشظايا والديناميت، صار الحبر الذي سال من قلمه عابراً للأجيال، يوقظ فينا في كل عام تلك الحرقة الممتدة من جبل الكرمل الشامخ إلى آخر خيمة نازفة في أصقاع الشتات.

بالنسبة لي، لم يكن غسان يوماً مجرد كاتب يرتصّ غلاف روايته الأنيق على رفوف المكتبات، بل كان رفيق عتمة، وصوت زنزانة، وضوءاً جلياً انبثق من المستحيل ليضيء عوالمي المعتمة. أذكر تماماً عام 2010، في زنزانة رقم (26) في سجن عسقلان، حين كانت الجدران الأربعة الباردة تضيق عليّ في السجن، وكان الوقت عدواً شرساً ينهش الصبر ويبتلع الملامح والوجوه. هناك، بين يديّ الموثقتين بالانتظار والقيود، وقعت رواية "عائد إلى حيفا". لم تكن تلك قراءة عادية لتزجية الوقت أو لقتل الساعات الراكدة؛ بل كانت ولادة ثانية، ومواجهة وجودية صاخبة غيّرت مجرى مشاعري وأفكاري إلى الأبد.

في السجن، حيث يُسلب الإنسان حريته وجسده ويُعزل عن العالم، جاء غسان ليعيد ترتيب مفهوم "الوطن" في ذهني، ليزرع في روحي ذلك العشق السرمدي لـ "حيفا". تلك المدينة الساحرة التي تحوّلت في وجداني منذ تلك اللحظة من مجرد جغرافيا ونقاط صماء على الخارطة، إلى حالة عشق صوفية ممتدة بلا نهاية، تتجاوز حدود الزمان والمكان. حيفا بالنسبة لي أصبحت اسماً يتنفس في خلاياي، تعويذة حرية أرددها في سري كلما اشتد الضيق، وحلماً جميلاً ينمو في داخلي يوماً بعد يوم، أتحيّن الفرص لأهبه يوماً لأغلى ما سأملك في هذه الحياة. أردت لهذا الاسم تحديداً أن يظل حيا، نابضا، وممتداً في مستقبلي، تماماً كما امتد في وعيي، وتاريخي، ووجداني.

فتحت الصفحة الأولى في زنزانتي عام 2010، فإذا بي أركب سيارة "سعيد وصفية" متجهاً نحو البحر والكرمل بعد عشرين عاماً من الغياب القسري والنزوح المُر. كنت أقرأ والقيود في معصمي تكاد تذوب أمام قيود الذاكرة والخذلان التي حملها أبطال الرواية. غسان لم يكتب رواية عاطفية بكائية تندب الأطلال وتتباكى على الماضي، بل سلّط مبضع الجراح على الجرح الفلسطيني الأكثر عمقا، ليعلّمني أنّ حيفا ليست مجرد ذكريات قديمة أو حنين لأثاث غباري ولوحة المجدلية المعلقة على الجدار، بل هي فكرة مستمرة، وبوصلة لا تخطئ الطريق أبدا. لقد هزّتني جملته الشهيرة: "الوطن هو ألا يحدث ذلك كله"، وما زالت تهزّني اليوم في ذكراه. علّمني غسان كنفاني، وأنا خلف القضبان، أنّ الحقّ يصنعه الوعي والندّية، وأنّ الإنسان في نهاية المطاف هو قضية أخلاقية قبل كل شيء. كنت سجينا، لكنّني حين أنهيت الرواية، شعرت أنّني أكثر حرية من سجّاني، لأنّ فكرة غسان وهبتني أجنحة تتجاوز الأسلاك الشائكة وتصل إلى شواطئ تلك المدينة العصية على النسيان والتذويب.

ثناية العشق

حيفا في أدب غسان، وفي قلبي، هي سيدة المدائن الحرة؛ هي التلاحم الأزلي والشرس بين زبد البحر الأبيض وعناد الجبل الراسخ. إنّها المكان الذي تولد منه الأبجدية الفلسطينية وتتجدد مع كل موجة تضرب الصخر. حيفا ليست مجرد حكاية جيل مضى، بل هي المستقبل الذي نراه رأي العين في تفاصيل غدنا. هذا العشق السرمدي لحيفا جعلني أوقن أنّ هذا الاسم لا يجب أن يبقى سجيناً في كتب التاريخ أو مرثيات اللجوء المكررة، بل يجب أن يُبعث حياً في كل جيل، أن نطلقه على أحلامنا الأشدّ طهارة، وأن نمنحه لأجمل تفاصيلنا القادمة ليكون امتداداً جلياً للحقّ الذي لا يموت. إنّ تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية هي أولى خطوات التحرر من سطوة الغياب، وحين ينبض اسم حيفا في بيوتنا، وفي مستقبلنا، وفي نبرة أصواتنا، فإنّنا نعلن للمحتل أنّ البحر ما زال يعرفنا جيدا، وأنّ الكرمل ما زال ينتظر خطانا، وأنّنا لن نرضى عن سواحلها بديلا. إنّها جرحنا الذي صار هويتنا، وجمالنا الذي نتحدى به بشاعة هذا العالم.

غسان كنفاني كان فيلسوفاً يبسط الفلسفة لتصبح رغيف خبز، ورصاصة، وخيمة، وقصيدة ثائرة. وحين سأل في "رجال في الشمس": "لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟"، كان يدقّ جدران ضمائرنا جميعاً ليوقظنا من غيبوبة الاستسلام. وفي "عائد إلى حيفا"، جعلنا ننظر إلى أنفسنا في المرآة العارية ونسأل: ما الذي فعلناه لنكون جديرين بالوطن؟ لقد أخرجنا بذكائه من مربع الضحية المستسلمة والباكية إلى مربع الفعل الإنساني المقاوم الذي يصنع مصيره بيده.

في ذكراه، وكل يوم، أستعيد غسان كنفاني بنبرة فلسفية عاطفية تتجاوز رثاء الجسد إلى الاحتفاء بالفكرة والامتداد الإنساني. السجن الذي قرأته فيه أول مرة عام 2010 قد انتهى وخرجت منه، والقيد الحديدي قد انكسر، لكنّ الأثر العميق الذي تركه غسان في روحي باقٍ لا يزول ولا يتأثر بعوامل الزمن. غسان لم يمت؛ المحتل فجّر الجسد لأنّه كان يرتعب من الكلمة الصادقة، وغاب عنهم أنّ الكلمات الحرة لا تموت بالديناميت، وأنّ العشق الذي يزرعه الأدب الشريف يتوارثه الآباء ليمرّروه إلى الأبناء؛ اسما، وعهدا، وهوية، ووعداً بالعودة التي لا بد أن تأتي، لتظلّ حيفا دائماً وأبدا، سيدة بحرنا، وأجمل هدايا العمر، وأغلى الأسماء التي تزيّن مستقبلنا القادم.

*كاتب فلسطيني