تقاس قيمة أي طرح سياسي بدرجة اتصاله بالواقع، وتلبيته لاحتياجات وأولويات حقيقية لدى الجمهور الواسع، سواء الشعب بأكمله أو شرائح محددة ذات صلة بهذه القوة السياسية أو تلك، وحين طرحت الانتخابات الفلسطينية بمراسيم رئاسية، كان من الواضح أنها تقف على مسافة شاسعة من الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون، واقع حرب الإبادة والحصار والاستيطان والضم والترحيل الممنهج ومحاولات شطب التمثيل الوطني.
إذن، هل يهدف هذا النص وأسرة الهدف إلى إخبارنا اليوم بأن الانتخابات أمر مضر بالمصالح الفلسطينية، وأن علينا نبذها ومقاطعتها، بالتأكيد لا، فالهدف من هذا النص، بكل وضوح، هو الدعاية والترويج لمسار آخر، هو مسار وطني إنقاذي يقوم أساسا على أولوية مواجهة حرب الإبادة والتصفية ومشروع التهجير ووقفها، وحشد القدرات والموارد لتوفير متطلبات الصمود لمن يعيشون في خيام النزوح المرير في غزة، وللصامدين على خطوط التماس المباشرة مع هجمات المستوطنين، وعلى هذا الأساس تصبح الانتخابات مجرد أداة يستحضرها الفلسطيني لخدمة شعبه ويوظفها في دعم صموده ووقف الإبادة وردع الاستيطان.
وقد يصح النظر إلى المبادرة التي قدمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين باعتبارها هروبا من الانتخابات لو كانت هذه الجهة تنافس على الفوز بالسلطة ولا يلائم التوقيت الحالي حساباتها الانتخابية، ولكن أولا، وبكل واقعية، لا الجبهة ولا أي من قوى اليسار الفلسطيني ستفوز بالسلطة هذا العام، وهذه قوى واقعية منغمسة في العمل السياسي الفلسطيني منذ نشأتها ولا تتعاطى مع أوهام سياسية، وثانيا، وهو الأهم، أن هذا الطرح ليس إلا إجابات مباشرة وبسيطة عن أسئلة الغالبية الساحقة من الجمهور الفلسطيني في الداخل والخارج، وبالطبع من حقك، عزيزي القارئ، ألا تعجبك هذه الإجابات، ولكن من الصعب إنكار أن هذه هي أسئلة الواقع الفلسطيني الحقيقي، واقع أهل الخيام وقرى المناطق ج وأهل القدس وشعبنا في الشتات ومخيمات دول الطوق، بكل ما يعيشونه يوميا من معاناة وعذابات.
نعم، نحن بحاجة إلى الإجابة عن أسئلة النازحين المتعلقة بالمأكل والمشرب باعتبارها أسئلة وطنية وسياسية وإنسانية وهوياتية، لا مطالبتهم بالتصويت تحت ابتزاز القصف والقتل، وبناء على رؤية المانحين التي تعتبر أي قيادة فلسطينية، أيا كانت، غير مؤهلة وغير مقبولة ما لم تلب المطالب الأمريكية والصهيونية، ونحن بحاجة كذلك إلى الإجابة عن أسئلة الاستيطان والتهويد ونزع التمثيل الوطني برمته، وتطوير إجابات حقيقية لبناء نظام سياسي فلسطيني حقيقي.
هذا لا يعني مقاطعة الانتخابات ولا تأجيلها ولا تقديمها، بل يعني ببساطة أن الانتخابات أداة، إما أن تستخدم بيد الفلسطينيين أو تستخدم ضدهم، ويعني في المقام الأساس أن الأولوية الأولى هي إنقاذ أبناء الشعب الفلسطيني من نيران الإبادة وويلات النزوح، والتصدي لمشاريع الاحتلال، والتوافق على قيادة نضالية موحدة تنظم الفعاليات والعمل الوطني والنضالي والمقاومة بكل أشكالها من أجل وقف عملية إبادتنا وترحيلنا، هذا لا يعني تجميد الاستحقاق الوطني الديمقراطي أو رفضه، ولكن تأكيد على ضرورة ترميم وضعنا الفلسطيني لتكون الانتخابات على أسس سليمة وليس مجرد أداة لمزيد من الاستقطاب والتنازع.
والسؤال الآخر الذي لا يقل أهمية هو ما إذا كنا، نحن عموم الفلسطينيين المنظمين وغير المنظمين، سننتظر مصير الانتخابات، أم سنذهب إلى كل عمل وطني ممكن من أجل تحديد مصيرنا الجماعي الوطني وكتابته بأيدينا، فواجبات اليوم لا تقتصر على تصدير المواقف السياسية، رغم أهمية ذلك، وإنما تشمل استعادة تنظيم الذات في كل موضع يوجد فيه الفلسطيني، وعلى نحو تشاركي ووحدوي ينظر إلى الواجبات قبل النظر إلى مقاعد التمثيل والحصص.
والاختبار الحقيقي لكل قوة سياسية ومكون اجتماعي ليس عدد المقاعد التي سيحصل عليها في الانتخابات، بل عدد الأفراد الذين استطاع حشدهم للدفاع عن أهلهم في القرى المهددة، في قصرة والمغير وصفا وغيرها، وعدد المتطوعين الذين حشدهم لخدمة أهلهم في خيام النزوح في المواصي ومخيمات المعاناة على امتداد قطاع غزة، وحجم العلاقات التي نسجها بين كل هؤلاء، ومدى تسليحهم بوعي وطني وسياسي وربطهم ببعضهم بعضا باعتبارهم جزءا من شبكة الصمود وجبهة الإنقاذ الوطني الفلسطيني الموحدة.

