المزارع.. خسارة مصدر الدخل
في هذا الواقع، يؤكد المزارع صقر أبو ربيع أنّ الحرب غيّرت طبيعة علاقته بالأرض، بعدما كانت مصدر دخله الأساسي وإعالة أسرته، مشيرًا إلى أن تضرر الأراضي وصعوبة الوصول إليها حرماه من مواصلة العمل كما كان قبل الحرب.
ويقول أبو ربيع في حديثه إلى "بوابة الهدف" إنّ خسارة الأرض لا تعني فقدان محصول موسم واحد، إنما فقدان مصدر دخل يمتد أثره إلى الأسرة لأشهر، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج ونقص المياه والبذور والأسمدة والمعدات.
ويحاول أبو ربيع استغلال المساحات الصغيرة التي ما تزال متاحة، إلى جانب إصلاح ما يمكن إصلاحه من البيوت البلاستيكية، وزراعة كميات محدودة بما يتوفر لديه من إمكانات، موضحًا أنّ هذا الإنتاج لا يقارن بما كان يحققه قبل الحرب، فيما يواجه صعوبات إضافية في نقل المحاصيل وتسويقها.
ويبيّن أنّ الاستمرار في الزراعة بات بالنسبة له محاولة للحفاظ على مصدر رزقه وعدم فقدان الأرض بشكل نهائي، مؤكدًا أنّ المزارعين يحتاجون إلى توفير المياه ومستلزمات الإنتاج، وإتاحة الوصول إلى الأراضي، ودعمهم في إعادة تأهيل البيوت البلاستيكية والمعدات المتضررة.
ويختم بالقول إنّ المزارع لا يريد التخلي عن أرضه، وإن توفير الحد الأدنى من الظروف والإمكانات يمكن أن يساعد على إعادة تشغيل جزء من الإنتاج تدريجيًّا، حتى لو احتاجت الزراعة إلى سنوات لاستعادة قدرتها السابقة.

خسائر تتجاوز الأرض
ولا تتوقف تداعيات تراجع الزراعة عند حدود المزارع؛ إذ تمتد إلى مختلف حلقات النشاط الاقتصادي والغذائي المرتبط بالقطاع.
فالزراعة لا توفّر الغذاء فحسب، إنما تحرك سلسلة واسعة من الأعمال تبدأ من العمالة الزراعية والمشاتل، وتمتد إلى النقل والتخزين والتسويق والأسواق؛ إذ مع تقلص المساحات المزروعة وتراجع الإنتاج، تتضرر هذه السلسلة تدريجيًّا؛ إذ ينخفض الطلب على العمال الزراعيين، وتتراجع حركة المشاتل والنقل والتخزين، بينما تقل كمية المنتجات المحلية المتاحة أمام المستهلكين.
وتشير منظمة "الفاو" إلى حجم الخسائر التي لحقت بالنظام الزراعي والغذائي في قطاع غزة؛ إذ قدّر تقييم سريع للأضرار والاحتياجات، نُشر في أبريل/نيسان 2026، أضرار النظام الزراعي والغذائي بنحو 1.44 مليار دولار، إضافة إلى خسائر تُقدّر بنحو 1.46 مليار دولار.
وتكشف هذه الأرقام أن الضرر لم يقتصر على تدمير الأراضي أو فقدان موسم زراعي، إنما طال منظومة إنتاج متكاملة تشمل الموارد الزراعية ووسائل الإنتاج والعمالة وسلاسل التوريد والتسويق، ما يجعل تعافي القطاع أكثر تعقيدًا من مجرد إعادة زراعة الأراضي المتضررة.

شحّ المحاصيل يرفع الأسعار
ومع انكماش الإنتاج المحلي، تصبح الأسواق أكثر عرضة للنقص والتقلبات؛ إذ يمكن لأي تراجع في المعروض من محصول معين أن يدفع أسعاره إلى الارتفاع، وتتضاعف الضغوط مع ارتفاع تكاليف الوقود والنقل، ونقص مستلزمات الإنتاج، والصعوبات المرتبطة بإدخال السلع والمدخلات الزراعية إلى القطاع.
وينعكس هذا التراجع مباشرة على المستهلك، الذي يواجه أسعارًا أعلى وتنوّعًا أقل في المنتجات المحلية، فيما باتت السلع الزراعية المستوردة تشكل بديلًا عن جزء من الإنتاج المحلي؛ إذ مع ارتفاع تكاليف إدخال هذه المنتجات ونقلها وتوزيعها، تصل إلى الأسواق بأسعار تثقل كاهل الأسر، في وقت تتراجع فيه قدرتها الشرائية وتتسع الفجوة بين احتياجاتها الغذائية وما تستطيع تأمينه.

الضرر يطاول كل مقومات الزراعة
ويحذر الناطق باسم وزارة الزراعة في غزة، محمد أبو عودة، من أنّ تراجع الإنتاج الزراعي لا يقتصر أثره على المزارعين، بل يمتد إلى السوق والمستهلك، موضحًا أن تدمير مساحات واسعة من الأراضي وصعوبة الوصول إلى أخرى حرم آلاف المزارعين من مصدر دخلهم وأضعف قدرتهم على مواصلة الإنتاج.
ويشير أبو عودة لـ "بوابة الهدف" إلى أنّ الأضرار طالت التربة ومصادر المياه والآبار وشبكات الري والمنشآت الزراعية، ما يجعل استعادة النشاط الزراعي أكثر صعوبة، خاصة مع ارتفاع أسعار البذور والأسمدة والوقود والمعدات وتراجع القدرة على تسويق المحاصيل.
ويضيف أنّ تقلص الإنتاج المحلي يؤدي إلى انخفاض المعروض وتراجع تنوع المنتجات وارتفاع أسعار بعض المحاصيل، ما يضع المستهلك أمام خيارات أقل وتكاليف أعلى، ويزيد اعتماد الأسر على السلع الواردة والمساعدات.

محاولات للحفاظ على الإنتاج
ومع تقلص المساحات المتاحة للزراعة، يحاول المزارعون استغلال كل قطعة أرض قابلة للزراعة، مهما كانت محدودة، في محاولة للحفاظ على الإنتاج المحلي والمساهمة في تأمين الغذاء للسكان.
وفي بعض المناطق، اتجه مزارعون إلى زراعة محاصيل سريعة الإنتاج ضمن مساحات صغيرة، فيما لجأ آخرون إلى إنتاج الشتلات وحفظ البذور المحلية، باعتبارها وسائل تساعد على استمرار النشاط الزراعي في ظل نقص مستلزمات الإنتاج وصعوبة الحصول عليها.
وتبرز ضمن هذه المحاولات مبادرات لحفظ البذور المحلية وإنشاء بنوك صغيرة لها، بهدف حماية الأصناف الزراعية المتوارثة وإعادة استخدامها في مواسم لاحقة، بما يتيح للمزارعين الحفاظ على جزء من قدرتهم على الإنتاج وتقليل اعتمادهم على المدخلات الزراعية القادمة من الخارج.
البذور.. حفظ ما تبقى للمستقبل
في هذا السياق، يوضح المزارع سلامة مهنا أنّ فكرة إنشاء بنك للبذور المحلية جاءت في ظل تراجع القدرة على الحصول على البذور ومستلزمات الإنتاج الزراعي، باعتبارها محاولة للحفاظ على الأصناف المحلية وعدم فقدانها، وضمان وجود مخزون يمكن الاستفادة منه في المواسم المقبلة.
ويقول مهنا في حديث إلى "بوابة الهدف" إنّ المزارعين باتوا يحاولون جمع وحفظ بذور المحاصيل التي ما تزال قادرة على الإنتاج، بدل الاعتماد الكامل على شراء بذور جديدة في كل موسم. وتشمل هذه الجهود أصنافًا محلية اعتاد المزارعون زراعتها على مدار سنوات، وتمثل جزءًا من التنوع الزراعي في القطاع.
ويشير مهنا إلى أن بنك البذور يوفر بديلًا للمزارعين في ظل ارتفاع أسعار المدخلات وصعوبة توفيرها، عبر إعادة استخدام البذور المحفوظة في مواسم لاحقة، بما يخفف الأعباء ويساعد على استغلال المساحات المتاحة، مؤكدًا أنّ حفظ البذور المحلية لا يحمي إنتاج الموسم الحالي فقط، بل يحافظ على أصناف يمكن الاعتماد عليها مستقبلًا لاستعادة الزراعة وتوسيع الإنتاج.
إعادة الزراعة تبدأ من حماية الأرض
بدوره، يحذر المهندس والخبير البيئي نزار الوحيدي من أن تضرر الأراضي الزراعية في غزة لا يعني خسارة المحاصيل فقط، بل يهدد مصدرًا أساسيًّا للغذاء والدخل، ويضعف قدرة المزارعين على الاستمرار.
ويوضح الوحيدي في حديثه إلى "بوابة الهدف" أنّ تضرر الأراضي ومصادر المياه وشبكات الري والمنشآت الزراعية يجعل استعادة الإنتاج بحاجة إلى وقت وإمكانات كبيرة، فيما ينعكس تراجع المحاصيل على الأسواق من خلال انخفاض المعروض وارتفاع أسعار بعض المنتجات، إلى جانب فقدان فرص عمل مرتبطة بالزراعة.
ويؤكد أن حماية الأراضي المتبقية وإعادة تأهيل المتضرر منها، إلى جانب توفير المياه ومستلزمات الإنتاج ودعم المزارعين، تمثل أساسًا لاستعادة النشاط الزراعي وتعزيز قدرة غزة على تأمين جزء من احتياجاتها الغذائية محليًّا.
وفي ظل اتّساع حجم الضرر، تبدو استعادة الزراعة في غزة مسارًا طويلًا لا يبدأ من الأرض وحدها، إنما من إعادة بناء منظومة الإنتاج كاملة؛ من المياه والبذور والمدخلات، إلى البيوت البلاستيكية والمعدات والأسواق.
وبينما يحاول المزارعون الحفاظ على ما تبقى من قدرتهم على الزراعة، فإن حماية الأرض والإنتاج المحلي تبقى جزءًا أساسيًّا من قدرة الأسر على تأمين الغذاء والدخل، ومن قدرة القطاع على التعافي مستقبلًا.

