لم يكن شهر آب/أغسطس 2026 شهرًا عاديًا في المشهد الفلسطيني، إذ بدا أن الصراع انتقل من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا: حربٌ لم تتوقف تمامًا، ووقف إطلاق نار لم يتحول إلى مسار سياسي مستقر، ومفاوضات تدور حول مستقبل قطاع غزة وسلاح المقاومة والانسحاب الإسرائيلي، بالتوازي مع تسارع المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية ومحاولات الاحتلال إعادة صياغة الواقع السياسي والجغرافي هناك.
وفي المقابل، واصلت الساحة الفلسطينية البحث عن صيغة جديدة لإدارة غزة، في ظل إعلان حركة حماس سابقًا حلّ جهازها الحكومي وتسليم الصلاحيات الإدارية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، فيما تحركت قوى فلسطينية باتجاه ترتيبات سياسية وانتخابية جديدة.
لكن هذه التحولات بقيت محكومة بسؤال جوهري: من يملك القرار الفلسطيني، ومن يحدد شكل النظام السياسي والأمني في مرحلة ما بعد الحرب؟
غزة: وقف إطلاق نار على حافة الانهيار
كان التطور السياسي الأبرز خلال آب هو تعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
فقد حاولت الإدارة الأميركية، عبر مبعوثها نيكولاي ملادينوف ثم جاريد كوشنر، دفع الأطراف نحو تنفيذ خارطة طريق تقوم على نزع سلاح حركة حماس تدريجيًا، وانسحاب إسرائيلي متدرج، ونشر قوة استقرار دولية، وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية والإدارية في القطاع.
لكن العقدة الأساسية بقيت في ترتيب الخطوات. فحركة حماس أبدت استعدادًا مبدئيًا للمضي في مسار يؤدي إلى تفكيك قدراتها العسكرية ضمن ترتيبات متدرجة ومضمونة، بينما تمسكت حكومة بنيامين نتنياهو بأن الانسحاب الإسرائيلي لا يمكن أن يبدأ قبل نزع سلاح حماس بصورة كاملة. وقد أكد نتنياهو في 9 آب رفضه للانسحاب قبل تحقيق هذا الشرط.
وفي منتصف الشهر، لم يتمكن لقاء نتنياهو مع كوشنر من إحداث اختراق حقيقي، رغم تشكيل مجموعتي عمل لبحث نزع السلاح وإعادة تشكيل الواقع الأمني في القطاع. وبدا أن الطرفين متفقان على العنوان العام، لكنهما مختلفان جذريًا على التسلسل: هل يبدأ الانسحاب بالتوازي مع نزع السلاح، أم يكون الانسحاب نتيجة نهائية لنزع السلاح؟
وبذلك تحولت المرحلة الثانية إلى ساحة صراع سياسية لا تقل أهمية عن الميدان. فدولة الاحتلال تريد استخدام ملف السلاح لضمان بقاء نفوذها الأمني، بينما ترى حماس أن أي نزع للسلاح دون انسحاب للاحتلال، وضمانات سياسية وأمنية سيحوّل الاتفاق إلى آلية لإعادة إنتاج الاحتلال بشروط جديدة.
الميدان لم يهدأ
على الرغم من الحديث المتواصل عن وقف إطلاق النار، لم تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة. فقد سجلت الأمم المتحدة خلال آب استمرار الغارات والقصف وإطلاق النار، فيما بقي معظم سكان القطاع في ظروف نزوح قاسية، مع تركز غالبية السكان في مساحة محدودة غرب ما يعرف بالخط «الأصفر».
وفي النصف الثاني من الشهر تصاعد التوتر حول الطائرات الورقية والبالونات التي ظهرت قرب الحدود. وعلى الرغم من إعلان جيش الاحتلال أن بعض الطائرات الورقية التي استعادها لم تحمل مواد خطرة، هدد نتنياهو ووزير حربه كاتس بتوسيع العمليات وشن عمليات اغتيال وتهجير من المناطق التي تنطلق منها هذه الطائرات. وردت حماس بأن الاحتلال يستخدم هذه القضية ذريعة لاستئناف التصعيد.
وتحوّل الأمر سريعًا إلى وقائع ميدانية، إذ أسفرت غارات لجيش الاحتلال في 23 و24 آب عن سقوط عدد من الشهداء الفلسطينيين، بينهم أطفال، كما استمر القصف في مناطق مختلفة من القطاع. وفي 28 آب تحدثت مصادر عن استشهاد خمسة فلسطينيين في ثلاث غارات جديدة.
وهكذا بدا وقف إطلاق النار أقرب إلى «هدنة مسلحة» منه إلى نهاية للحرب؛ فالاحتلال يحتفظ بوجود عسكري وسيطرة على مساحات واسعة، والمقاومة تحتفظ بقدرتها على إحداث تهديدات محدودة.
حماس: انتقال من الحكم إلى إعادة تعريف الدور
سياسيًا، كان قرار حركة حماس حلّ جهازها الحكومي في غزة وتسليم الوظائف الإدارية إلى لجنة وطنية فلسطينية من أهم التحولات التي سبقت شهر آب، لكنه أصبح خلال هذا الشهر جزءًا أساسيًا من النقاش حول مستقبل القطاع.
الحركة بذلك تحاول الفصل بين مسألة الحكم الإداري ومسألة وجودها السياسي والعسكري. فهي أبدت استعدادًا للتخلي عن إدارة المؤسسات المدنية، لكنها لم توافق على أن يؤدي ذلك تلقائيًا إلى إلغاء دورها السياسي أو فرض نزع أحادي لسلاحها.
ومن هنا برزت معادلة جديدة: هل يمكن أن تكون غزة تحت إدارة فلسطينية تكنوقراطية، فيما تبقى القضية السياسية والأمنية موضع تفاوض؟ أم أن المطلوب إسرائيليًا وأميركيًا هو إعادة تشكيل القطاع بالكامل، بما في ذلك بنيته السياسية والأمنية؟
هذا السؤال سيبقى، على الأرجح، أحد أهم عناوين المرحلة المقبلة.
الحراك الفلسطيني: فتح، حماس، والبحث عن صيغة سياسية جديدة
في الضفة الغربية، لم يكن الحراك الفلسطيني منفصلًا عن التحولات في غزة. فقد شهد آب اتصالات سياسية مرتبطة بإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وبخاصة في ظل التحضير للانتخابات الفلسطينية المقبلة.
وبرز خلال الشهر حديث عن اتصالات بين حركة فتح والتيار المرتبط بمحمد دحلان، بما يعكس أن مرحلة ما بعد الحرب بدأت تفرض إعادة تشكيل التحالفات الفلسطينية. وفي 25 آب ظهرت تقارير إعلامية وجود محادثات بين فتح والتيار المحسوب على دحلان، في سياق الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية.
وكان مؤتمر فتح الثامن الذي عقد في أيار قد أعاد تثبيت محمود عباس رئيسًا للحركة، مع انتخاب لجنة مركزية جديدة، في خطوة هدفت إلى إعادة تنظيم الحركة في مرحلة شديدة الحساسية.
لكن المشكلة الفلسطينية لا تتعلق فقط بمن سيتولى إدارة غزة أو من سيفوز في الانتخابات، بل بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني نفسه. فاستمرار الانقسام بين الضفة وغزة، وغياب إطار وطني جامع لإدارة الصراع مع الاحتلال، يترك الساحة مفتوحة أمام مشاريع إسرائيلية وأميركية لإعادة تعريف القضية الفلسطينية وفق شروط خارجية.
الضفة الغربية: الاحتلال يغيّر قواعد اللعبة
إذا كانت غزة قد شهدت خلال آب صراعًا على شكل نهاية الحرب، فإن الضفة الغربية شهدت صراعًا على شكل المستقبل الفلسطيني نفسه.
فقد واصل الاحتلال عملياته العسكرية والاعتقالات والاقتحامات، بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم ومصادرة الأراضي وتقييد حركة الفلسطينيين. وفي مخيم قلنديا وحده نفذت قوات الاحتلال في 5 و6 آب عملية واسعة استمرت نحو 48 ساعة، وأصيب خلالها 51 فلسطينيًا، فيما تحدثت الأمم المتحدة عن اعتقال واستجواب نحو 150 فلسطينيًا خلال العملية.
كما وثقت الأمم المتحدة عشرات اعتداءات المستوطنين خلال الأسابيع الأولى من الشهر، بينما استمرت القيود المفروضة على الحركة في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس.
لكن الأخطر من الأرقام اليومية هو التحول في طبيعة العلاقة بين الاحتلال والضفة. فدولة الاحتلال لم تعد تتعامل مع الاستيطان بوصفه مشروعًا هامشيًا، وإنما باعتباره جزءًا من إعادة بناء السيطرة على الأرض.
وفي 21 آب أصدرت ثماني دول عربية وإسلامية بيانًا رفضت فيه مخطط منطقة E1 الاستيطاني، معتبرة أنه يمثل تصعيدًا في مشروع الاستيطان والضم، ويهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
من الإدارة العسكرية إلى الضم الفعلي
خلال آب تزايدت المؤشرات على انتقال إسرائيل من إدارة الضفة كأرض محتلة إلى محاولة دمج أجزاء واسعة منها في منظومة السيطرة الإسرائيلية المدنية.
وتزامن ذلك مع خطوات متراكمة خلال الأشهر السابقة، بينها نقل صلاحيات في مناطق من الضفة إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية، وتوسيع صلاحيات المستوطنين، وتمويل إنشاء مستوطنات جديدة. وكانت حكومة نتنياهو قد أقرت في تموز ميزانية بقيمة ٣٥٠مليون دولار لإنشاء 34 مستوطنة جديدة، مع تخصيص أكثر من ٣٠٠ مليون دولار إضافية للبنية التحتية المرتبطة بها.
وهذه الإجراءات لا يمكن فصلها عن الأزمة السياسية. فدولة الاحتلال تتجه إلى انتخابات في 27 تشرين الأول، ويخوض اليمين المتطرف معركة وجود سياسية، فيما يحاول نتنياهو الحفاظ على ائتلافه ومنع انهياره.
نتنياهو بين واشنطن واليمين
أظهر آب أن نتنياهو يقف بين ضغطين متناقضين: ضغط أميركي يريد تثبيت اتفاق غزة ومنع العودة إلى الحرب، وضغط داخلي من اليمين الديني والقومي يرفض أي تنازل للفلسطينيين.
ويظهر ذلك بوضوح في أزمة بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية وزعيم الصهيونية الدينية، الذي يواجه أزمة انتخابية حقيقية قبل انتخابات تشرين الأول. وتشير استطلاعات إلى أن حزبه قد يواجه خطر عدم تجاوز نسبة الحسم، الأمر الذي يدفعه إلى التشدد في ملف الاستيطان والضم من جهة، والحفاظ على موقعه داخل ائتلاف نتنياهو من جهة أخرى.
وبذلك أصبحت الحرب على غزة، والاستيطان في الضفة، جزءًا من المعركة الانتخابية الإسرائيلية. ولم يعد السؤال بالنسبة لليمين فقط كيف تنتهي الحرب، وإنما كيف يمكن تحويل نتائجها إلى واقع سياسي دائم.
التصعيد العسكري الأخطر: جنين
وفي 28 آب، شهدت الضفة تطورًا نوعيًا عندما نفذ الاحتلال غارة جوية نادرة قرب جنين، أدت إلى استشهاد ثلاثة مقاومين فلسطينيين، بينهم قيس البيطاوي.
وأكدت حماس والجهاد الإسلامي صلة البطاوي بهما، بينما تحدث الهلال الأحمر عن عرقلة وصول الطواقم الطبية إلى موقع الغارة.
هذه العملية تحمل دلالة تتجاوز عدد ضحاياها؛ فإعادة استخدام الغارات الجوية في الضفة يعني أن الاحتلال يرفع مستوى الأدوات العسكرية المستخدمة فيها، ويقترب من تحويل الضفة إلى ساحة عمليات مفتوحة شبيهة، في بعض جوانبها، بما شهدته خلال الانتفاضات السابقة.
وفي الوقت ذاته، أعلن جيش الاحتلال تنفيذ عشرات الاعتقالات في الضفة خلال الأسبوع الأخير من آب، مستهدفًا من وصفهم بعناصر حماس والجهاد الإسلامي وحاملي السلاح والمقاومين والمحرّضين.
الخلاصة: شهر إعادة ترتيب الصراع
يمكن قراءة آب 2026 بوصفه شهرًا لإعادة ترتيب الصراع مع الاحتلال، وليس شهرًا للانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب.
في غزة، لم تنته الحرب، وإنما تغير شكلها. وفي الضفة، لم يتراجع الاحتلال، وإنما انتقل خطوة أخرى نحو تثبيت السيطرة والاستيطان والضم. وفي الساحة الفلسطينية، بدأ نقاش ما بعد حماس الحكومية في غزة، لكنه لم يصل إلى مصالحة وطنية شاملة أو صيغة سياسية موحدة.
أما دولة الاحتلال، فتبدو منشغلة بإدارة التناقض بين متطلبات التسوية التي تضغط بها واشنطن، ومتطلبات اليمين الذي يرى في أي انسحاب من غزة أو تراجع في الضفة تهديدًا للمشروع الصهيوني.
ولعل المفارقة الأساسية في مشهد آب هي أن الحديث الدولي بات أكثر تركيزًا على «نزع سلاح حماس» ومستقبل غزة، بينما تتقدم على الأرض عملية أخرى أقل صخبًا ولكنها أكثر خطورة على المدى البعيد: إعادة تشكيل الضفة الغربية بحيث يصبح قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا وسياسيًا أكثر صعوبة.
من هنا، فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط حول ما إذا كانت الحرب في غزة ستعود أم لا، بل حول السؤال الأكبر: أي فلسطين ستبقى بعد هذه الحرب؟
فإذا نجحت دولة الاحتلال في تحويل الحرب إلى واقع دائم من السيطرة الأمنية في غزة، والضم والاستيطان في الضفة، فإن ما يجري لن يكون مجرد تسوية مؤقتة للحرب، بل إعادة رسم للخريطة السياسية الفلسطينية برمتها.
أما إذا تمكن الفلسطينيون من تحويل الانقسام إلى مسار لإعادة بناء منظمة التحرير والنظام السياسي، وربط غزة بالضفة ضمن مشروع وطني واحد، فقد يصبح وقف الحرب بداية لمعركة سياسية مختلفة: معركة استعادة القضية من مشاريع الإدارة والوصاية والتقسيم، وإعادتها إلى جوهرها باعتبارها قضية شعب واقع تحت الاحتلال، وحقه في التحرر وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.

