Menu

تقريرأزمة السيولة تغيّر عادات الغزيين.. الدفع الإلكتروني بديلًا عن الكاش

كريمة شهاب

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

ورقة نقدية في يد مواطن لا تكفي لإتمام عملية شراء، وتاجر يفضّل تحويل المبلغ إلكترونيًّا على استلامه نقدًا؛ مشاهد باتت تتكرر في أسواق غزة، حيث لم تعد أزمة السيولة تعني ندرة المال فقط، بل صعوبة تحريك المال واستخدامه.

خلال الحرب، ومع صعوبة إدخال النقد الجديد إلى القطاع، تراجعت جودة جزء من الأوراق المتداولة، واشتدت أزمة العملات المعدنية، فيما أصبح تصريف بعض النقود أكثر صعوبة. وفي المقابل، اتسع اللجوء إلى المحافظ والتطبيقات الإلكترونية لإتمام عمليات البيع والشراء وتجاوزِ جزءٍ من هذه العقبات.

لكن انتقال التعاملات من الجيب إلى الهاتف لا يلغي الأزمة؛ فالدفع الإلكتروني نفسه تحكمه حدود وشروط، كما أن الوصول إليه ليس متاحًا لجميع المواطنين بالقدر ذاته. وبين كاش يصعب تداوله ودفع إلكتروني تحكمه قيود، تُعيد الأسواق في غزة تشكيل عاداتها المالية تحت ضغط واقع فرضته الحرب.

من البحث عن الكاش إلى البحث عمّن يقبله

بالنسبة إلى أماني نصر، التي تتقاضى راتبها نقدًا، لم يعد الحصول على المال نهاية المشكلة، بل بداية معاناة أخرى تبدأ عند محاولة إنفاقه.

تقول أماني إن شراء الاحتياجات الأساسية أصبح أكثر صعوبة؛ إذ تجد نفسها في كل مرة تحمل فيها النقود لتدفع للتاجر، أمام خيارين: إما البحث عن متجر آخر يقبل الدفع نقدًا، أو مغادرة المكان دون شراء احتياجاتها.

وتوضح في حديثها لـ"بوابة الهدف": "لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بالأوراق النقدية القديمة أو المهترئة التي يتحفّظ بعض التجار على استلامها، إنما تمتد أحيانًا إلى أوراق نقدية جديدة وسليمة، لا تضمن لصاحبها قبولها عند الدفع".

وتقول: "إن امتلاك المال نقدًا لم يعد يعني بالضرورة القدرة على استخدامه، في ظل الانتشار المتزايد للتحويلات المالية واعتماد عدد أكبر من المحال التجارية على الدفع الإلكتروني. فالمشكلة لم تعد في شكل الورقة النقدية، إنما في قبول النقود نفسها، وهو ما يدفع المواطن إلى البحث عن مكان يستطيع فيه استخدام ما بحوزته من مال".

ولا تتوقف الصعوبات عند التعامل مع التجار، بحسب أماني؛ إذ تواجه بعض المواطنين مشكلات في الوصول إلى الخدمات المصرفية وفتح الحسابات، بسبب عدم قبول بعض الوثائق الثبوتية الجديدة التي صدرت خلال الحرب لدى الجهات المصرفية، ما يزيد صعوبة الانتقال إلى النظام الإلكتروني بالنسبة لمن لا يملكون حسابات أو محافظ مالية.

وهكذا، يجد نفسَهُ المواطنُ الذي يتلقى دخله نقدًا أمام معادلة جديدة: المال موجود في يده، لكن الوصول به إلى احتياجاته لم يعد أمرًا مضمونًا.

الكاش المهترئ.. مال موجود لكن يصعب تداوله

في سوق الشيخ رضوان، يعيش البائع جميل مرتجي الأزمة من الجهة الأخرى. فالتحدي بالنسبة إليه لا يقتصر على توفير البضائع أو التعامل مع الأسعار، بل يمتد إلى كيفية تحصيل ثمن ما يبيعه وإعادة المبلغ المتبقي إلى الزبائن.

يقول مرتجي: "إن التحول إلى الدفع الإلكتروني لم يكن قرارًا مفاجئًا أو بحثًا عن وسيلة أكثر حداثة، إنما جاء تدريجيًّا، استجابة لمشكلة يومية باتت تتكرر خلال ساعات العمل، وهي نقص "الفكة".

فقد يشتري الزبون سلعة بمبلغ أقل من القيمة النقدية التي يحملها، لكن التاجر قد لا يجد الفئات الصغيرة اللازمة لإعادة الباقي. ومع ندرة العملات المعدنية، تصبح الأوراق النقدية القديمة أو المهترئة أحد البدائل الممكنة، إلا أن بعض الزبائن يرفضون استلامها".

ويشير مرتجي إلى أن هذه المواقف تتكرر بصورة مستمرة، وقد تتحول من تفصيل بسيط إلى عائق أمام إتمام عملية البيع، خصوصًا مع تعدد المعاملات الصغيرة خلال اليوم.

أمام هذه المشكلة، وجد مرتجي في الدفع الإلكتروني وسيلة لتجاوز أزمة "الفكة"؛ إذ يستطيع تسجيل القيمة الفعلية للمشتريات والحصول على المبلغ المحدد دون الحاجة إلى البحث عن عملات معدنية أو فئات صغيرة لإعادة الباقي.

ويضيف: "خفف الدفع الإلكتروني جزءًا من هذه المشكلة، لكنه لم ينهِ المتاعب المرتبطة بالمعاملات المالية، بل نقلها إلى جانب آخر يتعلق بالحدود المفروضة على المحافظ والتطبيقات الإلكترونية".

حين تنتقل أزمة السيولة إلى الهاتف

بحسب مرتجي، لا يمكن استخدام المحافظ الإلكترونية بصورة مفتوحة في جميع الأوقات؛ إذ تفرض بعض الخدمات حدودًا على قيمة العمليات المالية التي يمكن تنفيذها يوميًّا أو شهريًّا.

وتظهر هذه المشكلة بصورة أكبر لدى أصحاب البسطات والتجار الذين يجرون عددًا كبيرًا من المعاملات الصغيرة خلال اليوم. فمع تراكم التحويلات، قد يصل التاجر إلى السقف المسموح به، ليجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن وسيلة أخرى لاستكمال معاملاته.

وبذلك، يجد التجار أنفسهم أمام نظامين لكل منهما مشكلاته؛ فالنقد الورقي يتيح الدفع المباشر، لكنه يعاني من أزمة "الفكة" وصعوبة تصريف بعض الفئات، بينما يوفر الدفع الإلكتروني دقة أكبر في قيمة المعاملة ويخفف الحاجة إلى النقود المعدنية، لكنه يتطلب امتلاك وسيلة دفع إلكترونية ويخضع لحدود تشغيلية.

اضطراب في دورة الأموال

يرى الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما يحدث يتجاوز مجرد تغيير في طريقة الدفع، ويعكس اضطرابًا أوسع في دورة الأموال داخل السوق.

ويقول، في حديثه لـ"بوابة الهدف": "إن ظروف الحرب وتراجع التعامل بالنقد الورقي، بالتوازي مع توسع استخدام المحافظ والتطبيقات الإلكترونية، أدت إلى تغيرات واضحة في حركة الأموال داخل القطاع".

ويوضح أن رفض بعض التجار للنقود لم يعد مرتبطًا فقط بحالة الورقة النقدية، كما كان يحدث مع الأوراق القديمة أو المهترئة، بل أصبح يشمل أحيانًا أوراقًا جديدة وسليمة، نتيجة تراجع الثقة بقدرة التاجر على تصريف هذه النقود واستخدامها في معاملاته اللاحقة.

ويشرح أبو قمر: "لا ينظر التاجر إلى المال الذي يحصل عليه باعتباره ثمنًا للسلعة فقط، بل جزءًا من دورة مالية يُفترض أن تستمر؛ فهو يستخدمه لاحقًا لشراء البضائع، أو دفع أجور العاملين، أو الوفاء بالتزاماته.

لكن عندما تصبح بعض النقود صعبة التصريف، تتوقف عند هذه الحلقة بدلًا من الانتقال إلى الحلقة التالية، ما يحدُّ من حركة الأموال داخل السوق".

"الفكة".. أزمة داخل أزمة السيولة

لا تتوقف المشكلة عند الأوراق النقدية، وفق أبو قمر؛ إذ أصبحت الفئات الصغيرة والعملات المعدنية جزءًا أساسيًّا من أزمة السيولة.

فقد يجد المواطن نفسه مضطرًّا إلى شراء سلعة إضافية لا يحتاج إليها، فقط لأن التاجر لا يملك المبلغ المتبقي لإعادته، أو لأن الطرفين لا يجدان فئات نقدية صغيرة تكفي لإتمام المعاملة.

ويشير أبو قمر إلى أن نقص "الفكة" لا يعطل بعض عمليات البيع والشراء فحسب، بل يقلل أيضًا من قدرة النقد الموجود فعليًّا في السوق على أداء وظيفته، ويجعل المعاملات اليومية أكثر تعقيدًا.

ويصف جزءًا من الأموال النقدية الموجودة بين أيدي المواطنين والتجار بأنه يشبه "شيكًا خاملًا"، أي أموالًا موجودة فعليًّا، لكنها لا تتحرك بالسرعة المطلوبة داخل السوق ولا تعود بسهولة إلى دورة التداول، سواء بسبب صعوبة تصريف بعض الأوراق النقدية أو نتيجة نقص الفئات الصغيرة.

أموال موجودة.. لكنها لا تتحرك

يحذر أبو قمر من أن بقاء جزء من الأموال خارج الدورة الطبيعية للتداول لا يقتصر أثره على المواطن الذي يحملها ولا يستطيع شراء حاجته، إنما ينعكس على السوق بأكمله من خلال تقليص السيولة الفعلية المتاحة للحركة.

ويشرح أن "الدورة المالية في الظروف الطبيعية تقوم على انتقال المال بين أطراف متعددة؛ يحصل المواطن على دخله، وينفقه لدى التاجر، ثم يستخدم التاجر هذه الأموال في شراء بضاعة جديدة، أو دفع أجور العاملين، أو الوفاء بالتزاماته، لتستمر الدورة".

أما عندما تتعطل النقود عند المواطن أو التاجر بسبب صعوبة استخدامها أو تصريفها، فإن التعطل لا يبقى محصورًا في المعاملة نفسها، إنما يمتد إلى المعاملات التي تليها.

ويرى أن هذه الحالة قد تزيد من حالة الركود في السوق، خصوصًا في ظل المشكلات التي أصابت الحركة المصرفية وتجميد جزء من الحسابات البنكية.

الدفع الإلكتروني.. حلٌّ يفتح فجوة جديدة

يرى أبو قمر أن التوسع في الدفع الإلكتروني جاء، في جانب منه، استجابة لهذه الاختلالات؛ إذ وفّر وسيلة أكثر سهولة لإتمام عدد من المعاملات، لكنه في الوقت نفسه يحمل مشكلة أخرى، تتمثل في عدم تساوي قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات المالية الرقمية.

ففي الوقت الذي يستطيع فيه مواطن يمتلك هاتفًا وحسابًا أو محفظة إلكترونية إتمام مشترياته بتحويل مالي، قد يجد مواطن آخر لا يملك سوى النقد الورقي نفسَه عاجزًا عن استخدام أمواله في بعض المحال التجارية.

ويحذّر أبو قمر من أن "استمرار الاعتماد على الدفع الإلكتروني مع بقاء أزمة النقد الورقي والفئات الصغيرة دون معالجة قد يخلق فجوة مالية داخل المجتمع؛ بين من يستطيع الوصول إلى الخدمات الرقمية ومن يظل معتمدًا على الكاش".

وبذلك، يصبح التحول الرقمي في التعاملات المالية حلًّا لمشكلة، لكنه قد ينتج مشكلة أخرى إذا لم يكن متاحًا لجميع المواطنين بصورة متساوية.

من حل مؤقت إلى نمط جديد

ولا يرى أبو قمر أن التحول نحو الدفع الإلكتروني مجرد إجراء مؤقت فرضته ظروف الحرب، بل يعتقد أن "الاعتماد المتزايد عليه بدأ يتحول تدريجيًّا إلى نمط جديد في التعاملات داخل قطاع غزة".

فالمواطن الذي اعتاد دفع ثمن مشترياته عبر الهاتف، والتاجر الذي وجد في التحويل الإلكتروني وسيلة للتخلص من أزمة "الفكة"، قد يستمران في استخدام هذه الوسيلة حتى بعد انتهاء الظروف التي دفعت إليهما.

لكن استمرار هذا التحول، بحسب أبو قمر، لا يعني الاستغناء عن النقد الورقي، إنما يتطلب معالجة المشكلات التي تعطل دورة الأموال في القطاع، بما يضمن وجود أكثر من وسيلة دفع فعالة وقابلة للاستخدام.

معادلة مالية جديدة في أسواق غزة

بين مواطن يحمل راتبه نقدًا ويبحث عن متجر يقبله، وتاجر يحاول تجاوز أزمة "الفكة"، تتشكل في أسواق غزة معادلة مالية جديدة. لم يعد السؤال ببساطة: "هل أملك المال؟"، بل أصبح: "هل أستطيع استخدامه؟".

ويؤكد أبو قمر أن "معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على تغيير وسيلة الدفع، إنما تحتاج إلى معالجة أوسع للدورة النقدية والمصرفية، بما يشمل إعادة الثقة إلى النقود المتداولة، وتوفير الفئات النقدية الصغيرة، وضمان قدرة النقد على أداء وظيفته إلى جانب وسائل الدفع الإلكترونية".

فالمشكلة في النهاية ليست في الورقة النقدية وحدها، ولا في التطبيق الإلكتروني وحده، وإنما في دورة مالية اختلّت حلقاتها بفعل ظروف الحرب والقيود المفروضة على حركة الأموال، لتنعكس بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية للغزيين في ظل الحصار المفروض على القطاع.

وبينما يبحث المواطن عن مكان يقبل ماله، ويبحث التاجر عن وسيلة تضمن استمرار معاملاته، تواصل أسواق غزة التكيف مع واقع مالي جديد، قد لا ينتهي بانتهاء الأزمة، بل يترك أثره على الطريقة التي يتعامل بها الغزيون مع المال في المستقبل.