Menu

حوار مع الروائي قاسم توفيق

بسّام عليّان

نشر في مجلة الهدف العدد (86) (1560)

ليس قاسم توفيق روائيًا يمرّ على الواقع مرور العابرين؛ إنه يقترب منه حتى يلامس نبضه، ثم يعود منه محمّلًا بشخصياته وأسئلته وقلقه الإنساني.

روائيّ جدليّ؛ يكفي أن يطلّ بعمل جديد حتى تبدأ عاصفة النقاش، ويترك الآخرين يتحدثون طويلًا، ثم يظهر هو شاهراً سلاحه الحقيقي: الفكر.

لغته حصيفة، لكنها ليست متعالية؛ عميقة، لكنها لا تتزيّن بالاستعراض. يكتب من المنطقة التي تلتقي فيها الفكرة بالعاطفة، وحيث تتحول الشخصيات من مجرد كائنات روائية إلى أرواح تمشي بيننا، تشبهنا أحيانًا، وتفضحنا أحيانًا أخرى.

يجوب قاسم توفيق أزقة الواقع، يلتقط شخصياته من الشارع والحياة والذاكرة، ثم يترك لها حرية الحركة داخل فضاء الرواية؛ غير أنه، بخياله الواسع، يعيد تشكيلها ويمنحها أبعادًا جديدة، قبل أن يكتشف أنه هو الآخر يتعلم منها.

ولعل عبارته: «الكتابة هي الشيء المريح الأكثر قيمة في حياتي»، تختصر شيئًا من علاقته الاستثنائية بالكتابة؛ فهي عنده ليست مهنةً فحسب، ولا ترفًا ثقافيًا، بل مساحة للعيش والتأمل واكتشاف الذات والعالم.

وفي حواره مع «الهدف»، يفتح قاسم توفيق نوافذ متعددة على تجربته، ويتحدث بصراحة عن أحلامه ومشاريعه المقبلة، حتى يصل به الطموح الإبداعي إلى القول:

«إذا تُرجمت أعمالي الأدبية إلى لغات عالمية فسأصل إلى جائزة نوبل للآداب».

ثم يضيء جانبًا آخر من فلسفته في بناء الشخصيات، قائلًا:

«لا أكتب عن الأبطال.. كلهم شخوص أعيد تشكيلهم من الواقع.. يأخذون مني ويعلّمونني أفكارًا وفلسفة».

بين الجملة والجملة، يبدو الروائي هنا كمن لا يكتب عن الحياة من الخارج، بل يدخل إليها حتى العظم؛ يصغي إلى أصواتها، يلتقط تناقضاتها، ثم يعيد تقديمها في مرآة الرواية.

ويدخل القارئ إلى الحوار لا بوصفه مجرد أسئلة وأجوبة مع روائي، بل بوصفه رحلة في عقل كاتب يرى العالم مادةً أولى للرواية، ويرى الإنسان سؤالها الأبقى.

.1- وُلدتم في جنين الفلسطينية، وكتبتم معظم أعمالكم في الأردن. كيف تصالح الكاتب في داخلكم مع هذه الهوية المركبة بين الوطن والمنفى؟

دعني في البداية أبوح لك بسر؛ سبق ولمحت إليه في رواياتي، وفي حوارات أجريت معي، بصورة غير مباشرة، فالوطن عندي كإنسان وككاتب، شيء ملتبس، لا أراه على أساس المفهوم الذي يحمله البشر عنه منذ قرون طويلة، والذي لا يزيد عن كونه، بقعة جغرافية، يولد فيها الناس وتربطهم أسس، ومفاهيم مشتركة، وذاكرة تاريخية، واحدة، هذا التعريف من وجهة نظري قاصر ولا يتسع لضخامة مفهوم الوطن، الذي اشعلت تحت رايته حروب عالمية قضت على عشرات الملايين من البشر، الوطن إقطاعية توسعت بعد عصر الأقطاع أكثر مع انهيار هذا العصر، على عكس ما تفرضه سيرورة التاريخ، اختلط هذا التوسع بعصر النهضة في القرن الخامس عشر دون أن يتخلى عن مفهوم عصر الأقطاع، لا أريد أن أطيل لكن لتوضيح الفكرة أقول، إن غزو واحتلال دول أوروبا لباقي دول العالم لا يختلف عن غزوات عصور الأقطاع والاستيلاء على أراضي الآخرين الأضعف وإن حدث في العصر الحديث، القرنين الثامن والتاسع عشر. إذاً الوطن لا يعدو سوى اقطاعية دوخها التاريخ والغزو والاحتلال وغربتها الحضارة، فلم تعد سوى كذبة، بل أكبر كذبة في التاريخ، صدقها الفقراء من الناس فقط.

لنعد لسؤالك، فأنا لا أميل لاستعمال كلمة "تصالح" هنا، لأن الفلسطيني لا يتصالح مع المنفى، بل يتعلم كيف يحمله معه. ولدت في مدينة جنين في فلسطين، لأن أبي الذي كان مقتدراً آنذاك، أراد أن تلد زوجته في مستشفى، على عكس السائد، وهو توليد القابلات في البيوت. الصحيح أنه كان يعيش ويعمل في عمان منذ سنوات، عندما جاء ميعاد ولادة أمي، نقلها بسيارته من حي المحطة حيث بيتنا في عمان، لمستشفى "الدكتور خالد مطيع للولادة" في جنين، الذي لم تكن تبعد عن عمان، اكثر من ساعة آنذاك، في اليوم التالي رجع بنا إلى البيت. ما أحب أن أقوله هو أن الانتماء ل فلسطين وللقضية الفلسطينية، ليس مرده لهويتي، بل لإيماني وقناعاتي بقدسية تحرر الشعوب المستعمرة والمستعبدة والمضطهدة في العالم والذي يفرض علي كإنسان أن أكون لجانبهم.

بالتأكيد لم تغادرني فلسطين، حين غادرتها، فقد منحتني الذاكرة الأولى والجرح الأول، أما الأردن فقد منحني فضاء الحياة والكتابة. لذلك لم أشعر يوماً أن هناك تناقضاً بين الهويتين، الأردنية والفلسطينية، لأنهما امتداد لتجربة إنسانية واحدة.

2- تبدو فلسطين في أعمالكم حاضرة بوصفها ذاكرة أكثر منها جغرافيا. هل تؤمنون أن الرواية تستطيع أن تحفظ الوطن حين تعجز السياسة عن ذلك؟

هي كذلك، لكنها ذاكرة مكتظة بالحزن والألم، الجغرافيا ليست هي الخط الأخير لاستقلال الأرض والبشر، حرية الإنسان أكثر قيمة من التراب، قد تعينني بضع كلمات من قصيدة محمود درويش عن راشد حسين، ليست حرفياً، التي يقول فيها؛ (قابلته بعد سنين في القاهرة، قال لي: ليتني كنت طليقاً في سجون الناصرة) ما الأوطان التي نتحدث عنها إذا؟

الرواية تنقذ الإنسان من النسيان فهي ذاكرة أكثر صدقاً من التأريخ، هي لا تحرر الأوطان، لكنها تحمي ذاكرتها، وتمنع تحويلها إلى مجرد خبر في كتاب التاريخ، في حين أن السياسة قد تخسر أرضاً، أو توقع اتفاقاً، أو إعلان استسلام يودي بالوطن وبالرواية إلى الهاوية، وقد يسقطهما في بحر النسيان.

3- في رواية «ليلة واحدة تكفي» جعلتم نكسة حزيران خلفية للسرد، لا موضوعاً مباشراً له. لماذا فضّلتم الإنسان على الحدث السياسي؟

الهزائم السياسية تنتهي، أما آثارها في الإنسان فتبقى لعقود. كنت معنيّاً بما فعلته الهزيمة في الروح العربية، لا بما فعلته في الخرائط. الرواية تبحث عن الإنسان الذي عاش الحدث، لا عن الحدث وحده. ليلة واحدة تكفي" التي وصلت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر، سنة 2023، تحاول الإجابة عن السؤال الكبير وهو؛ "هل من المعقول أن تقف أمة بكاملها على عتبة يوم واحد من تاريخها لا تبارحه لأكثر من نصف قر؟!

4- إلى أي مدى غيّرت هزيمة 1967 مفهومكم للرواية ولمعنى البطولة والهزيمة؟

بعد حزيران لم تعد البطولة عندي مرتبطة بالشعارات، بل بقدرة الإنسان على الصمود، وعلى الحفاظ على إنسانيته رغم الانكسار. في أحيان كثيرة يصبح البقاء نفسه بطولة وتكون الكتابة قتالاً وحرباً ضد الغازي. الرواية العربية بعد كارثة حزيران صارت أقوى من المدافع العربية الصدئة، لذلك صارت تشوه وتحارب بشراسة أقسى من وحشية العدو الصهيوني المحتل.

 

5- هل تعتقدون أن الرواية الفلسطينية والعربية ما زالت أسيرة خطاب الضحية؟

بعضها ما زال كذلك، لكن هناك أعمالاً بدأت تراجع الذات، وتنتقد المجتمع، وتطرح أسئلة مؤلمة. الرواية الحقيقية لا تكتفي باتهام الآخر، بل تحاسب نفسها أيضاً.

6- كيف تنظرون إلى التحولات بعد أوسلو؟

أوسلو لم يغير السياسة فقط، بل غيّر اللغة والأحلام، وحتى شكل الشخصيات الروائية. أصبح الكاتب يواجه أسئلة أكثر تعقيداً عن الهوية، والانقسام، والسلطة، والخيبة. أعظم عثرات أوسلو لم تكن بالاستسلام للعدو ولا بالاعتراف بوجوده، بل بشيء بدا للمفاوضين العرب تافهاً ولا قيمة له، وهو الغاء الإعلام العربي لعبارات مثل، الأراضي المحتلة والعدو الصهيوني واستبدالها باسم إسرائيل. لا أدري إن كان المفاوض العربي ساذجاً لهذه الدرجة، لا يفهم مدى تأثير الأجيال القادمة بإحلال كلمة إسرائيل مكان اسم فلسطين وكيف ستحول هذه الكلمة اسم فلسطين لشيء من الماضي.

7- هل أصبحت الرواية بديلاً عن التاريخ؟

الرواية ليست بديلاً عن التاريخ، لكنها تكشف ما يعجز التاريخ عن قوله. التاريخ يسجل الوقائع، أما الرواية فتكشف دواخل البشر وهم يعيشون تلك الوقائع.

8- . هل غيّرت الجوائز علاقتكم بالنص؟

الجوائز تمنح الكاتب انتشاراً، لكنها لا ينبغي أن تغيّر طريقته في الكتابة. إذا كتب الروائي من أجل الجائزة، فقد خسر الرواية قبل أن يخسر الجائزة. لنكن صريحين، الجوائز حافز مهم للمبدع وقد قدمت الجوائز العربية الكثير من المبدعين للعالم، لا يمكن أن نقف ضد هذا الحافز، بل على العكس يجب أن نطالب بالمزيد، فالكاتب العربي إنسان مأزوم مثل باقي الناس.

 

 

نبذة عن الروائي قاسم توفيق:

روائي وقاص أردني من أصل فلسطيني، ولد عام 1954، وترك خلال مسيرته الإبداعية حضورًا مميزًا في الرواية والقصة العربية، مستندًا إلى واقعية عميقة وحسّ إنساني واضح، مع جرأة في مقاربة المكان والتحولات الاجتماعية والنفسية.

قدّم للمكتبة العربية نحو خمس عشرة رواية، إلى جانب مجموعات قصصية، من أبرزها: «ماري روز تعبر مدينة الشمس» (1985)، «أرض أكثر جمالًا» (1987)، «عمّان ورد أخير» (1992)، «ورقة التوت» (2000)، «الشندغة» (2006)، «حكاية اسمها الحب» (2009)، «البوكس» (2012)، «رائحة اللوز المر» (2014)، «صخب» (2015)، و«نزف الطائر الصغير» (2017)، التي حازت جائزة كتارا للرواية العربية عام 2018.

ومن مجموعاته القصصية المبكرة «آن لنا أن نفرح» (1977)، إلى جانب أعمال قصصية أخرى رافقت تجربته الإبداعية.

ووصلت روايته «ليلة واحدة تكفي» إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية عام 2023.

أما جديده، فلديه روايتان جاهزتان للطباعة، هما «أقتيمار» و«أخرس كثير الكلام»، فيما يعكف حاليًا على كتابة رواية جديدة بعنوان «العائد من السماء»، تتناول غزة، بما تحمله من وجع وأسئلة وذاكرة وحياة معلّقة بين الموت والأمل.