يعد الشاعران محمود درويش وسميح القاسم من أهم الشعراء الفلسطينيين في العصر الحديث، والاثنان ارتبط اسماهما بشعر الثورة والمقاومة، وتصادف ذكرى رحيلهما في شهر آب، حيث سبق محمود درويش سميح القاسم بالموت في التاسع من هذا الشهر عام 2008 في حين رحل سميح القاسم في 19 من آب عام 2014 وقد عُدّت صداقتهما واحدة من أبرز العلاقات الإنسانية والأدبية في الشعر العربي الحديث، وكانت نموذجاً فريداً للشراكة الوطنية والإبداعية، فشكلا معا صورة كاملة للشعر الفلسطيني المقاوم رغم اختلاف أساليبهما التي كانت مصدراً للإثراء المتبادل واستمرار الحوار بينهما إذ ظل القاسم يتحدث عن هذه الصداقة والعلاقة المشتركة بينهما حتى وفاته في 2014، مؤكداً في أحد حواراته أنها علاقة أقوى من الشعر بكثير، وهي ظاهرة إنسانية فريدة في الأدب العربي على الأقل، ومزيج من الحالة الإنسانية.. من هنا، وصفت الأوساط الثقافية هذه العلاقة التي لم تكن علاقة عابرة بالحب الأخوي، بعيداً عن شعور الغيرة، في حين قال عنها سميح القاسم: "صديقان في الأرض والشعب والعمر والشعر، عشنا معا، مثل عائلة واحدة، كنا نختلف على صفحات الصحف، ويعتقد البعض أن دماً سيسيل بيننا. وما إن نلتقي نعانق بعضنا.. لم يكن أحد يستطيع أن يتدخل في علاقتنا.. كان درويش يقرأ لي ما يكتب، وكنت أقرأ له ما أكتب. ونظهر بالمهرجانات معاً، وقد نكون أكثر شاعرين في العالم قرآ معا.. أشك أنه في مكان ما في العالم قرأ شاعران معا مثلما قرأنا أنا ومحمود درويش".
حساسية "شيلي" وعنفوان "بايرون"
ينتمي الشاعران إلى جيل واحد حيث ولد سميح القاسم عام 1939، بينما ولد محمود درويش عام 1941 وكان كلاهما من الجليل في فلسطين، تشاركا في طفولتهما ألم كارثة نكبة 1948، وتشكلت العلاقة الأدبية والسياسية الوثيقة بينهما في فترة الشباب، وكان أول لقاء بينهما حسب القاسم حين قام درويش بزيارته في الرامة، مع مجموعة من الطلاب ليتعرفوا عليه بعد إصداره الديوان الأول "مواكب الشمس" وكان عمره حينها ثمانية عشر سنة. ويذكر القاسم أنهم ناموا عنده، وحينها قال لدرويش: "أنت يا شاب لديك حساسية الشاعر الإنكليزي شيلي"، فرد عليه درويش: "وأنت عندك عنفوان بايرون". وهكذا استمرت علاقتهما التي وصفها درويش: "صداقتنا أقوى من الحب"، وهي العلاقة التي جعلت الكاتب محمد علي طه يطلق عليهما تسمية "شطرا البرتقالة الفلسطينية"، التي كرسها الروائي إميل حبيبي في مقدمته لكتاب "الرسائل" التي جمع فيها رسائلهما المتبادلة بينهما (من أيار 1986 إلى أيار 1988)، وأسماه "الرسائل – محمود درويش وسميح القاسم" الصادر عن دار العودة في بيروت عام 1990، وقد وصفها في مقدمته بأنها الرسائل المتبادلة بين شطري البرتقالة الفلسطينية محمود درويش وسميح القاسم، مشيراً إلى أن هذه الرسائل تستحق الاسم الذي أطلقه عليها الكاتب محمد علي طه "رسائل بين شطري البرتقالة":" لأن صاحبيها يشكلان حقاً شطري، أو شقي البرتقالة الفلسطينية" ، موجهاً حبيبي في مقدمته اللوم على نفسه لأنه لم ينتبه إلى روعة هذه الرسائل التي انشغل عنها بسبب انتفاضة شعبه: "والآن وقد هطلت الحجارة على هذه الصحراء فاستصلحتها فأنمرت تينا وزيتونا، أرى أن هذه الرسائل لم تكن مجرد قطر ات دمع من عيون بخيلة بالدمع، بل مشي حجلان كبيرة تسير وراءها أفراخها قاطعة، بأمان، عرض شارع معبد بالزفت والقطران. أراهما ضجة العصافير شعراً، في سيفونية فجائية تبشر بمقدم الربيع إلى بلداننا".
ويا أخا لم تلده أمي
بينت رسائل درويش والقاسم عمق العلاقة القوية بينهما، وعبرا من خلالها وهي التي اقتربت من أربعين رسالة عن مشاعرهما وأفكارهما ومواقفهما. وقد كان عتاب سميح القاسم لمحمود درويش بعد مغادرته فلسطين عام 1970 هو الموقد الذي أشعل حمى هذه الرسائل، حين كتب درويش للقاسم مبتدئاً سيل الرسائل بينهما: "ما معنى أن يتبادل شاعران الرسائل؟ لقد اتفقنا على هذه الفكرة المغرية منذ أسبوعين في استوكهولم الباردة، وها أنذا أعترف بتقصيري لأنني محروم من متعة التخطيط لمدة سبعة أيام قادمة، فأنا مخطوف دائماً إلى لا مكان آخر.. الآن أشمّر عن عواطفي وأبدأ، لا أعرف من أين أبدأ عملية النظر إلى مرآتنا المشتركة ولكنني سأبدأ لأنضبط، ولأورطك في انضباط صارم.." فيرد القاسم قائلاً: "لقد أحزنني رحيلك أكثر مما أغضبني، كان في رحيلك قسط من الأنانية بقدر ما كان قسط مماثل من الأنانية في سخطي عليك، "قلبي يثور ويزبد / وعلى الحنين يعربد". أننا منذ بداياتنا كنا مكرسين للتماثل والتناقض في آن، التماثل في الوجدان، والتناقض في شكل التعبير عن الوجدان.." واختصر درويش في رسائله الأولى للقاسم طبيعة هذه العلاقة حين كتب قائلاً: "كان كل واحد منا شاهداً على ميلاد الآخر"، طالباً من القاسم في رسالة أخرى أن يكون الجسر الذي يربطه بوطنه: "فكن أنت جسري الصلب، وقدم لجدل 'الداخل والخارج' عافية التواصل.. عضني عن غياب لأفرح: مادمت هناك أنا هناك". في حين أكد القاسم لدرويش في إحدى رسائله عمق صداقتهما ووحدة الوجود بينهما: "يخيل لي أن الواحد منا يكتب لنفسه حين يكتب لصديقه، ويكتب عن أخيه حين يكتب عن نفسه، حتى ليختلط الأمر: من المرسل؟ من المرسل إليه؟" ليرد درويش في إحدى رسائله: "سنكتب، لا شيء يثبت أني أحبك غير الكتابة. أعانق فيك الذين أحبوا ولم يفصحوا بعد عن حبهم، أعانق فيك تفاصيل عمر توقف في لحظة لا تشيخ، سنكتب، لا شيء يثبت أن الزمان طويل اللسان سوى الكلمات، سنكتب من غير قافية أو وطن، لأن الكتابة تثبت أني أحبك، وأن لأمي حقاً بقلبك، وأن يديك يداي، وقلبي قلبك! أسميك نرجسة حول قلبي، لو كان قلبي معك، وأودعته خشب السنديان لكنت قطعت الطريق بموت أقل.. ويا أخا لم تلده أمي..!"
تغريبتهما
تجاوز درويش والقاسم في رسائلهما المتبادلة حدود الحديث عن صداقاتهما، وتناولا فيها الهم الوطني والقضية الفلسطينية، وها هو القاسم في إحدى رسائله يهدي درويش قصيدة حملت عنوان "التغريبة":
قطعنا بلادا وراء بلاد
يفرقنا العالم اليعربي
ويجمعنا العالم الأجنبي
ونبقى أجانب في العالمين!
ألقي بهمي على صدر همك
ونبكي ونضحك
في غربتين…
أتسألني كيف حالي
وأنت جواب السؤال
نحن رفيقان
خصما وإلفا
يؤرخنا الحب والموت
في دفتر الأرض
تغريبة للمهاجر
وتغريبة للوطن
ونفضي بأسرارنا للقباب
وننقش أحزاننا في القناطر
ونطلق من جرحنا عندليبا
يزلزل صمت الزمن
ونعجن بالدمع
خبز المجازر
أتذكر أيام جعنا
معا
وشبعنا
معا
ثم جعنا
معا
وعشقنا
معا
ثم ضعنا؟
فماذا عساني أفعل وحدي
وماذا ستفعل وحدك
وقد صار لحدي مهدي
ومهدك لحدك
ونحن شقيقان
حلما وسخفا
وتعرف قلبي
وتعرف حزني
ووردة حبي
وخيبة ظني
وتبصر بيتك في وهج صوتي
وأسمع صوتك
كما تناولا الشاعران في رسائلهما قضايا عميقة كقضايا الكتابة والنقد فيقول درويش للقاسم في إحدى هذه الرسائل :"قلت لي إنك تخاف كتابة النثر. لماذا تخاف؟ يبدو لي، يا عزيزي، أن النثر هو ديوان هذا العصر، وماذا لو سرق النثر شيئاً من الشعر. أليس النصّ نصّك؟ لا أظن النثر هو استراحة الشاعر، أو فضيحته كما يقولون. فقد تتحقق الشاعرية في النثر أكثر من تحققها في القصدة المشروطة بشكل قد يكبح جماح الجنون، هناك دائماً فائض شعري ينبجس من مكان آخر. المهم هو ألا نؤجل هذا الانبجاس، فليس من الصواب أن ندخر الشعر إلى أن تأتي قصيدته التي قد لا تأتي.. إياك، يا عزيزي، أن تغربل النثر لتفصل ما يصلح منه للقصيدة القادمة، فالشعر لا يسقط في النثر، بل يولد معه، ضع نفسك في الريح والجنون، فليس في وسع الشاعر إلا أن يكون شاعراً"، وعندما بلغ الشاعر سميح القاسم الستين في عمره كتب محمود درويش له:"بقيت أكثرنا فتوة، فتى في الستين، أو طفلاً في الستين. ولكن قل لي: متى غافلت نفسك وغافلتنا وبلغت الستين؟ وهل يكبر الشعراء الذين لا مهنة لهم إلا تجديد شباب اللغة، وفتوة الأمل، وصيانة الروح من الصدأ والملل؟" كما أرسل له رسالة تعزية حين تلقى خبر وفاة والدته، جاء فيها: "أمك، أم قاسم، أمنا المشتركة، تنام أخيراً على متر من وطن، كيف أواسيك وأنت على مقربة من ثراها؟ خذ قصفة حبق واذهب إليها، وقبل ثوبها الترابي باسمي، كلمتها منذ شهر ولم تقل لي بأنها ستغادر ذلك البيت القديم، كلمتها ولم تخبرني بأنها ستذهب بهذه السخرية العبثية إلى النهاية".
خذني معك
حينما رحل محمود درويش عام 2008، قال سميح القاسم في كلمة له خلال مراسم التوديع، إنه كان لجثمان درويش أن يطلب الراحة الأبدية في مقبرة البروة الجليلة:" لكن المستوطنين يصرون على تحويل مقبرة أجداده إلى حظيرة لمواشيهم. إنهم ينتقمون لأسلحتهم عن مواجهة قصيدتك". وأضاف: "ولأنك مسكون بالحنين إلى خبز أمك وقهوة أمك، فإنهم مسكونون بهاجس العبثية والزوال، ولأنك مفعم بحب شجرة الخروب التي على الطريق بين البروة وعكا، فإنهم ملغمون بالكراهية وشهوة التدمير والتدمير الذاتي، لأنهم لا يحبون الحياة والسلام بقدر ما تحب أشجار الخروب والسنديان في وطنك.. لنا أن نعتز بالانتماء إلى شعب لا يتقاسم أرغفة الحصار فحسب، بل يتقاسم قبور الشهداء والشعراء"
كما رثاه بقصيدة مؤثرة ومعبرة تحمل عنوان "خذني معك"، قال فيها:
تخلت عن وزر حزني
ووزر حياتي
وحملتني وزر موتك،
أنت تركت الحصان وحيدا.. لماذا؟
وآثرت صهوة موتك أفقا،
وآثرت حزني ملاذا
أجبني. أجبني.. لماذا؟
وأنت رحلت. رحلت.
ولم أبق كالسيف فردا. وما أنا سيف ولا سنبله
ولا وردة في يميني.. ولا قنبله
لأني قدمت إلى الأرض قبلك،
صرت بما قدر الله. صرت
أنا أول الأسئله
إذن.. فلتكن خاتم الأسئله
إذا أنت مرتحل عن ديار الأحبة
في زورق للنجاة. على سطح بحر
أسميه يا صاحبي أدمعك
ولولا اعتصامي بحبل من الله يدنو سريعا. ولكن ببطء..
لكنت زجرتك: خذني معك
وفي عام 2009، أصدر سميح القاسم كتابه "مكالمة شخصية جدا" تناول فيه ذكرياته مع محمود درويش، والمكالمة الأخيرة التي أجراها درويش مع القاسم قبل السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإجراء العملية الجراحية التي أدت إلى وفاته، كما تضمن الكتاب الكلمة التأبينية التي ألقاها يوم دفن درويش في رام الله، والقصائد التي كتبها له .

