Menu

قراءة في مبادرة الجبهة الشعبية: ماذا تريد الجبهة فعليًا وأي فلسطين نريد أن نبني!!؟

بسام عليان

إن جوهر مبادرة الجبهة الشعبية ليس تأجيل الانتخابات؛ بل منع تحويل الانتخابات إلى آلية لإعادة إنتاج الانقسام الفلسطيني في صورة جديدة، وهذه نقطة بالغة الأهمية.

فالانتخابات، في الوضع الطبيعي، هي أداة لتجديد الشرعية. أما في الوضع الفلسطيني الراهن، حيث لدينا: انقسام فتح داخلي، انقسام فتح ـ حماس، غياب حماس والجهاد عن البنية التقليدية لمنظمة التحرير، انفصال مؤسسي وسياسي بين الضفة وغزة، تعدد مراكز القرار، صراع على خلافة المرحلة المقبلة، وتدخلات عربية وإقليمية ودولية في صياغة شكل النظام الفلسطيني، فإن إجراء الانتخابات قبل الاتفاق على من هو الشعب السياسي الذي تمثله المؤسسات، وما هو البرنامج الوطني الذي ستعمل على أساسه، ومن هي المرجعية الجامعة قد لا ينهي الانقسام؛ بل يمنحه شرعية انتخابية.

وهنا تكمن أهمية مبادرة الجبهة.

1. الجبهة تقلب ترتيب الأولويات، المعادلة السائدة تقول: انتخابات ← سلطة جديدة ← معالجة الانقسام، الجبهة تقترح شيئًا مختلفًا:ةتوافق وطني وانتقالي ← إعادة بناء منظمة التحرير والنظام السياسي ← انتخابات، وهذا ليس تفصيلًا إجرائيًا، إنه خلاف على من أين يبدأ الإصلاح الوطني.

فالجبهة تقول عمليًا: لا يمكن أن نطلب من الانتخابات أن تحل أزمة النظام السياسي بينما النظام السياسي نفسه لم يتفق بعد على قواعد اللعبة.

وقد عبّر نائب الامين العام للجبهة الشعبية جميل مزهر عن ذلك بوضوح عندما وضع المبادرة وخارطة الطريق الوطنية في مرتبة أعلى من قرار المشاركة الانتخابية، وقال إن الانتخابات ليست غاية في ذاتها ولا مدخلًا للعودة إلى الاتفاقيات السياسية القائمة.

2. أهم ما في المبادرة: أنها تعيد منظمة التحرير إلى مركز القضية، وهنا أعتقد أن القراءة السطحية للمبادرة قد تفوّت أهم ما فيها، الجبهة لا تقول فقط: دعونا نتفق قبل الانتخابات. بل تقول شيئًا أعمق: دعونا نعيد تعريف المرجعية الوطنية الفلسطينية نفسها.

إعادة بناء منظمة التحرير على أساس الشراكة، وإدخال حماس والجهاد الإسلامي والقوى والشخصيات الأخرى، تعني عمليًا الانتقال من منظمة تحرير تشكلت في مرحلة تاريخية مختلفة إلى منظمة تحرير تمثل الواقع السياسي الفلسطيني الحالي بكل تناقضاته.

وهذا ربما يكون أكثر بند ثوري في المبادرة، رغم أنه يبدو مؤسساتيًا. لأن السؤال الحقيقي ليس: من سيفوز في الانتخابات السؤال هو: من يملك القرار الوطني الفلسطيني؟ هل هو الرئيس؟ هل هي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير؟ هل هي السلطة؟ هل هي الفصائل؟ هل هي نتائج انتخابات تشريعية؟ هل هي القوى الموجودة على الأرض؟ أم أن المطلوب إعادة تركيب كل هذه العناصر في منظومة شرعية واحدة؟

الجبهة، من خلال طرحها، تميل إلى الإجابة الأخيرة، وهذا يتوافق أيضًا مع مسار كانت الجبهة قد عبّرت عنه في لقاءاتها مع فتح في فبراير وأغسطس 2026، حيث ركزت على استراتيجية وطنية شاملة، واستعادة الوحدة وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير.

3. لماذا "المرحلة الانتقالية" مهمة؟ هنا ينبغي ألا نفهم المرحلة الانتقالية باعتبارها هروبًا من الانتخابات. بل يجب أن نسأل: انتقال إلى ماذا؟ إذا كانت المرحلة الانتقالية مجرد تمديد للواقع القائم، فهذه كارثة.

أما إذا كانت مرحلة محددة المدة، ذات مهام محددة، ومرجعية توافقية، وتنتهي حتمًا بانتخابات، فهي قد تكون واحدة من أكثر الصيغ عقلانية للخروج من المأزق.

وقد تحدث جميل مزهر عن مرحلة انتقالية تخلق مناخًا إيجابيًا، وحوارًا وطنيًا شاملًا، ووثيقة وطنية تعيد الثقة للمواطن والاعتبار للمشروع الوطني، وهنا أضع شرطًا أساسيًا جدًا لنجاح المبادرة: يجب ألا تكون المرحلة الانتقالية "زمنًا مفتوحًا".ينبغي أن يكون لها سقف زمني واضح، ومهام محددة، وهيئة انتقالية توافقية، وضمانات تمنع أي فصيل من احتكارها، وجدول لإعادة بناء منظمة التحرير، وتوحيد المؤسسات الفلسطينية تدريجيًا، وإقرار البرنامج الوطني المشترك، ثم انتخابات رئاسية وتشريعية وانتخابات/إعادة تشكيل المجلس الوطني وفق صيغة متفق عليها، بدون ذلك يمكن أن تتحول "المرحلة الانتقالية" إلى كلمة جميلة لتأجيل الاستحقاق الديمقراطي.

4. وهنا تظهر عبقرية المبادرة في علاقتها بأزمة فتح. قد يبدو غريبًا أن تطلب الجبهة الشعبية، وهي قوة يسارية تاريخيًا في مواجهة فتح، منح الوقت لترتيب أوضاع فتح وتوحيدها، فهذه النقطة بالذات، في رأيي، من أكثر النقاط وطنية في المبادرة؛ لأن الجبهة الشعبية لا تتعامل مع فتح باعتبارها مجرد حزب منافس، إنها تدرك أن تفكك فتح يعني تفكك جزء أساسي من النظام السياسي الفلسطيني نفسه.

وبالتالي فإن المسألة ليست هل نريد فتح قوية لكي تنافسنا؟ بل: هل نريد فتح موحدة ومؤسسية لكي يكون لدينا نظام فلسطيني مستقر وقابل للحياة؟ وهذا يفسر لماذا تبدو المبادرة في الوقت نفسه موجهة إلى فتح وإلى حماس وإلى دحلان وإلى منظمة التحرير. إنها تحاول إخراج الجميع من منطق: من يربح فتح؟ إلى: كيف نعيد بناء النظام الوطني؟

5. وهنا تحديدًا يدخل محمد دحلان، فالمشهد الحالي يحمل مفارقة فلسطينية غير مسبوقة: حماس + الجهاد الإسلامي + تيار الإصلاح الديمقراطي بقيادة دحلان + قوى يسارية وشخصيات مستقلة يبحثون عن إمكانات تعاون انتخابي أو سياسي، بينما فتح الرسمية تتحرك في مسار آخر.

وهنا أرى أن مبادرة الجبهة الشعبية يجب ألا تُقرأ على أنها: انضمام أو عدم انضمام إلى قائمة دحلان ـ حماس، هذه قراءة انتخابية ضيقة. الأهم أن الجبهة تقول، بصورة غير مباشرة، لن أسمح بأن يكون مستقبلي السياسي محكومًا بالسؤال: هل أنضم إلى فتح الرسمية أم إلى تحالف حماس ودحلان؟ إنها تحاول إنشاء مسار ثالث، ليس مع فتح ضد حماس، وليس مع حماس ضد فتح، وليس مع دحلان ضد عباس، بل: إعادة تركيب النظام الوطني بحيث يصبح الجميع جزءًا من منظومة سياسية واحدة، وهذا هو الفرق بين تحالف انتخابي ومشروع إعادة بناء وطني.

6. لكن مبادرة الجبهة الشعبية تواجه مشكلة حقيقية مع دحلان، وهنا يجب أن نكون صريحين. المبادرة يمكن أن تكون وطنية جدًا في تصورها، لكن دخول تيار دحلان في أي صيغة انتقالية أو انتخابية يفرض أسئلة صعبة لا يجوز تجاوزها بالشعارات.

فتيار الإصلاح نفسه يطرح إعادة بناء فتح وإنهاء احتكار القرار وإعادة بناء منظمة التحرير. وفي أغسطس (آب)؛ طرح سبعة شروط تبدأ بإلغاء قرارات الفصل وإعادة الحقوق التنظيمية، وتصل إلى الحوار الوطني وإعادة بناء المنظمة.

إذن؛ هناك تقاطع حقيقي بين خطاب الجبهة الشعبية وخطاب تيار الإصلاح في مسألة: إنهاء التفرد، إعادة بناء فتح، إعادة بناء منظمة التحرير، الشراكة، وإنهاء احتكار القرار. لكن التقاطع في الأهداف لا يعني التطابق في المشروع السياسي. وهنا يجب على الجبهة أن تكون شديدة الحذر.

لا ينبغي أن تصبح: غطاءً يساريًا لتحالف انتخابي تقوده حسابات دحلان، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن تقع في النقيض الآخر، رفض أي صيغة تضم دحلان مسبقًا بسبب التاريخ والخلافات، بدل الحكم على البرنامج السياسي الوطني الذي سيوقع عليه، المعيار يجب أن يكون: هل يقبل دحلان، وحماس، والجهاد، وفتح، والجبهة الشعبية، وكل الأطراف، قواعد وطنية واحدة؟ إذا نعم، فالشراكة ممكنة، ذا كانت الشراكة مجرد توزيع مقاعد، فلا.

7. والمشكلة نفسها تنطبق على حماس، هناك من قد يقول: الجبهة الشعبية تريد إدخال حماس إلى منظمة التحرير، إذن هي تتحالف مع حماس.وهذا تبسيط شديد، الجبهة الشعبية ليست مطالبة بأن تتفق مع حماس أيديولوجيًا، المطلوب أن تتفق معها وطنيًا ومؤسساتيًا، وهذا فرق جوهري، منظمة التحرير، إذا أعيد بناؤها حقًا، يجب ألا تكون ناديًا أيديولوجيًا، هي يجب أن تكون المظلة الوطنية لكل الفلسطينيين.

ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: هل تتفق الجبهة الشعبية مع حماس؟ بل: هل تستطيع الجبهة الشعبية وحماس وفتح والجهاد والديمقراطية والمبادرة والشخصيات المستقلة الاتفاق على برنامج وطني جامع، وقواعد سياسية وديمقراطية تحكم الخلاف بينهم؟ إذا كان الجواب نعم، فهنا تبدأ السياسة الوطنية الحقيقية.

8. أما "الكعكة المسمومة" فهي عبارة تختصر أزمة كاملة، عبارة مزهر عن عدم الانشغال بـ"الحصص" و"الكعكة المسمومة" في غاية الدلالة؛ لأن ما يجري في جزء من المشهد الفلسطيني الآن يمكن أن يُقرأ كالتالي: من سيحصل على كم مقعد؟ لكن القضية الفلسطينية تحتاج إلى سؤال مختلف: من سيعيد بناء البيت الفلسطيني؟ وهذا فارق تاريخي، إذا دخلت الفصائل الانتخابات باعتبارها معركة حصص، فحتى لو كانت الانتخابات نزيهة، يمكن أن تنتج: كتلة فتح، كتلة حماس، كتلة دحلان، كتلة اليسار، ثم تعود الأزمة نفسها داخل المجلس الوطني. أما إذا سبقت الانتخابات وثيقة وطنية وعقد سياسي جديد، تصبح الانتخابات وسيلة لتطبيق الاتفاق، لا وسيلة لاختراع اتفاق بعد الانتخابات. وهذه هي النقطة الأقوى في المبادرة.

9. لكن لدي تحفظ جوهري على المبادرة، أكبر نقطة ضعف فيها، كما أراها من المواد المتاحة، هي أنها قوية جدًا في تشخيص المشكلة، لكنها تحتاج إلى هندسة تنفيذية أكثر صرامة، بعبارة أخرى: الجبهة الشعبية تعرف ماذا لا تريد: لا انتخابات شكلية، لا إعادة إنتاج للانقسام، لا تفرد، لا إقصاء، لا نظامان في الضفة وغزة، لا منظمة تحرير ناقصة التمثيل، لكن المطلوب الآن أن تجيب عن: من يدير المرحلة الانتقالية؟ من يختار أعضاء المجلس الوطني الانتقالي؟ ما حجم تمثيل كل فصيل؟ كيف تتمثل المستقلات والمستقلون والشباب والمرأة؟ ما علاقة المجلس الانتقالي باللجنة التنفيذية؟ ما وضع السلطة الفلسطينية خلال المرحلة؟ ماذا يحدث للسلاح؟ كيف توحد المؤسسات؟ ما علاقة حكومة غزة/السلطة؟ ما البرنامج السياسي الملزم؟ ما موقف المقاومة؟ ما شكل القرار السياسي والدبلوماسي؟ ومتى بالضبط تنتهي المرحلة الانتقالية؟ هذه الأسئلة هي التي ستقرر إن كانت المبادرة مشروع إنقاذ أم مجرد مبادرة سياسية أخرى.

10. وهناك مسألة أكثر حساسية: "المقاومة" و"الشرعية"، إذا أرادت الجبهة الشعبية أن تكون مبادرتها تاريخية فعلًا، فعليها أن تساعد على صياغة توافق فلسطيني جديد حول العلاقة بين المقاومة والسياسة والقرار الوطني؛ لأن أحد أسباب الانقسام الكبرى كان وجود سلطتين في القرار: قرار سياسي رسمي، وقرار مقاوم خارج البنية الرسمية. ولا يمكن بناء منظمة تحرير جديدة بتجاهل هذه المسألة.

لكن الحل أيضًا ليس مطالبة طرف بالتخلي عن كل أدواته قبل إعادة بناء النظام الوطني، الحل الأكثر عقلانية هو: إعادة إنتاج الشرعية الوطنية أولًا، ثم إخضاع القرار الوطني كله لمؤسسات وطنية منتخبة ومتوافق عليها. أي: لا أحد يحتكر المقاومة، ولا أحد يحتكر التفاوض، ولا أحد يحتكر القرار، وهذا، في رأيي، هو أحد أهم البنود التي ينبغي أن تُضاف إلى أي صيغة نهائية للمبادرة.

11. لماذا الآن بالذات؟ التوقيت ليس تفصيلًا، نحن أمام لحظة إعادة تشكيل شاملة للمشهد الفلسطيني، فالانتخابات المقرر لها أواخر 2026، بعد غياب طويل عن الانتخابات التشريعية، تخلق ضغطًا هائلًا على جميع القوى لكي تدخل بسرعة في قوائم وتحالفات. وفي الوقت نفسه برز تقارب غير مألوف بين حماس وتيار دحلان والجهاد وقوى أخرى.

وفي المقابل، فتح تتحرك لمحاولة بناء تحالفات انتخابية خاصة بها، وقد تعثرت بعض لقاءاتها واتصالاتها الأخيرة، في هذه اللحظة تأتي الجبهة الشعبية لتقول: انتظروا قليلًا؛ ليس لأن الانتخابات غير مهمة، بل لأن طريقة الدخول إليها قد تكون أهم من الانتخابات نفسها، وهذا، سياسيًا، موقف ذكي جدًا.

12. ماذا تريد الجبهة الشعبية من فتح؟ أعتقد أن الجبهة ترسل إلى فتح رسالة مزدوجة، الرسالة الأولى: نحن لا نريد إسقاط فتح، وهذا مهم، الرسالة الثانية: لكننا لا نقبل أن تعني فتح = النظام السياسي الفلسطيني كله، وهذه أهم.

الجبهة الشعبية تريد فتح قوية، لكنها تريدها جزءًا من نظام وطني تعددي، لا مركز النظام، ومن هنا يصبح طلبها من فتح دراسة المبادرة والرد عليها أكثر أهمية من قبولها أو رفضها المشاركة في القائمة الانتخابية، فالجبهة تقول لفتح عمليًا: لا تفاوضيني أولًا على مقعدي في القائمة؛ فاوضيني على مستقبل النظام الفلسطيني، وهذه، في رأيي، الرسالة الأهم التي خرجت من مبادرة الجبهة الشعبية.

13. وماذا تريد الجبهة الشعبية من حماس والجهاد ودحلان؟ الرسالة المقابلة هي: لا تحولوا التقاءكم الانتخابي إلى نظام فلسطيني بديل، وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن تحالف حماس ـ دحلان ـ الجهاد، إذا تحول من تحالف انتخابي إلى محور سياسي دائم، يمكن أن ينتج استقطابًا جديدًا: فتح الرسمية في جهة، ومحور حماس ـ دحلان في الجهة الأخرى، وفي هذه الحالة قد تصبح الجبهة الشعبية والديمقراطية والمبادرة مجرد قوى وسطية صغيرة داخل صراع أكبر.

أما إذا بقي هذا التقارب جزءًا من عملية وطنية شاملة، فقد يكون فرصة تاريخية لكسر الحواجز التي بدت لعقدين غير قابلة للكسر، إذن: المشكلة ليست في التحالف نفسه، المشكلة في أن يتحول التحالف إلى بديل عن الوحدة الوطنية.

14. المفارقة الجميلة في مبادرة الجبهة الشعبية، هناك مفارقة سياسية أراها عميقة، الجبهة وهي حزب ثوري يساري، تطرح الآن أكثر الأفكار "المؤسساتية" واقعية: لا نريد السيطرة. نريد إعادة بناء النظام. وهذا يضعها أمام مسؤولية كبيرة؛ لأن اليسار الفلسطيني تاريخيًا كان يحمل خطابًا نقديًا تجاه فتح وحماس، لكنه كثيرًا ما عانى من ضعف الوزن الانتخابي، الآن لديه فرصة مختلفة، ليس أن يصبح "الطرف الثالث" فقط، بل أن يصبح مهندس التسوية الوطنية التاريخية، وهذا يمكن أن يكون دورًا أكبر بكثير من حجمه الانتخابي.

15. لذلك أرى أن الجبهة الشعبية يجب ألا تتسرع في اختيار قائمة، وهذا يفسر لي شخصيًا تصريح نائب الأمين العام جميل مزهر بأن الجبهة لم تحسم قرارها الانتخابي، أراه قرارًا صحيحًا من حيث المبدأ، ليس من الحكمة أن تختار الجبهة قائمة أولًا ثم تبحث عن البرنامج الوطني لاحقًا، بل عليها أن تقول لجميع الأطراف، أعطونا أولًا وثيقة سياسية وطنية، ثم، اتفقوا على إعادة بناء منظمة التحرير، ثم اتفقوا على المرحلة الانتقالية، ثم اتفقوا على قواعد الانتخابات، ثم دعونا نناقش القوائم، بهذا الترتيب فقط تصبح الانتخابات جزءًا من المشروع الوطني، لا المشروع الوطني تابعًا للانتخابات.

16. ماذا لو فشلت المبادرة؟ هنا يجب أن نكون واقعيين، هناك أربعة سيناريوهات محتملة، السيناريو الأول: قبول واسع للمبادرة وهو الأفضل.

تتشكل مرحلة انتقالية، يعاد بناء منظمة التحرير، يتم دمج القوى، ثم انتخابات، هذا قد يكون بداية الخروج الحقيقي من مرحلة ما بعد 2007، السيناريو الثاني: قبول المبادرة لفظيًا وإفراغها عمليًا وهذا أخطر سيناريو، توافق الفصائل على "الشراكة"، ثم تبدأ مفاوضات الحصص والمقاعد والوزارات، فتتحول المبادرة إلى ديكور سياسي.

السيناريو الثالث: الانتخابات أولًا وهذا قد يعيد إنتاج الانقسام بصورة أكثر شرعية، خصوصًا إذا لم تشارك كل القوى أو إذا جرى الطعن في نتائجها أو في قواعدها.

السيناريو الرابع: تحالف انتخابي جديد مقابل فتح وهنا قد ننتقل من: انقسام فتح ـ حماس، إلى: فتح الرسمية ـ محور حماس/دحلان، وهو انقسام مختلف لكنه قد يكون خطيرًا بالقدر نفسه.

17. ماذا أعتقد أن الجبهة الشعبية يجب أن تفعل؟ لو أردت اختصار توصية وطنية للجبهة الشعبية في سبع نقاط، فسأقول:

أولًا: لا ترفض الانتخابات، بل ارفض انتخابات بلا عقد وطني.

ثانيًا: لا تنضم إلى أي تحالف انتخابي قبل إعلان وثيقة سياسية واضحة.

ثالثًا: اجعل إعادة بناء منظمة التحرير هي المدخل، لا نتيجة لاحقة للانتخابات.

رابعًا: تعامل مع دحلان كما تتعامل مع فتح وحماس: بالبرنامج وليس بالشخصنة.

خامسًا: اطلب من حماس والجهاد موقفًا واضحًا من المشاركة الكاملة في منظمة التحرير وقواعد القرار الوطني.

سادسًا: اطلب من فتح موقفًا واضحًا من إنهاء التفرد وإعادة بناء المنظمة والشراكة.

سابعًا: حوّل مبادرة الجبهة من "مبادرة فصيل" إلى وثيقة مطروحة على الشعب الفلسطيني كله (استفتاء شعبي)، وهذه النقطة الأخيرة مهمة جدًا.

الخلاصة: ما القيمة التاريخية للمبادرة؟

إذا قرأتها من زاوية وطنية فلسطينية، لا من زاوية حجم الجبهة الانتخابي، أعتقد أن المبادرة تحمل فكرة أكبر من الانتخابات بكثير، إنها تقول: لقد فشلنا عشرين عامًا في حل الانقسام لأننا حاولنا إدارة الانقسام بدل إعادة بناء النظام الذي أنتجه، وتقول أيضًا: لا ينبغي أن تكون المعركة الآن على من يرث النظام الفلسطيني، بل على كيفية إنقاذ النظام الوطني نفسه، وهذا يجعلها، في تقديري، أقرب إلى مبادرة لإعادة تأسيس النظام السياسي الفلسطيني منها إلى مبادرة انتخابية، لكن نجاحها يتوقف على شرط واحد: أن تنتقل من "خارطة طريق سياسية" إلى "عقد وطني ملزم"، وهنا أرى أن الجبهة الشعبية أمام فرصة تاريخية.

فإذا استطاعت أن تجمع حول مبادرتها: فتح الرسمية + حماس + الجهاد + تيار الإصلاح الديمقراطي + الديمقراطية + المبادرة + ناصر القدوة والمستقلين + بقية القوى، فإنها تستطيع أن تفعل شيئًا لم تستطع الانتخابات وحدها فعله منذ 2006: إعادة تعريف الفلسطينيين لأنفسهم كشعب سياسي واحد، رغم اختلافاتهم.

أما إذا انتهت المبادرة إلى تفاوض الجبهة على موقع في قائمة انتخابية مقابل التخلي عن جوهرها، فستكون قد خسرت أهم ما فيها، ولهذا أعتقد أن العبارة الأهم في موقف نائب الامين العام للجبهة الشعبية مزهر ليست أنه "لم يُحسم قرار المشاركة في الانتخابات"، بل قوله إن الأولوية للمبادرة وخارطة الطريق الوطنية، هذه، في جوهرها، رسالة تقول للفصائل في القاهرة: لا تسألوا أولًا: من معنا في القائمة؟ اسألوا أولًا: أي فلسطين نريد أن نبني، ومن يملك قرارها، وكيف نعيد بناء بيتها الوطني؟ وهنا تحديدًا تكمن قيمة المبادرة الشعبية إذا أحسنت الجبهة تطويرها وحمايتها من التحول إلى مجرد ورقة تفاوضية.!!؟

*كاتب اجتماعي وباحث سياسي فلسطيني مستقل/دمشق*