Menu

رسالة مفتوحة إلى «الهاسبارا» والمدافعين عن المشروع الصهيوني

عمر فارس

بوابة الهدف

منذ سنوات وأنا أتعرض لهجمات من أوساط مرتبطة بما يسمى «الهاسبارا» ومن المدافعين عن المشروع الصهيوني. وفي الفترة الأخيرة ازدادت هذه الهجمات بشكل واضح. يحاول البعض تصويري على أنني شخص تحركه الكراهية، بينما أتحدث منذ عقود عن قضية مختلفة تماماً: عن حقوق الشعب الفلسطيني، والاحتلال، والتهجير، والنكبة، والمسؤولية السياسية عن معاناة المدنيين.

لذلك سأجيبكم مباشرة.

أنتم الذين تسمون نشاطكم «الهاسبارا»، وتقدمونه باعتباره نوعاً من «الدبلوماسية العامة الإسرائيلية»، عليكم أن تسألوا أنفسكم: لماذا بدأ عدد متزايد من الناس في العالم يرفضون هذه الرواية من دون تمحيص؟

لا يمكن لأي حملة إعلامية أن تحل محل الحقائق إلى الأبد. قد تحاول الدعاية تغيير طريقة وصف الواقع، لكنها لا تستطيع أن تجعل الواقع يختفي. وأنا لا أقول ذلك بصفتي فلسطينياً فقط. بل يقوله أيضاً مؤرخون ومفكرون إسرائيليون ويهود.

آفي شلايم، المؤرخ الإسرائيلي-البريطاني من أصول يهودية، وأحد أبرز ممثلي تيار «المؤرخين الجدد» في إسرائيل، وصف ما يجري في غزة بأنه «نكبة ثانية». وأشار إلى حجم الدمار والتهجير الواسع للسكان وحجم الضحايا المدنيين. وفي تقييمه، فإن حجم العنف والدمار يجعل استخدام مصطلح «الإبادة الجماعية» أمراً قابلاً للدفاع عنه.

وإيلان بابيه، المؤرخ الإسرائيلي من أصول يهودية، تحدث بصورة أكثر وضوحاً. ففي مقابلات حول الوضع في غزة، وصف ما تقوم به إسرائيل بأنه إبادة جماعية «وفقاً لجميع التعريفات القانونية»، كما تحدث عن عقود من السياسات التي أدت إلى حرمان الفلسطينيين من الغذاء والدواء والبنية التحتية الأساسية.

إذن، هذه ليست مجرد «دعاية فلسطينية». إن انتقاد السياسة الإسرائيلية يأتي أيضاً من داخل إسرائيل، ومن أوساط يهودية، ومن باحثين وصحفيين غربيين.

كما أن الصحفية الأمريكية آبي مارتن، التي وثقت ووصفت أوضاع الفلسطينيين في مناسبات عديدة، وجهت انتقادات شديدة إلى السياسة الإسرائيلية وإلى الخطاب الذي ينزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين.

لكن هنا تحديداً يجب أن نضع حداً واضحاً لا يجوز تجاوزه.

يمكن، بل يجب، انتقاد الصهيونية باعتبارها مشروعاً سياسياً، وانتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية، والاحتلال والاستيطان والتهجير، وكذلك العمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين أو تعرضهم للخطر.

لكن لا يجوز تحويل هذا النقد إلى كراهية لليهود أو تحميل جميع اليهود مسؤولية سياسات دولة إسرائيل.

اليهود ليسوا جماعة سياسية واحدة، وهناك يهود كثيرون في أنحاء العالم يعارضون الاحتلال وسياسات الحكومة الإسرائيلية، ويدافعون عن حقوق الشعب الفلسطيني.

ولهذا، عندما تحاول الهاسبارا تقديم كل انتقاد لإسرائيل باعتباره «معاداة للسامية»، فإن ذلك يمثل إساءة خطيرة للمفهوم.

معاداة السامية شكل حقيقي من أشكال العنصرية، ويجب التصدي لها بكل وضوح. لكن لا يجوز استخدام مكافحة معاداة السامية كدرع يمنع انتقاد أي سياسة أو قرار تتخذه الحكومة الإسرائيلية.

أنا لست ضد اليهود، أنا ضد الظلم. أنا لا أحارب اليهودية كدين، بل أعارض الاحتلال. ولا أنكر حق أي إنسان في الأمن. لكنني أرفض نظاماً يتم فيه بناء أمن شعب على حساب حقوق وحياة شعب آخر.

منذ عام 1948، يعيش الفلسطينيون آثار التهجير وفقدان الأراضي والمنازل، في ظل ظروف تشكلت على مدى عقود من الصراع والاحتلال وعدم المساواة في الحقوق. والنكبة بالنسبة للفلسطينيين ليست حدثاً مجرداً في كتاب تاريخ. إنها ذاكرة حية تنتقل من جيل إلى جيل.

لذلك لا تنتظروا مني الصمت.

يمكنكم مهاجمتي شخصياً، ويمكنكم التشكيك في نواياي، ويمكنكم وصف كلماتي بأنها «دعاية». لكنكم لا تستطيعون محو تاريخ ملايين الفلسطينيين. ولا يمكنكم أن تتوقعوا مني الصمت عندما يُقتل المدنيون، وتُدمر المنازل، ويُعامل مجتمع بأكمله باعتباره تهديداً يمكن معاقبته بشكل جماعي.

التاريخ ليس ملكاً لدولة أو منظمة دعائية بعينها. الحقيقة لا تحتاج إلى هسبارا. والعدالة لا تشترط أن يكون الإنسان يهودياً أو فلسطينياً أو إسرائيلياً أو عربياً. إنها تتطلب فقط الاعتراف بأن لكل حياة بشرية القيمة نفسها.

لذلك سأستمر في الحديث عن فلسطين ليس بدافع الكراهية. بل بدافع الذاكرة، والتجربة، والإيمان بأن الشعب الفلسطيني له، مثل أي شعب آخر، الحق في الحرية والأمن والكرامة وتقرير المصير.