يصطدم المثقف المبدئي، في عصر انهيارات القيم وانكسارات غبطة المواقف، وبخاصة في العقد الأخير من متوالية عداد الزمن الأخطبوطي الهندسي، بجدار أن تكون مع، أو أن تكون مع، أن تكون مع طروحات الرقم المتأمرك باسم العولمة، أو المتأورب باسم الدمقرطة، أو المتصهين باسم عدم معاداة السامية.
وبذلك تصنَّف في خانة الجحود لكلمة كن، والنكران لمعتقد من نحن، والطعن بقرار من أين؟ من نحن؟ وإلى أين؟ وكيف؟ ومتى؟ وهو ابتلاء لا يُحسد المرء الذي انتهج سواء السبيل بوصلة توجّه عليه، ولا انصهار الفكرة والخطبة بوتقة خلاص إزاءه، أو أن تكون مع مافيا الثقافة، وسماسرة الخطابات المحلّاة بمعسول الكلم، وأناقة السلوك، ودهاء تمرير المعادلات تحت مظلة مؤسسات السلط المحتواة، أو منصة مرتفعات الواجهات المشبوهة، تعضّدها ركائز إسمنتية من النفاق الضليع باحتراف الوصول وقطف المواسم. وهو جنوحٌ لا يُثلج الأفئدة والمَهَج، والمبهج الخوض في لججه المكهربة، أو الاتكاء على مسنده من العاج بأوبئة الصعق، وفيروس التدمير والقرصنة وهتك الحُجب، لتُفتح الجبهات على الخيار البديل الفيصل وهو أصعبها مآلاً، وأمرّها احتضاناً، وأثقلها حملاً؛ وذلك برفض مسلكي الحضور الرجيم، ومسلك المساومة، لأنهما وجهان لصيدٍ فكري مدمر، وطمسٍ ساديٍ لبصمة القوام الآدمي، بتجليات وجوه موشوره، وجوهرة العقل باشتعالها الفسفوري، وأصلاف نواة الخلائق التي فطرها المطلق من صواب سلوك وقول، وحريّة انتخاب واصطفاف، ونزوع أصيل تجاه مناقب . فالفارق بين أن تكون مع، وأن تكون مع، الواردتين في سياق النص ونسيج ثوبه، كالفارق بين من يذبحك بسكينٍ مثلمّة، ومن يذبحك بخيط حرير شفيف؛ وإن كان مقلع الأولى أرقى المعادن، والآخر أجمل مزارع دودة القز. فالمؤدى واحد، وحتمية فعل مردودِ الجرعة السالب على ألق الصحة بشطرَيها الروحي والجسدي أيضاً واحد.
والتواشج بين أن تكون ضد، أو أن تكون ضد، كالتواشج بين قطعة ثلج وكرة جمر؛ بين أضاميم قرنفلٍ وحوجلة صحراء؛ بين أضلاع مثلث السيرورة الكونية، وحيوات الكينونة المعافاة (طين وماء ونار)، وأضلاع مثلث العدم السديمي (موت وانحلال وغياب .(فبأي آلاء المعادلات المدرجة تُحدث؟
حدث بنبل المقصد قبل الرحلة، وسقف القيمة قبل فرق القيمة، وبروعة قمر الحقائق قبل قطعان الغسق، وبالطريقة قبل المريد؟ ولا تأخذنّك في صرخة أرخميديس اليوناني "وجدتها" لومة ساقط، وعتب متسلق، وأحبولة دجال، وجأر وضيع، وأنت تهزج مع المصور العالمي النجم ألبرت دورر: "أعطوني وحل الأرض فقط، لأرسم أجمل ذراعٍ لفينوس!"

