الشاعر والروائي والمترجم سامر أبو هواش، له أكثر من عشر إصدارات شعرية، آخرها (من النهر إلى البحر)، وقبله (أطلال)، وروايتان، وترجم العديد من المجموعات الشعرية الأمريكية، والرواية الإنجليزية إلى العربية، من مواليد صيدا جنوب لبنان في العام 1972، درس الصحافة في الجامعة اللبنانية وتخرج فيها في العام 1996، عمل في الصحافة اللبنانية والإمارتية، يقيم في إسبانيا، ويعمل مديراً للقسم الثقافي والاجتماعي في مجلة المجلة، عن ديوانه الأخير والوضع الفلسطيني والإبادة الجماعية في غزة، كان لـ "الهدف" الحوار التالي :
- ديوان "من النهر إلى البحر" يتخذ من حرب الإبادة بغزة منذ خريف العام٢٠٢٣، منطلقاً له، كيف نظرت لها من المنظار الشعري والإنساني؟!
القصيدة الأولى التي كتبتها في هذا الديوان، ربما بعد نحو شهر من حرب الإبادة على غزة، كانت قصيدة "لم يعد مهماً أن يحبنا أحد"، في ذلك الوقت كان الشعور الطاغي عليّ هو أننا كفلسطينيين تركنا وحدنا لنقتل ونباد، وأبعد من ذلك ليباد مشروعنا الوطني وحلمنا بقيام دولتنا الفلسطينية.
لقد كان كلّ ما جرى منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، نتيجة لتاريخ طويل من التخلي، والمساومة، ومشروع وأد الحلم الوطني الفلسطيني.. هكذا قرأت الأمر منذ البداية، إذ لا شيء في هذه الحرب معزول عن المشروع الأكبر الذي رأيناه يمضي قدماً، وعلى صعيد المنطقة برمتها، قبل أن تطلق رصاصة واحدة من غزة.
ما جرى ويجري حتى الآن يمكن تسميته بأقصى حد من استغلال تفكك المنطقة العربية وتشرذمها وضعفها، وغياب أي مشروع سياسي عربي جامع، وحتى لو لم يحدث السابع من أكتوبر، فهذا المسار كان متواصلاً، بقرار دولي وعربي، واليوم عدنا لنرى تواصل هذا المسار.
حرب الإبادة كانت السبيل لتسريع المسألة لا أكثر. ما كان سيحدث في عشر سنوات مثلاً، حصل في ثلاث سنوات، والمؤلم – بل الفاجع – في الأمر، أن كل ما حدث لم يدفع إلى لحظة يقظة وطنية فلسطينية شاملة، تعيد ترتيب الأوراق وبلورة المشروع الوطني الفلسطيني، انطلاقاً من جميع هذه التطورات.
إذن، هذه القصيدة، بالنسبة إليّ تختزل هذا المشهد، أننا كما قال الراحل الكبير محمود درويش "وحدنا"، هكذا كنا منذ ما قبل 1948، وهكذا نحن اليوم.
- نصوص الديوان محملة بالألم والخراب والاغتراب في سياق مأساة الإنسان الفلسطيني، ويتموضع فيها رغم ادعاء الحضارة الغربية الإنسانية عبر حقوق الإنسان، لماذا استمرار التراجيديا الفلسطينية؟!
أوافق على توصيف الألم والخراب، أما مسألة الاغتراب فهي موضع نقاش، إلا إن كان المقصود الشعور بالاغتراب عن العالم. لكن من جهة أخرى، لا بد لي من القول إن قصائد "من النهر إلى البحر" مجتمعة، هي المرة الأولى التي أكتب فيها بوصفي فلسطينياً.
خلال سنوات نشأتي وشبابي، كانت قضية فلسطين (رغم كل الهزال السياسي الرسمي) على كل لسان. كنا نشعر أن لنا شركاء في محيطنا العربي في فلسطينيتنا ووجعنا، إلا أن حرب الإبادة أكدت أن هذا لم يكن إلا وهماً. كنا وحدنا منذ البداية. وقد كتبت قصائد الديوان انطلاقاً من هذا الشعور، وكان ماثلاً أمام عيني التجارب الماضية التي كنا نتعرض فيها للقتل والإبادة، كما كان ماثلاً الخوف من مستقبل يعود فيه الجميع إلى الصمت ونبقى نحن لنكمل المواجهة وحدنا.
وبالتالي فالحديث ليس فقط عن ادعاءات الحضارة الغربية وما إلى ذلك، بل في قلب هذا كله، لا بد من الحديث عن الادعاء العربي الزائف، وكل الشعارات التي كانت ترفع سابقاً.
أخشى أن الإجابة عن الأسباب تتجاوز قدرتي، إلا أن ما يمكن قوله إننا أضعنا عقوداً طويلة، منذ الانتفاضة الأولى، لصياغة مشروع وطني فلسطيني حقيقي، متحرّر أولاً من كلّ حمولات الماضي الثقيلة، وقادر على صوغ رؤية عصرية حديثة وأصيلة للصراع.
لقد اعتمدنا أكثر مما يلزم على البيانات العربية، والاتفاقات الدولية، والرعاة الدوليين، حتى بتنا عاجزين عن الفعل. بات النضال الفلسطيني محكوماً بمجموعة محدّدات داخلية وإقليمية ودولية، تمنع أي أفق للاجتماع الفلسطيني الفاعل والمؤثر والقادر على المواجهة. يجب أن نعترف أننا، منذ اتفاقات أوسلو، وولادة ما يسمى بـ "السلطة الفلسطينية"، وما تلا ذلك من تشرذم داخلي فلسطيني، صرنا الحلقة الأضعف في المنطقة.
اختصاراً لهذا كله، فلنتأمل فقط الواقع العربي اليوم، حيث الجميع تقريباً بات يقول "فلسطين ليست قضيتي"، ويبني مشاريع سياسية وتحالفات بناء على ذلك، في حين ما زلنا نحن عاجزين عن صوغ جواب جدي على كل هذه التحولات.
- يظهر الأمل المجهض في قصيدة الأنقاض، والمدينة الأخيرة في نهاية الحضارية البشرية، هل يستطيع الشعر إنقاذ العالم من بربرية الصهيونية ومصالح الاستعمار؟!
الشعر لا يستطيع فعل شيء. الشاعر "يغني" أو "ينشد" بالمعنى القديم للكلمة. حتى الملاحم الكبرى مثل الإلياذة والأوديسة والإنياذة، هي في الحقيقة حواش على الواقع، حيث يقف الشاعر ويروي ما يتخيله من الماضي، ويراه من الحاضر، ويتوقعه من المستقبل.
لكنه لا يستطيع التأثير في الواقع. هو بمعنى من المعاني شاهد لا أكثر. قبل "من النهر إلى البحر" كتبت قصيدة "أطلال" التي صدرت في 2022، ولعل العنوان وحده يعبر عما أقول، إذ يأتي انطلاقاً من مبتدأ القول الشعري الشهير "قفا نبكي"، ثم يسرد الشاعر صور الخراب، مستذكراً ومستحضراً صور الماضي "الجميل" إلخ.
الشاعر حين يكون شاهداً لا يستطيع إلا أن يقف ويبكي. لكن البكاء، أو الرثاء بالمعنى الأعرض، ليس على غزة وحدها، أو فلسطين وحدها. هو بالفعل رثاء للإنسانية. حين تحدث أي إبادة في أي بقعة من العالم، فإن البشرية كلها تصبح معنية، لأن هذا يصبح إرث الجيل الذي حضر الإبادة، وكان شاهداً عليها.
هذا ما حصل في الهولوكوست إبان الحرب العالمية الثانية، وما حصل للأرمن قبل ذلك، وفي البوسنة والهرسك، وغيرها العديد من الإبادات. البشرية برمتها تحمل هذه الوصمة، وصمة الإبادة. وهي وصمة لا تمحى بمرور الزمن، وليس من تعويضات أو اعترافات من أي نوع يمكن أن تخفّف من أثرها. ليس من قبيل المبالغة أو الكلام الإنشائي القول إن الإبادة التي حصلت وتحصل في فلسطين اليوم، هي امتداد للإبادة التاريخية بحق الشعب الفلسطيني.
لقد رأيت ممثل كيان الإبادة في الأمم المتحدة وهو يتحدث قبل أيام أمام العالم كله، عن أن القرآن، وليس التوراة وحدها، وعدهم بفلسطين كلها، إرثاً أبدياً لهم. كلام كهذا كان يمكن أن يفجّر موجات إدانة وسخرية وردود على مستوى العالم كله، لو قيل قبل سنوات، لكن قوله اليوم لم يحدث أيّ أثر.
ما كان يضمره الصهاينة منذ البداية، يقولونه اليوم جهاراً. هذا هو الفارق الوحيد، أما المشروع فقائم منذ ما قبل 1948.
رغم كلّ التشاؤم في كلامي هذا، فلا بد لي من القول إنني حقيقة لست قلقاً على فلسطين، فهي ستبقى قائمة وسيبقى اسمها فلسطين، كما قال أيضاً شاعرنا درويش. مصدر الألم الحقيقي لديّ يتعلق بالأجيال. بنا نحن، أهل هذا الزمن بأننا نعيش اليوم ما عاشه أجدادنا وأخشى أن أحفادنا سيعيشون ما نعيشه.
فلسطين ستتحرر ذات يوم، هذه حقيقة راسخة في قلبي وضميري، ولا أشك فيها لحظة، لكنني أحزن على نفسي وعلى أبناء جيلي، من فلسطينيين وعرب وغيرهم، ممن يعيشون اليوم هذه المآسي الكبرى ويجدون أنفسهم عاجزين عن فعل شيء، سوى أن يكونوا شهوداً في أفضل الأحوال.
- قصيدة " الرقم" تبعد اسم الإنسان وتحوله لرقم بفرع فلسطين أيام النظام البائد، أو إلى مقابر الأرقام في الكيان الصهيوني، حيث لا قيمة إنسانية لإنسانية الإنسان، أين إنسانية الإنسان؟!
يظلّ جرحاً شخصياً بالنسبة إليّ، أن أخي إسماعيل الذي كتبت عنه القصيدة/ الكتاب "تخيط ثوباً لتتذكر" قبل أكثر من عشرين عاماً، هو من المعتقلين في مقبرة الأرقام. بالنسبة إليّ، هو مدفون في أرض وطنه، وبالتالي هو أفضل حالاً منا جميعاً، لكنّ دلالات ذلك المؤلمة أن الإنسان الفلسطيني، حتى وهو ميت، لا قيمة له.
لقد قرأت عن احتفاظ الكيان الصهيوني بمئات الفلسطينيين ممن استشهدوا منذ السابع من أكتوبر، وذلك لمقايضتهم في أي صفقات مستقبلية. مجرد قراءة هذا الخبر تجعلني أرتجف اشمئزازاً ورعباً من هذا العالم. أولئك الذين لا يمضي يوم لا يخرجون لنا به بـ "ناج" من الهولوكوست، يروي قصته ويحيي ذاكرة تلك الإبادة، هم من يرتكب هذه الفظائع بحق الإنسانية، بما في ذلك الفظائع بحق الموتى. هذا يجعلني أشك بعمق بكل الروايات التاريخية حول المظلومية اليهودية، لكنّ هذه مسألة أخرى.
أعود إلى سوريا، لطالما كان موقفي منذ بداية الثورة السورية، أن ما ارتكبه النظام البائد من جرائم، ومن إبادة بحق شعبه، إنما يصب في خدمة السردية الصهيونية، وقد استعملها مجرمو الحرب الصهاينة أنفسهم، حين استشهدوا بأفعال الأسد (الذين كانوا أكبر داعميه) للتدليل على أن ما يفعلونه هم في غزة وعموم فلسطين، بالقياس إلى سوريا، ليس شيئاً يذكر. لكن، بالنسبة إليّ، لا أفرق بين الاثنين بتاتاً، بل لا يفوتني دائماً التذكير بأنه لولا هذا الكيان المصطنع لما عاشت المنطقة العربية كلّ هذه الويلات منذ ثمانين عاماً وحتى اليوم.
يحزنني حين أرى بعض المثقفين والنشطاء السوريين، يشاركون من حيث يدرون أو لا يدرون في ترسيخ هذه السردية، من خلال جعل المجرم الأكبر والوحيد والحصري نظام الأسد، ويعتبرون أن مجرد الإشارة إلى جرائم إسرائيل، ربما تقلل من أثر ما فعله آل الأسد.
لا فرق بين قاتل وقاتل وبين إبادي وإبادي آخر، وعلينا ألا ننسى يوماً ما الذي قاد المنطقة إلى كل هذا الخراب منذ البداية.
- الشتات ظهر بالنكبة في العام ١٩٤٨، ليصبح شتاتات فلسطينية، إذ تشتت فلسطينيو لبنان في الحرب الأهلية اللبنانية، وهناك شتات فلسطينيو العراق مع الاحتلال الأمريكي للعراق، وشتات الفلسطيني السوري بعد ثورة٢٠١١، قصيدة أهلي تقرؤها، كيف نرى الشتات الفلسطيني، والعربي؟!
الشتات أولاً في العقل، أي في المشروع السياسي والثقافي الفلسطيني، قبل الشتات المكاني. لطالما كنا مشتتين في بقاع الأرض، وحتى داخل فلسطين (حيث هناك مخيمات أيضاً! بما في ذلك في مناطق "السلطة")، لكن جاءت لحظات تاريخية اجتمعنا فيها على مشروع مشترك، كما في الانتفاضة الأولى.
مثل هذه اللحظات لم تكن يوماً صافية كاملة، لكنها كانت تقول إننا شعب يملك مشروعاً وطنياً جامعاً، بصرف النظر عن أماكن تواجدنا. لست واثقاً من أننا اليوم قادرون على قول الشيء نفسه.
لا أخفيك أن أكثر ما يزعجني هو تسمية "فلسطيني لبناني" للاجئ الفلسطيني في لبنان، أو "فلسطيني سوري" للاجئ الفلسطيني في سوريا. تزعجني دلالات هذه التسمية، فهي تجعل الشتات نوعاً من الإقامة على حال ثابت، وكأننا نحمل بالفعل هويتين أو جنسيتين، علماً أن كلّ الوقائع تكذّب ذلك، بما في ذلك الحرمان من أبسط الحقوق، في حالة لبنان مثلاً.
هل تعرف أن الفلسطيني، وإن حمل أي جنسية في العالم، لا يستطيع شراء عقار في لبنان، وفقاً لأحدث القوانين العنصرية في لبنان. بمعنى آخر، إنهم يطردونك دائماً من الحياة، مرة باسم التضامن معك باسم "حق العودة"، ومرة أخرى باسم القلق منك ومن أن تفكر يوماً بالنضال من أجل العودة. هذا ليس تناقضاً فحسب، هذا تعبير عن حجم التردّي والنفاق القائمين في المؤسسات السياسية العربية.
يفترض بالشتات أن يكون عامل قوة لنا، لكن وكما قلت سابقاً، دون مشروع وطني جامع، يصعب استثمار أيّ عناصر قوة كامنة لدينا بصورة صحيحة. نحن اليوم في زمن المصائر الفردية، وأخشى أنه سيمر وقت طويل قبل أن نكتشف أننا مهما ابتعدنا زمانياً ومكانياً، ومهما كان نوع الأوراق الثبوتية أو الجنسيات أو الجوازات التي نحملها، فسنبقى فلسطينيين، ليس انطلاقاً من تشبثنا بهويتنا الوطنية، وحبذا لو كان الأمر كذلك، لكن لأن العالم، وعدوّنا قبل الجميع، يرانا هكذا، بوصفنا العدو الأبديّ الذي يجب مطاردته إلى كلّ مكان.
- رغم التراجيديا الخراب، يبقى الحب مفتاح الأمل نجده في قصيدة أحملك يا صغيرتي، هل يستطيع الحب الحفاظ على ذات الإنسان بظل الخراب؟!
هذه القصيدة هي استعادة لمشهد الجد خالد النبهان وهو يحمل حفيدته الطفلة التي قتلت في غزة، ويقول "هذه روح الروح". أظنّ أن هذه اللحظة، مثل لحظة قتل هند رجب، مثل لحظة قتل المئات في لحظة واحدة في جباليا وغيرها، هي من أكثر اللحظات تعبيراً عن مأساتنا، وأيضاً عن روح الحبّ والحنان المزروعة فينا.
إن الإبادة، في جوهرها، هي تكريس لفكرة حيونة "العدو". وقد أراد الصهاينة بإمعانهم في قتلنا والتنكيل بنا، القول إننا حيوانات، أو "حيوانات بشرية" كما قال أحدهم. لكن أهل غزة، استطاعوا رغم كل الألم والرعب والفقدان، أن يجسدوا هويتنا الإنسانية، وتشبثنا بالحياة، وتعاضدنا في المحن، وحتى ألمنا على الفقدان هو تعبير عن مدى تمسكنا بالحياة، وهذا على الضدّ من الصورة التي أراد العدو تكريسها بأننا نحب الموت ونسعى إليه بل ونحتفي به.
وقت كتابة هذه القصيدة كان خالد النبهان ما زال على قيد الحياة، ومقاطع الفيديو التي تصور حنوه على الأطفال والقطط، وسط خراب غزة العام، ما زالت حاضرة بقوة، لكنه كما هو معلوم قتل بعد عام ونيف، لينضم إلى حفيدته وإلى آلاف الضحايا الآخرين. وأظن أنه كان هدفاً ببساطة لأنه جسد هذه الصورة الناصعة عن شعبنا.
- المكان للإنسان الفلسطيني يتحول إلى فضاء شعري يعاد تشكيله، ما هي الفضاءات الشعرية القريبة إليك؟!
أولاً، محمود درويش. أنا بعيد عن درويش في الجماليات الشعرية، إن جاز القول. فهو في نهاية المطاف شاعر غنائي، كما هم كبار الشعراء حين يصبحون ناطقين باسم شعب ووطن، أو ما يسمى "الشاعر القومي" لشعب من الشعوب.
وأنا في المقابل، أكتب قصيدة النثر، ولست متأثراً بأسلوب درويش وغنائيته. لكنني لم أجد في لحظة الكتابة عن مأساة بحجم الإبادة، سوى صوته سنداً لي لكي أستطيع الكتابة أساساً.
أن تشعر أن هناك سلفاً لك، صوتاً شعرياً بحجم صوت محمود درويش، يمنحك قوة، ويتيح لك أساساً صلباً تنطلق منه لتقول ما تريد قوله. هذا حاضر في قصائد مثل "أهلي" و"لم يعد مهماً أن يحبنا أحد" وغيرهما.
لكنه غير حاضر مثلاً في القصيدة المشار إليها في السؤال أو في قصيدة "من النهر إلى البحر". هذه القصيدة هي قصيدة تدفق هذياني، لشخص بعيد لا يفعل شيئاً سوى أن يشاهد المقتلة على شاشة التلفزيون، وهو على ما أظن حال الغالبية العظمى حول العالم. الشعور بالعجز، بما في ذلك عجز اللغة، كان الدافع وراء هذه القصيدة التي تروي مشاهد من الإبادة، وفي الوقت نفسه تدور حول معضلة أن تشاهد يوماً بعد يوم أهلك يقتلون مباشرة على الهواء. لهذا السبب أحب هذه القصيدة بصورة خاصة، وأرى أنها أفضل قصائد الديوان، وهو ما فات كثر التنبه له.
- في القصائد توظيف بصري يتجاوز الحسي والمجرد بين المشهد الواقعي والرمزي، كيف تشتغل على الصورة البصرية في قصائدك؟!
**في الشعر الغربي، الأوروبي والأنغلوفوني عموماً، تجد تقسيم الشعر إلى اتجاهات ومدارس أكثر وضوحاً أو رسوخاً مما في الشعر العربي، حيث ما زال لدينا تقسيمات تقليدية لم تعد فاعلة جمالياً مثل "الرثاء" و"الهجاء" و"المدح" إلخ.
فتجد مثلاً شعر الصورة، وتجد شعر اللغة، والشعر الاعترافي، والشعر الاحتجاجي، والرمزي والسوريالي.. إلخ. صفات أو مسميات تطلق عادة على المشروع أو الاتجاه الذي يتبلور من خلاله مشروع أي شاعر، لكنك تجد في الوقت نفسه التداخل بين جميع هذه الأنواع. فالشعر السوريالي مثلاً هو في الوقت نفسه شعر صورة، وشعر لغة، والشعر الاحتجاجي، يقوم على التدفق والكشف اللغويين والنبرة المرتفعة، ولا تغيب عنه لا الصورة ولا اللغة، والشعر الرمزي يقوم على حضور المجاز والاستعارة والتمثيل إلخ.
الشعر العربي، بما في ذلك القديم، بل خصوصاً القديم، فيه ذلك كله. سوف تجد في المعلقات، كما عند امرئ القيس، أو في قصائد أبي تمام أو المتنبي أو البحتري إلخ، حضوراً متوازياً للغة والصورة والمجاز والاستعارة وغير ذلك من أدوات.
ولذلك أستغرب كلام بعض النقاد الذي يحاول حصر قصيدة النثر في جانب أو ملمح واحد، مثل الصورة، بل ذهب بعضهم إلى اعتبار الركاكة اللغوية (ما سمي اللغة اليومية) جزءاً من تجربة القصيدة الحداثية، وهذا غير صحيح، لا في التجربة الحداثية الحالية، ولا في كل الموجات السابقة. أحب أن اعتبر نفسي جزءاً من تجربة شعرية أوسع، لا تنفصل عن الاتجاهات الشعرية العربية، ولا العالمية، وبالتالي الصورة حاضرة عندي، كما هي مثلاً عند امرئ القيس وهو يصور مثلاً سعيه وراء النساء، أو المتنبي وهو يصور الخيل، أو ميادين الحرب.
ما حدث هو أن الصورة نفسها تغيرت وتطورت، بتطور الثقافات والمجتمعات، وبدخول مؤثرات عديدة، ومنها السينما. وهنا نتحدث عن الصورة بوصفها أداة جمالية، لكنها ليست مذهباً أدبياً أو محدّداً نهائياً وصارماً. في قصائد مثل "الأنقاض" و"امرأة تحت ملاءة" وحتى "من النهر إلى البحر" الصورة أداة أساسية، بمعنى أن القصيدة ترسم مشهداً، لكنّ المشهد "الحيادي" وحده لا يصنع قصيدة، بل إنه مكوّن من مكونات التجربة الشعرية، ويفترض أنه يخدم في إيصال الفكرة الشعرية، إن جاز تسميتها كذلك.
- ماذا يعني أن تكون شاعراً فلسطينياً في زمن الهزائم الكبرى إنسانياً وسياسياً؟!
لا أرى الأمر كذلك. لأوضح أكثر، في قصيدتي الطويلة "تخيط ثوباً لتتذكر" وهي مرثية لأخي الشهيد إسماعيل أبو هواش، أستحضر (أتخيل) إسماعيل صغيراً في البيت، وأتخيل أمي وأبي، وهؤلاء الثلاثة هم أبطال القصيدة، إن جاز القول.
ليس من مشهد في هذه القصيدة نابع من الذاكرة بالمعنى المباشر للكلمة. ما فعلته القصيدة بالنسبة إليّ، هو أنها ساعدتني على تركيب ذاكرة غير موجودة أساساً، بمعنى أنني لم أعشها. لكن بمجرد كتابتها صارت موجودة وحقيقية، أي أصبحت ذاكرة. أظن أن هذا أحد أسباب الكتابة، أنها لا تصف فقط ما هو في الذاكرة أو في المعيش، لكنها تخلق ذاكرة خاصة، ومعيشاً آخر.
والتجربة الإنسانية تخبرنا أننا، خصوصاً مع التقدم في السن، لا نتذكر إلا لمحات من حياتنا، صوراً متقطعة وسريعة... الأمر في الواقع ليس كما في الأفلام حين يستذكر البطل مشهداً كاملاً، بكل تفاصيله، في الحياة لا تعمل الذاكرة بهذه الصورة، بل إنها تتأثر بالتجربة اللاحقة. ما أتذكره اليوم بصورة معينة، أتذكره غداً بصورة أخرى، وما أحسبه لحظة عظيمة اليوم، قد لا تكون حاضرة في ذاكرتي غداً. فالذاكرة إذن لا تحمل بصورة خطية واضحة، إنها لغز من ألغاز الحياة، كما كلّ شيء آخر.
لا أعرف إن كان هذا يجيب عن السؤال، لكن ما أريد قوله إن التجربة الإنسانية لا تختزل بأي حال من الأحوال بشريط من الصور، أو بفكرة من الأفكار، فهي كتلة مشاعر وأفكار وتخيلات وآمال وأحلام وخيبات وإكراهات ولحظات فرح وأسى إلخ.
إنها كل ذلك معاً، واجتماعها في روح واحدة هو ما يجعل الشعر الجواب الحقيقي الوحيد على هاجس الفناء، لأنه المكان الذي يجتمع فيه كل شيء، والذي من خلاله نصنع ذاكرة مستمرة وحيّة وغامضة، تتجاوز حتى قدرتنا على الفهم، لكنها تمنحنا هبة أن نكون بشراً، لأن الذاكرة – لا اللغة ولا العقل – هي ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات.

