منذ السابع من أكتوبر 2023، وفي أعقاب صدمة "طوفان الأقصى"، يدور نقاش حاد في الأوساط الرسمية الإسرائيلية حول ضرورة تحديث أو تغيير مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، وإعادة رسم صورة إسرائيل الأمنية التي وضعها ديفيد بن غوريون، والتي قام على أساسها مفهوم الأمن الإسرائيلي لعشرات السنين. وعلى النقيض من تصور بن غوريون بدأ يتبلور على أرض الواقع "مفهوم أمني جديد" يستند إلى رؤية أيديولوجية دينية ترى إسرائيل أشبه بإسبرطة الخارقة وتضعها في حالة حرب دائمة، وجولات متكررة من الغزو والاستيطان، وتكريس كل الوسائل لمواصلة الحرب والعدوان.
يعود التغيير في مفهوم الأمن الإسرائيلي، إلى التطورات التي جرت خلال السنوات الأخيرة، في واقع جديد أجبر إسرائيل على أن تخوض حرب استنزاف متواصلة ومتعددة الساحات، تتطلب زيادة في حجم القوات، وإقامة أطر جديدة، وتجديد مخزونات الذخيرة، والاستعداد للتآكل المستمر في القوى البشرية، والتراجع الملموس في الاقتصاد والصناعة الأمنية. والميزة الرئيسية لهذه التطورات، إلى درجة كبيرة، هي انتقال مركز الثقل من الحروب الشاملة التقليدية المتناظرة بين الدول، إلى مواجهات محدودة، غير متناظرة، تكون فيها الأطراف المشاركة في الحرب ليست دولاً فقط بل تنظيمات وحركات مسلحة. ويتمثل هذا التغيير في تآكل مفهوم الردع الذي يشكل أحد المرتكزات الأساسية للنظرية الأمنية الإسرائيلية التي تستند على "الثالوث الأمني". فقد تغيرت البيئة الاستراتيجية للكيان الصهيوني إلى حد كبير، وتغيرت كذلك طبيعة المواجهات العسكرية، كما ازدادت تعقيدات المواجهة عندما وجد قادة الجيش الإسرائيلي أنفسهم متورطين في معارك من نمط حرب العصابات، داخل مناطق مأهولة أو حراجية لا يستطيعون التحرك فيها بشكل مريح ولا يستطيعون استخدام الآليات العسكرية المدججة، بسبب كثافة المباني في الأحياء السكنية وكثرة الأشجار في المناطق الحراجية التي تحجب الرؤية وتساعد رجال المقاومة على التخفي والاختباء. ولا تستفيد قوات الاحتلال من استخدام الرمايات النارية التي تساند الجنود قبل الدخول إلى منطقة معينة. فهي تواجه خصماً مختلفاً لا يمكن تمييزه بسبب قدرته على الظهور والاختفاء السريع، سواء بين المباني والأشجار أم تحت سطح الأرض.
يدرك الإسرائيليون إذاً، أن الغاية القصوى من جولات العدوان الإسرائيلية ضد الفلسطينيين والمقاومة لا تمكنهم من الحسم النهائي، وإنما هي محاولة تجديد مستوى الردع بحيث يكون بالإمكان العودة إلى الحياة الروتينية العادية بدرجة أمن مقبولة. وعلى الرغم من أن عمليات الردع قد شكلت خلال الجيل الأخير نمط القتال السائد في الواقع الإسرائيلي، وعلى الرغم أيضاً من محدودية قدرة الجهاز العسكري على أن يكون أداة فعالة حصرية في تحقيق الغاية الاستراتيجية في معارك من هذا النوع، إلا أنه لم يتم على مدى السنوات السابقة تطوير نظرية ملائمة، تقوم بجمع العناصر الأخرى على المستوى القومي في ظل تصور استراتيجي موحد. وهذا يعني أن مفهوم الامن الجديد يستوجب الدمج بين الاستخبارات والهجوم والدفاع متعدد الطبقات، والمعركة البرية والسيطرة الجوية والبحرية والتواصل اللوجستي والقدرة على الإنتاج الذاتي للذخيرة. بالتوازي، فإن التعاون بين أذرع الجو والبحر والبر والاستخبارات والسايبر أصبح الشرط الضروري لإدارة حرب متعددة الساحات. وعلى المستوى الإقليمي يظهر بشكل جلي تهديدان يحتلان رأس جدول الأولويات لبناء الرد الأمني وهما: الأول هو تحول إيران إلى قوة نووية، الأمر الذي يضم بين طياته تهديداً وجودياً وتغييراً للميزان الاستراتيجي في المنطقة. والثاني هو استمرار الصراع الإسرائيلي –الفلسطيني وتأثيره السلبي سواء على الساحة الداخلية أم على صورة إسرائيل على الساحتين الدولية والإقليمية.
أما التحدي الأكثر خطورة فقد أميط اللثام عنه في مؤتمر هرتسيليا تموز 2026، حيث ظهر الداخل الإسرائيلي في المؤتمر كجبهة قائمة بذاتها، إذ برز تهديد استراتيجي جديد لم يشهده الكيان الصهيوني من قبل، وهو الانقسام الداخلي الذي يهدد بالانهيار، في ظل مساعي التيار الديني المتطرف لإقامة دولة دينية. فالقيادة الإسرائيلية تخشى أن تواجه خصومها بجبهة داخلية ضعيفة وجمهور غير متماسك، ما يجعلها أمام تحدٍ وجودي جديد يتمثل في خطر تفكك "العقد الإسرائيلي". ومن موقع قريب، دعا الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في كلمته في المؤتمر إلى إعادة كتابة "العقد الإسرائيلي" عبر ثلاثة عقود: عقد القانون وعقد الانتماء وعقد المستقبل. في عقد القانون، شدد على أن الدولة لا تستطيع العيش إذا اختارت كل جماعة القانون الذي يناسبها. وفي عقد الانتماء، قال إن المواطن يستطيع أن يخسر الانتخابات من دون أن يخسر الدولة، وأن يفوز من دون أن يملك حق محو نصفها. أما عقد المستقبل فربطه بالتعليم والجيش وسوق العمل والحكم المحلي وسيادة قانون واحد للجميع.
لقد اختفى التمييز بين الجبهة العسكرية والجبهة الداخلية الإسرائيلية، إذ جعلت هجمات السايبر والصواريخ بعيدة المدى الجبهة الداخلية جزءاً لا يتجزأ من المعركة، وكشفت الحرب المعنى الجديد للمناعة الداخلية. فالجبهة الداخلية الإسرائيلية لم تكتف بتلقي الصواريخ، بل باتت عنصراً في المعركة. ولم تعد الجبهة الداخلية خط حدود بل مجال إقليمي. إضافة إلى ذلك فقد تغير معنى الحدود، إذ فقدت الحدود معناها الجغرافي. وبدلاً منها أصبح "مجال التهديدات" منظومة واحدة. ولأول مرة منذ إقامة الكيان الصهيوني اضطر جهاز الأمن لأن يفكر بتعابير "مجال تهديدات" واسع وليس تعابير حدود "جبهات منفصلة". كما أن منظومة الدفاع الجوي كانت مطالبة بأن تعمل في وقت لاحق حيال أنواع مختلفة من التهديد تأتي من مديات واتجاهات مختلفة. فلم يعد الأمن القومي الإسرائيلي يقاس فقط بقوة النار التي يتلقاها، بل أيضا بالقدرة على الربط بين الجيش والاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والدبلوماسية والمناعة الاجتماعية في منظومة واحدة، مرنة ومتواصلة. ذلك أن عقيدة الأمن الجديدة لإسرائيل تفحص ليس في قاعات المداولات فقط، بل وأيضا في ميادين المعركة، وفي قواعد الاحتياط وفي المصانع وفي مختبرات التطوير وفي الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
ووفق المفهوم الأمني الجديد، لا يقتصر "الأمن القومي الإسرائيلي" على العمل العسكري فحسب، بل يشمل، من بين أمور أخرى، علاقات إسرائيل الخارجية، وقدرتها على الصمود الاجتماعي والاقتصادي، علماً أن الجيش الإسرائيلي لا يزال يحتل مكانة مركزية في الحياة الإسرائيلية بوصفه الأداة التنفيذية للوظيفة العدوانية، ما يجعله مرتبطًا بشكل كامل بـ"الأمن القومي"، الأمر الذي يحمله أعباء كبيرة.
إن النظر لإسرائيل "كإسبرطة الخارقة"، كما وصفها رئيس الوزراء نتنياهو، يُشكل خطراً كبيراً على إسرائيل نفسها، وبالدرجة الأولى على الأمن القومي بمعناه الأوسع. وبحسب رئيس الأركان إيال زامير، تُهدد "بانهيار الجيش الإسرائيلي على نفسه". فهي التي يُستنزف جيشها إلى أقصى حد في حرب مفتوحة لا تنتهي، وتتوسع حدودها باستمرار، والجمهور الإسرائيلي ممزق بسبب صراعات الهوية والصراعات السياسية. إنّ العبء الناجم عن هذا المفهوم يُهدد اقتصاد إسرائيل الذي يعتبر أساس القوة العسكرية، كما أنه يُؤثر سلباً على قدرات الجيش الإسرائيلي القتالية، ويُشكك في تفوقه على أعدائه، ويُقربه من عزلة عالمية خطيرة.

