Menu

حاتم قاسم حين تصير الأم وطنا والوطن أم

وفاء حميد

نشر في مجلة الهدف العدد (86) (1560)

 

هاجر من قريته القديرية قضاء صفد إلى الشتات، وترك قلبه فيها. وكان بالشعر يزورها كل يوم، ويهديها أجمل القصائد. لم يكتف بحب قريته وحدها، بل تعداه إلى كل فلسطين، إلى الأرض التي احتضنته وروته من نبعها الدافق. فكان الابن البار الذي ما فارق وطنه إلا وفؤاده معلق به، وما غادره إلا وجذوره ضاربة في أعماقه. فصنع من مهجره عنواناً لفلسطين، وفي كل مكان حلت به رحاله، حمل همومها وقضاياها، ونثر حروفها على دروب الغربة.

كما مزج في شعره بين حب الوطن وحب الأمة، فكلاهما وطن يعبر فيهما عن حنينه، وبينهما كان معنى الألم والفقد الذي لا ينسى.

حاتم قاسم شاعر وقاص وناقد وصحافي فلسطيني

- عضو اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين

- عضو تجمع كتاب القصة القصيرة

- غضو اتحاد كتاب الانترنت العرب

- نشر العديد من قصائده في الصحف العربية ( الأسبوع الأدبي - صدى الجنوب - السفير العربي - الجولان الثقافي - قورينا - فوانيس - البيارق - والعديد من الصحف الفلسطينية )

- كتب العديد من الأغنيات لفرقتي الشروق الفلسطينية وفرقة اتحاد العمال بدرعا .

- من أهم اصداراته :

مجموعتين شعريتين ( صهيل الغيوم - زهرة القرنفل )

- وله في مجال القصة القصيرة ( عصافير الثورة )

- كتاب دراسات نقدية في الأدب النسوي المعاصر ، كتاب مشترك مع الاستاذ حسين علي الهنداوي .كان لنا كان معه هذا اللقاء المفيد:

أتقن الشعر في سن مبكرة، يوم أرى العالم بعينٍ مختلفة، وألتقط من التفاصيل الصغيرة ما لا يراه الآخرون. منذ طفولته كان للكلمة في داخله مكانٌ خاص، وكان يشعر أنه يمتلك لغةً أخرى للحياة، لغةً لا تُقال دائمًا، وإنما تُحسّ وتُعاش.

ولا يعتقد أن إتقان الأدوات يعني بالضرورة نضج الشاعر. فهو يرى أن الشاعر قد يتعلم الوزن والقافية والصورة، لكنه يحتاج إلى سنوات من التجربة والحب والفقد والانتظار والخذلان كي يتعلم كيف يجعل القصيدة جزءًا من روحه، لا مجرد كلماتٍ جميلة على الورق.

وعندما نضج الشاعر في داخله، هو يرى أنه حدث تدريجيًا، مع اتساع رؤيته للحياة، ومع كل وجعٍ علّمه شيئاً، وكل فرحٍ ترك في روحه نافذة، وكل غيابٍ جعله أكثر إصغاءً لصوته الداخلي. نضج الشاعر عنده حين لم تعد القصيدة وسيلةً ليقول: ( انظروا إليّ ) ، بل أصبح حاجةً يقولها من خلالها: ( انظروا إلى ما يحدث للإنسان ).

لقد تعلّم مع الوقت أن الشعر ليس براعةً في انتقاء المفردات، وإنما قدرةٌ على تحويل التجربة الإنسانية إلى معنى، والوجع إلى جمال، والذاكرة إلى وطن، والصمت إلى لغة.

فقد اكتشف أن القصيدة ما زالت تخبئ له طريقاً آخر، وأن أجمل ما في الشعر هو تلك المسافة التي لم نصل إليها تمامًا، وإنما نظل نمشي نحوها. وكانت أول قصيدة تنشر له ورقياً آنذاك في مقتبل العمر في الصف التاسع بعنوان العودة .

وقد تجلت الأم والوطن في تجربته الشعرية لم يكونا موضوعين منفصلين، بل كانا وجهين لحنينٍ واحد، وجذرين لمعنى واحد اسمه الانتماء. فالأم هي الوطن الأول الذي يولد فيه الإنسان، والوطن هو الأم التي تتسع لتحتضن ذاكرته وطفولته وأحلامه ووجعه ، حين كتبت عن الأم، كان يكتب عن اليد التي منحتنه الأمان الأول، وعن البيت الذي تشكلت فيه ملامح الروح، وعن الحنان الذي لا يحتاج إلى لغة كي يُفهم. وحين كتبت عن الوطن، كان يستعيد ذلك الشعور ذاته، لكن في فضاء أوسع؛ فالوطن بالنسبة له ليس جغرافيا فحسب، بل ذاكرة وملامح وبيوت وطرقات ووجوه، وفي مقدمتها وجه الأم. لذلك تداخلت صورة الأم في شعره مع صوره الوطن حتى بدا أحيانًا أنني لا يستطيع الفصل بينهما. كلاهما يمنحه معنى الجذور، وكلاهما يسكن في الذاكرة حتى حين يبتعد عنه، وكلاهما يصبح أكثر حضوراً كلما اشتد الغياب.

ويرى أن الغربة هي التي كشفت له عمق هذه الثنائية؛ فالإنسان لا يعرف مقدار التصاقه بالأشياء إلا حين يفقد قربها. عندها تصبح رائحة الخبز، وعتبة البيت، وصوت الأم، وشجرة في الطريق، وحجر من تراب القرية، تفاصيلَ صغيرة تحمل وطناً كاملاً .

لهذا لم تكن الأم في شعره مجرد شخصية عاطفية، ولم يكن الوطن مجرد قضية أو شعار كلاهما تحوّل إلى حالة وجدانية. فيقول: "الأم هي الوطن حين يتجسد في قلبه والوطن هو الأم حين تتسع صورتها حتى تشمل الأرض والذاكرة والناس.

ومن هنا جاءت ثنائية الأم والوطن في تجربتي بوصفها ثنائية الحضور والغياب، الجذر والمنفى، الذاكرة والحنين؛ وهي في جوهرها محاولة شعرية لاستعادة المكان الأول الذي بدأ منه الإنسان، واستعادة الذات التي لا تكتمل إلا بانتمائها إلى أمٍّ ووطن".

وهو لا يقف ضد قصيدة النثر، بل ضد الكتابة التي تتكئ على غياب الوزن والقافية لتبرر غياب الشعر. فقصيدة النثر، في رأيه، تحتاج إلى شاعر يمتلك لغةً كثيفة، وصورةً مبتكرة، وإيقاعاً داخلياً، ورؤيةً قادرة على بناء عالمها، لا إلى مجرد تقطيع الجمل على هيئة أسطر شعرية. ويرى أن المشكلة تبدأ حين يصبح الشكل غايةً، وحين يُعتقد أن كسر السطر الشعري هو كسرٌ للقصيدة، وأن الغموض العابر هو عمق، وأن تراكم المفردات هو شعر. فالشعر العربي ظل عبر تاريخه قادرًا على التجدد، من القصيدة العمودية إلى التفعيلة وصولًا إلى قصيدة النثر.لذلك أتعامل مع قصيدة النثر بوصفها مشروعًا شعرياً له شروطه وجمالياته، لا بوصفها نصاً نثرياً جرى توزيع أسطره بطريقة مختلفة. فإذا امتلكت القصيدة نَفَسَها، وموسيقاها الداخلية، وتوهج صورتها، ووحدة رؤيتها، فهي شعر، مهما كان شكلها. وإذا افتقدت ذلك، فلن ينقذها لا وزنٌ ولا قافية ولا كثرةٌ في المجازات ، فالشعر عنده ليس أن نسأل: في أي شكل كُتبت القصيدة؟ بل أن نسأل: ماذا فعلت بنا القصيدة حين قرأناها؟

كما يرى أن التنوع هو أمر طبيعي في كل تجربة شعرية ، وهو ليس تجريباً عابراً بقدر ما هو استجابة طبيعية لحاجة القصيدة إلى شكلها الذي يليق بها. فالشاعر الحقيقي لا ينبغي أن يكون أسير قالب واحد، بل عليه أن يترك للنص أن يختار موسيقاه وبنيته ولغته.

و هنا يكتب الشاعر حاتم، القصيدة العمودية حين يشعر أن المعنى يحتاج إلى صرامة الوزن وإيقاعه، ويميل إلى قصيدة التفعيلة أو الشعر النثري حين يجد أن التجربة تتطلب مساحة أوسع للحركة والانزياح والصورة. لذلك لا يتعامل مع الكلاسيكية والحداثة بوصفهما نقيضين، بل يراهما مسارين يمكن أن يلتقيا في جوهر واحد: هو الشعر .أما التجريب، فهو بالنسبة له وسيلة لا غاية؛ قيمته أن يضيف إلى التجربة لا أن يتحول إلى استعراض شكلي. ، وما يهمه هو أن تظل القصيدة صادقة مع إحساسها، ممتلكة لغتها وموسيقاها، وقادرة على أن تترك أثراً في المتلقي، سواء جاءت في ثوب القصيدة العمودية أو التفعيلة أو قصيدة النثر.

ويقول أن علاقته بالأستاذ الشاعر حسين علي الهنداوي هي في الأساس صداقة أدبية نشأت من مساحة مشتركة من المحبة للشعر والثقافة، وتعمّقت عبر الحوار حول النصوص والقضايا الإبداعية. وقد كان العمل والاحتكاك في الوسط الثقافي فرصة لأن يكتشفا في بعضهما ليس فقط شاعراً، وإنما قارئاً مختلفاً وصاحب رؤية تستحق الحوار. وشريكاً حقيقياً في الهم الإبداعي.

وان فكرة الكتاب النقدي المشترك، فلم تولد بقرار مفاجئ، وإنما نضجت عبر نقاشات طويلة حول الشعر والنصوص وتجارب الشعراء، وحول أسئلة النقد التي كثيراً ما كانت تستوقفنا. ووجدا أن اختلاف زاويتي النظر يمكن أن يكون مصدر قوة، لا سبباً للاختلاف ، فالنقد في جوهره حوار، وحين تتعدد الأصوات حول النص تتسع دائرته وتغدو القراءة أكثر ثراءً.

وقد اتفقا على أن يؤلفا الكتاب بروح التكامل لا بروح المنافسة؛ فلكل منهما رؤيته وأدواته، لكن بين الرؤيتين مساحة واسعة من التفاهم.

وينظر الشاعر حاتم إلى الأجناس الإبداعية اليوم بوصفها مساحات متجاورة لا ميادين متنافسة ، فالشعر والقصة والرواية والمسرح وسائر أشكال الكتابة الإبداعية لكل منها أدواتها وطرائقها . وما يشهده من تداخل بين الأجناس ليس بالضرورة فوضى، بل قد يكون تعبيراً عن تحولات الذائقة الأدبية وحاجة المبدع إلى البحث عن الشكل الأكثر قدرة على احتواء تجربته.

أما القول إن السرديات قد طغت على الشعر، فيراها توصيفاً يحتاج إلى شيء من التروي. صحيح أن الرواية والقصة حظيتا بحضور واسع في المشهد الثقافي والإعلامي، وربما فرضت الرواية نفسها بصورة أكبر على سوق النشر والجوائز ، لكن الشعر لم يفقد موقعه، لأنه ليس مجرد جنس أدبي ينافس غيره، بل هو طريقة مختلفة في رؤية العالم وتكثيف التجربة الإنسانية.

وبالنسبة له، لا يعتقد أن هناك جنساً إبداعياً يمكن أن نمنحه صفة ( الأكثر تأثيراً ) على نحو مطلق. الرواية تستطيع أن تمنح المتلقي زمناً طويلاً للعيش داخل الشخصيات والأحداث، والقصة تستطيع أن تصدمه بلحظة مكثفة، بينما يستطيع الشعر أن يقول الكثير بأقل قدر من اللغة، وأن يصل أحياناً إلى منطقة وجدانية لا تستطيع السرديات بلوغها بالطريقة نفسها.

المعيار الحقيقي، في رأيه، ليس جنس النص وإنما قدرته على أن يكون نصاً حياً وصادقاً ومختلفاً. فقصيدة عظيمة قد تغيّر شيئاً في وجدان قارئ، كما يمكن لرواية عظيمة أن تعيد تشكيل نظرته إلى العالم. وفي النهاية، المتلقي لا يبحث عن ( الجنس الأدبي )، بقدر ما يبحث عن نص يلامسه، ويترك في داخله سؤالاً أو دهشة أو أثراَ لا يزول.

ويقول عن التناص في الشعر، في رأيه، ليس بالضرورة دليلًا على التأثر المباشر، ولا يعني أن الشاعر يعيد إنتاج ما قرأه، وإنما هو جزء من حركة النص داخل الذاكرة الأدبية والثقافية. فالشاعر يكتب من حصيلة قراءاته وتجربته وذاكرته، وقد تتقاطع نصوصه، من حيث لا يقصد أحياناً مع نصوص سبقتها في الصورة أو الرمز أو الإيقاع أو حتى في بعض المفردات.

وفي ديوانه (شال الحنين ) حضرت بعض هذه التقاطعات بوصفها حواراً مع نصوص وتجارب شعرية سابقة، لا بوصفها محاكاة لها. ويعتقد أن الفرق كبير بين التأثر الذي يتحول إلى تقليد، والتأثير الذي يتحول إلى إضافة ، فالأول يبقي النص في ظل النص السابق، أما الثاني فيأخذ من الذاكرة ليصنع صوتاً جديداً.

أما قصيدة ( يا طارق الباب ) تحديداً، فهي مثال على هذا النوع من الحوار الشعري ، فالباب فيها ليس مجرد مفردة أو صورة عابرة، وإنما يتحول إلى رمز للانتظار والحنين والبحث عن جهة يمكن للروح أن تعود إليها. ومن هنا قد تلتقي القصيدة مع تراث طويل من النصوص التي استحضرت الباب والطرق والعتبة بوصفها رموزاً للوصل والفراق والرجاء ، لكن حضورها في القصيدة يأخذ دلالته من تجربتي الخاصة ومن السياق الذي ولدت فيه.

وهو لا يخشى من وجود أثر سابق في النص، فالشاعر لا يولد في فراغ، وإنما يولد داخل مكتبة وذاكرة وتراث وتجارب إنسانية متراكمة.

المهم ألا يظل أسير ما قرأ، بل أن يحوّل ما يقرأ إلى مادة جديدة داخل تجربته، حتى يصبح التأثر بدايةً للتجاوز لا نهايةً عند حدود التقليد.

ويرى أن أجمل ما في التناص أنه يجعل القصيدة نصاً مفتوحاً على نصوص أخرى، وحواراً مستمراً بين ذاكرة الشاعر وذاكرة الشعر. لذلك يتعامل معه بوصفه تفاعلاً إبداعياً لا استنساخاً، وحواراً مع الموروث لا ارتهاناً له.