Menu

ليلة عربية خاصة مع حنظلة بن ناجي العلي عرض مسرحي في كوميديا سوداء تصور رحلة ناجي العلي من حواري قرية الشجرة إلى شوارع لندن

موسى مراغةْ

نشر في مجلة الهدف العدد (86) (1560)

"اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حالو ميت".

ناجي العلي

تمر الذكرى التاسعة والثلاثون لاستشهاد رسام الكاريكاتير الفلسطيني الأشهر ناجي العلي، والذي تعرض في 22 تموز من العام 1987 إلى حادثة إطلاق النار عليه في أحدث شوارع العاصمة البريطانية لندن، حيث أصيب بعدة رصاصات ادخلته في غيبوبة في أحد المستشفيات البريطانية حتى وفاته في التاسع والعشرون من آب 1987.

ناجي سليم حسين العلي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس من خلال رسومات الكاريكاتير التي أبدعها خلال رحلة حياته المهنية والذي كان شاهداً على الكثير من المواقف السياسية والاجتماعية والثقافية الفلسطينية والعربية والإنسانية. وقد أثارت رسوماته الكثير من النقاش والحماسة ولامس الجروح وكان ناقداً حاداً لا يساوم على مواقف ولا يهادن.

مما جعله عرضة للانتقاد والتهديدات من الأطراف والجهات والشخصيات التي انتقدها وعراها في رسوماته. ولعل شخصية "حنظلة" التي ابتدعها كانت لسان حاله والشاهد على الأحداث والرمز للعذاب الفلسطيني والذي كان يدير ظهره في كل الرسومات، ويعقد يديه للخلف.

ولعل قصة حياة ومسيرة ومواقف ناجي العلي الذي ولد في قرية الشجرة الواقعة بين طبريا والناصرة في فلسطين عام 1937. ومن ثم هجرته مع العائلة إلى لبنان أثر حدوث النكبة الفلسطينية في العام 1948، وبعدها مسيرة حياته الصعبة إلى أن ظهرت عنده موهبة الرسم ودخوله معترك السياسة من خلال رسوم الكاريكاتير التي عبر فيها عن الهم الفلسطيني والمعاناة وانتقاده التخاذل والفساد والقمع والتطبيع والمساومة على الأرض والحقوق الفلسطينية.

كل ما سبق عن الفنان والانسان ناجي العلي كان مادة ثرية لأن تنجز "فرقة القدس المسرحية “، والتي كانت تحت إدارة واشراف الفنان الفلسطيني العريق زيناتي قدسية. حيث قدمت المسرحية التي حملت اسم "ليلة عربية خاصة مع حنظلة بن ناجي العلي".

النص المسرحي كان من تأليف الكاتب السوري نبيل ملحم وزيناتي قدسية، والتمثيل لمجموعة "فرقة القدس المسرحية" الفنانين: يوسف المقبل – محمود خليلي – عبد السلام غبور – عبد الباري أبو الخير، والإخراج زيناتي قدسية.

تنتمي هذه المسرحية من حيث النص والأداء إلى الكوميديا السوداء. ولعل هذا النوع هو الأصعب حيث هناك خط دقيق بين الكوميديا المعروفة والكوميديا السوداء حيث الأداء ظاهره الضحك والابتسامة ولكن في دواخله المرارة والعذاب.

يبدأ العرض المسرحي باستعراض تاريخي لأشهر القبائل العربية التي ذاع صيتها عبر التاريخ. ويذكر العرض بما كان عليه الحال في ذلك الوقت مروراً إلى عصرنا الحاضر وما أصاب الأمة من تشرذم وضياع وهوان إلى أن أصبحت الأمة في آخر الركب، جراء النزاعات والخلافات الداخلية وطغيان العشائرية وال قطر ية وغياب الحس القومي والغيرة على المصلحة العامة.

وكل ذلك كان بطريقة كوميدية ساخرة.

ثم ينتقل بنا العرض إلى وقتنا الحاضر، حينما يصل حنظلة بن ناجي العلي إلى لندن. حيث كانت وجهته المقبرة التي دفن فيها ناجي العلي، وعلى باب المقبرة كان هناك الحارس الذي تعود أصوله إلى الباكستان. والذي يطلب من حنظلة إبراز "جواز السفر" الذي يثبت شخصيته وعلاقته بناجي العلي.

بعد هذه الأحداث ينقلنا العرض المسرحي إلى ما يعانيه ويقاسيه حنظلة (المواطن الفلسطيني) من صعوبات وطلبات قاهرة من اجل حصوله على "جواز السفر" والخطب الرنانة التي سمعها "حنظلة" من المسؤولين والموظفين في الدوائر الرسمية التي كان يراجعها في رحلته للحصول على الجواز، كانت على عكس ما يلاقيه ويقاسيه من صعوبات. ولعل ذلك إشارة إلى الموقف الرسمي العربي من القضية الفلسطينية، حيث أن التصريحات والبيانات والمواقف كلها كانت حبراً على ورق بينما الحال الحقيقي هو التآمر والنفاق والمساومة والتنازلات.

وفي موقف آخر يبدو الحديث عن الوحدة العربية المنشودة مجرد أحلام وكوابيس يعيشها المواطن العربي الذي صدع رأسه بالخطابات الرنانة التي تدعو إلى الوحدة العربية بينما الأداء الرسمي العربي يؤدي إلى مزيد من الفرقة والتشرذم.

وفي أداء مونولوج داخلي لحنظلة يستشعر ومن ذلك الوقت علامات بداية التنازلات والمساومات على القضية الفلسطينية، ونهج التفريط والمساومة التي بدأت تطل برأسها منذ ذلك الزمن، (قدم العرض قبل اتفاقية أوسلو)

ولكن الأحداث التي كانت تموج بها المنطقة كانت توحي بالخطوات التي أوصلت إلى الاتفاقية المشؤومة.

كانت هذه الأحداث التي يمر بها "حنظلة" تقع تحت سمع ومرأى حارس المقبرة الذي تأثر وتعاطف مع حنظلة وتمنى لو أنه لم يسأله عن جواز السفر، فسمح له أخيراً بالدخول وزيارة قبر والده ناجي العلي.

وفي لفتة ذكية حتى نتعرف على الشخصيات التي كان ناجي العلي يستخدمها في رسوماته. ويقدم مواقفه السياسية على لسانها. حينما يطلب حارس المقبرة من حنظلة وقبل السماح له بالدخول أن يطلعه على الكيس الذي يحمله وماذا في داخله. حينها يخرج من جعبته رسومات تظهر فيها شخصيات العم صابر وبطرس وفاطمة وزينب وأبو الهم وأبو التعتير. تلك الرسوم الصامتة التي تجسدت على خشبة المسرح وغدت شخصيات ناطقة تعبر عن الواقع السياسي العربي المعقد المليء بالتناقضات، وتبرز الهم الفلسطيني والمعاناة والواقع السياسي ويشير إلى التخاذل والفساد والقمع والتطبيع والمساومة.

مسرحية.jpg
 

وفي نقلة للأحداث المسرحية، ينتقل بنا العرض إلى الجليل وإلى قرية الشجرة في الحديث عن ولادة ناجي سليم العلي واستعراض لحياة العائلة، إلى حدوث النكبة والهجرة إلى منطقة بنت جبيل في جنوب لبنان حيث أقامت العائلة لبعض من الوقت قبل أن تتابع طريقها إلى مخيم عين الحلوة.

وفي تلك الأحداث تستعرض المسرحية العلاقات التي نشأت بين اللاجئين الفلسطينيين وأهل الجنوب الذين احتضنوهم وقدموا لهم كل مساعدة، وكان سليم والد ناجي محل تقدير واحترام من أهل المنطقة.

وتأتي خاتمة المسرحية عندما يدخل أخيراً حنظلة لزيارة قبر ناجي العلي. ليصل إلى الحقيقة أن ناجي لم يعد موجودأ هنا.

إنه عاد إلى الشجرة إلى فلسطين. لقد حقق حلم العودة رغم كل الأعداء والمحتلين ورغم كل اتفاقيات التنازل والمساومة التي تخلت وباعت وساومت على فلسطين التاريخية ليحقق ناجي العلي شعاره الذي رفعه في حياته عن مساحة الأمل، بينما أعلن وصرح أن الطريق إلى فلسطين ليست بالبعيدة ولا بالقريبة، إنها بمسافة الثورة.

وفي نظرة إلى المكونات الفنية للعرض المسرحي، نرى أن المخرج قد زاوج بين اللغة العربية الفصحى واللغة المحكية، مما كان لها الأثر في إيصال الأفكار التي كان يطرحها العرض المسرحي. وأخذ الممثلون إضافة إلى تجسيدهم شخصيات العرض المسرحي دور الرواة، حيث كانوا الشاهدين على مسار العرض وأحداثه من خلال تقمص كل ممثل دوره الخاص به .إضافة إلى شخصية الراوي..

ولقد برع المخرج الفنان زيناتي قدسية في إضفاء مسحة جميلة كان لها الأثر الأكبر في إعطاء العرض مزيدا من المصداقية والالتصاق بهموم الإنسان. عندما ادخل المواويل وبعض أنواع الغناء الشعبي في تقديمه للحدث التالي..إضافة إلى استخدام الدفوف كايقاعات مرافقة للغناء. وأحيانا كضربات تنبأ بالاحداث التي يشهدها ويقدمها العرض المسرحي... وبلا شك أجاد المخرج نفسه الذي يملك حساً غنائياً وأذناً موسيقية غاية في الجمال والروعة والإحساس العالي في تقديمه لتلك المواويل التي كانت تمزج بالألم والوجع الذي يعيشه وعاناه حنظلة وكل مواطن عربي مكلوم.

ومن الجدير ذكره أن هذا العرض قدم على بعض مسارح دمشق وفي بعض المخيمات الفلسطينية في سوريا ولبنان وذلك في أواخر العام 1993.

 

 

 

بطاقة العرض المسرحي

 

ليلة عربية خاصة مع حنظلة بن ناجي العلي

 

التأليف: نبيل الملحم – زيناتي قدسية

الممثلون: يوسف المقبل – محمود خليلي – عبد السلام غبور – عبد الباري أبو الخير – وزيناتي قدسية

تصميم الديكور والملابس: محمود خليلي

تصميم الإضاءة والمخرج المساعد: عبد الحميد خليفة

الإخراج: زيناتي قدسية