Menu

وداعاً سليمان منصور من مجمل المحامل إلى الشهيد

أحمد علي هلالْ

نشر في مجلة الهدف العدد (86) (1560)

أيا جمل المحامل، حسبه الجسد قد وهن، أما جمل المحامل مازال حارس دروب القدس وبيوتها وأشجارها العالية وأقصاها المقيم أبداً في القلوب والذاكرة.

هل تذكر حينما قال لك ضابط إسرائيلي: أنه غير مسموح لكم أن ترسموا بالأحمر والأخضر والأسود والأبيض، ورفضت ما قاله لك ذلك المحتل الذي أراد طمس الهوية، وكسر العلم الفلسطيني، واقتلاع رمز الكيانية الفلسطينية، لكنك مضيت بعدما حُظرت الألوان لترسم بالطين والحناء فلسطين، ليست فلسطين المتخيلة، بل فلسطين الأبقى بقدسها وقراها وكل حبة تراب فيها، ليمضي جمل المحامل متنكباً تلك الدروب بخطى واثقة، وعلى ظهره القدس/ المكان، رمزاً لفلسطين كلها.

أتذكر حينما قال لك ذلك الغازي الزنيم: فلترسم النساء والزهور، وقلت له: حينما نحصل على حريتنا سنرسم النساء والزهور، وأنت الذي ولدت قبل احتلال فلسطين، قبل النكبة شاهداً على فلسطين وثوراتها وانتفاضاتها وغضب أهلها، شاهداً على المنفيين في الأرض/ شعبك، لكنك وأنت ترسم وتنحت وتوزع الألوان، وترهص لانتفاضة الحجارة، كنت في المكان الذي يجب أن تكون فيه، بأدواتك اللون والخط والرمز، لتشكل خندقاً مقاوماً بجدارة الفن والانتماء، لتكتمل سردية البقاء والدفاع الذكي عن حقيقة فلسطين التي حملتها بوصفك ضميرها الفني المؤسس لأجيال كثيرة جاءت وستجيئ.

كم مزجت بطينك وحناءك من أرض فلسطين ذاتها، لتظل فلسطين هي الأبقى، ذاكرة على امتداد وتجذر.

هكذا نهضت رسوماتك لتجسد فهمك لدرس الفن الأعلى، ورؤيتك لجوهر الصراع ومآلاته، رؤيتك للقضية وتحولاتها وأنت بصيغة الجمع، لست فرداً يرسم ويقول، كانت الذاكرة الجمعية الوطنية من تؤرخ للفلسطيني الباقي على أرض منحته شرف الانتماء... حقاً سترسم الزهور، لكنها وجه آخر للحياة، وهي المزنرة بعطر الشهداء وعرق الكادحين وصهيل الشهداء، وأنت المؤرخ بما وسعت أدواتك الفنية البسيطة لكنها الأعمق في حفر تلك السردية على جدارية تراجيديتنا الفلسطينية.

ففي معركة البقاء والصمود كان ائتلاف اللون والكلمة، اللوحة والرواية والشعر بأنواعه، بل الفن كله سادن معركة مفتوحة مع الغزاة، تُرى هل أدركوا تلك الأبجدية التي حملها الفلسطيني في قلبه ووعيه ولغته، وأنت تشكيل الوعي مشخصاً بحبر الأرض ودهشة التراب، وشغف اللون وجماليات الانتماء وعناوين الهوية، لتجعل فلسطين وعياً إنسانياً وعالمياً، يتخطى الحدود الضيقة ليصبح مهماز حرية سوف تكتمل.

وأنت السادن بكل عناصرك الفنية، لئن تجعل منها رموز البقاء ودفاع الذاكرة عن الذاكرة، لتبقى فلسطين حية وإن فنت الأجساد، وليبقى اللون خصوبة الأرض، والنحت جسارة الفلسطيني في افتراع أزمنته.

ومازالت لوحتك جمل المحامل في كل قلب وفي كل بيت، وعنوان قصائد الشعراء وحبكة روايات الروائيين، لتذكر العالم بأن ثمة قضية لن تموت، وثمة شاهد ظل خلف ألوانه يروي سيرة فلسطين ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

وهو الذاهب في فضاءات اللون والطين، عاد إلى طينه الأول لتحلم الأرض به، ويتحد مع عروق ترابها، كأنبل حكاية على ثغر تاريخ فلسطين وحريتها، تماماً كما هي رموزك وألوانك وزخارفك من أعادت وهج العلم الوطني.