Menu

ترامب.. فرصة العودة إلى مذكرة التفاهم أم (جرصة) الحرب؟

حمزة البشتاوي

نشر في مجلة الهدف العدد (86) (1560)

تتأرجح سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما بين فرصة العودة إلى مذكرة التفاهم الموقعة في حزيران 2026، وبين (جرصة) العودة مجدداً إلى الحرب التي فشل في تحقيق أهدافها، إضافةً إلى عدم القدرة على حسمها، وفشل الرهان الأمريكي- الإسرائيلي على زرع الفوضى في الداخل الإيراني، الذي أثبت وحدة غير مسبوقة والتفافاً حول قيادته دفاعاً عن الكرامة والبلاد.

وفي ظل هذا التأرجح الأمريكي، تظهر الفجوة الكبيرة ما بين تصريحات ترامب الوهمية والحقائق الميدانية التي تشير إلى بقاء البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والعلاقة بين إيران وحلفائها من دون أي تغيير، وكذلك بقاء مضيق هرمز مفتوحاً، من دون أن تفتحه تصريحات ترامب، الذي شنّ الحرب من أجل تدمير سلاح نووي غير موجود، وفتح مضيق لم يكن مغلقاً، كما قال الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.

منذ أن تحولت الأهداف الأمريكية - الإسرائيلية من إسقاط النظام إلى فتح مضيق هرمز، ومن نصر سريع إلى محاولة الخروج بأقل الخسائر من الحرب، لم يعد الأمر مجرد جزء من التخبط الأمريكي في تحديد الأهداف، بل أصبح تعبيراً عن أزمة استراتيجية عميقة تعيشها الإدارة الأمريكية في الحرب التي شنّتها ضد إيران بشعارات كبرى، ثم تحولت لاحقاً إلى معركة استنزاف في ممر مائي ضيق يسيطر عليه الحرس الثوري الإيراني، الذي يؤكد أن فتحه أو إغلاقه هو شأن إيراني دائم وثابت، لا تغيّره السفن الحربية أو تغريدات ترامب.

وعلى ترامب أن يختار ما بين فرصة العودة إلى مذكرة التفاهم، أو (جرصة) العودة مجدداً إلى الحرب التي يفتقر فيها إلى القدرة والإرادة، ويخاف من كلفتها الباهظة بشرياً ومادياً، وانكشاف حقيقة القوة الأمريكية والتضليل الاستخباراتي الذي استُخدم لشنّ العدوان، والذي وقف مرتكبوه عاجزين أمام إرادة وقرار الصمود والمواجهة من جانب إيران.

إن العودة إلى الحرب يُتوقع أن تُظهر مجدداً عجز إدارة ترامب أمام إيران، وهذا ما قد يجعلها حاضرة في العجز أيضاً أمام الصين وروسيا، وكذلك كوريا الشمالية، وأمام مسألة أمن الملاحة العالمية.

ويضاف إلى ذلك تراجع تأثير الولايات المتحدة ونفوذها، وفشلها في معالجة مشاكلها الداخلية، فضلاً عن الفشل في سياستها الخارجية، بعد أن أصبحت تصرفاتها، بشكل أكثر وضوحاً، تشكل الخطر والتهديد الأول للسلم والأمن في العالم.

لقد استطاعت إيران، في الحرب، أن تفقد الجيش الأمريكي تفوقه، وأن تدمر العدد الأكبر من قواعده في المنطقة، التي لم يستطع حمايتها رغم كل ما يمتلكه من أسلحة. وقد ظهر أن هذه الأسلحة تتناسب مع معارك الأمس، وليس مع معارك اليوم، التي أصبحت فيها الساحة للطائرات المسيّرة، التي تتفوق فيها إيران بشكل كبير، وتصل إلى أي مكان تريده بكلفة قليلة، مقارنةً بما تكلفه الطائرات والصواريخ الأمريكية التي تستطيع قصف أهداف في إيران، بحثاً عن انتصار تكتيكي لم يتحقق، وسط الكثير من المؤشرات التي تتحدث عن الخسارة الاستراتيجية التي ستصاب بها الولايات المتحدة الأمريكية وإدارتها وقواتها ومصالحها في المنطقة.

وقد أجبرت إيران الولايات المتحدة على الدخول في مفاوضات عنوانها البحث عن طريق للخروج من الحرب، بدلاً من تحقيق الحسم أو أي نصر فيها، وهذا هو ملخص مذكرة التفاهم.

انتقلت تصريحات ترامب في هذه المرحلة من الحديث بلغة الصدمة والرعب وحسم الحرب، إلى استخدام لغة استعراضية جديدة عنوانها المزيد من التهديد بالضغوط الاقتصادية، وسط تعثر المفاوضات، التي تزيد تصريحات ترامب من تعثرها، وهو الذي يظن أن الحرب هي تطبيق إلكتروني أو لعبة فيديو دخلها وفق حسابات مرتبطة بعدد الصواريخ التي يمتلكها، وبعد أشهر من الحرب راح يسأل: كيف يمكن الخروج منها من دون أن يبدو وكأنه خرج منها لأنه لم يستطع إكمالها أو تحقيق أهدافها؟

في حالة اللاسلم واللاحرب، تعتبر العودة إلى مذكرة التفاهم بالنسبة إلى إيران عدم تقديم أي تنازلات، بل هي فرصة لتجاوز حالة اللاحرب واللاسلم من دون أي تراجع أمام الضغوط الخارجية ومحاولات إضعاف إيران، التي تستخدم فيها الولايات المتحدة كل الوسائل، ومنها الضغط على إيران لفتح مضيق هرمز المغلق تماماً، بغض النظر عن ادعاءات ترامب بأن هناك من يتعاون معه، وهذا من المستحيل أن يحصل.

ويبقى السؤال المطروح: هل ستستفيد إدارة ترامب من فرصة العودة إلى مذكرة التفاهم، التي لا تعني أن واشنطن وطهران سوف تتبادلان الورود، أو أن سنوات العداء سوف تنتهي بكلمة، وإنما تعني أن تفعل السياسة ما عجزت عنه الحرب، التي تصر فيها إيران على الصمود وتحقيق النصر، بينما يستمر ترامب في مؤتمراته الصحافية بتهديد إيران ومطالبتها بالاستسلام ورفع الراية البيضاء؟

رغم كل ما قيل وسيقال، الفرصة ما زالت متاحة للعودة إلى مذكرة التفاهم باعتبارها مخرجاً يخفف من وطأة الهزيمة الأمريكية، على أن تبدأ العودة إليها بوقف التصعيد والبدء في مفاوضات عبر الوسطاء، والالتزام ببنود المذكرة، التي يجب عدم الخروج منها الآن، ولا في عهد أي رئيس قادم في الولايات المتحدة يأتي ويقول: هذه المذكرة لا تعجبني، بعد انتهاء ولاية ترامب.

إن مذكرة التفاهم تتضمن نقاطاً أساسية ومهمة تتعلق بوقف الحرب على إيران ولبنان وكل الجبهات، ورفع العقوبات والأموال المجمدة، وفتح مضيق هرمز، والحفاظ على البرنامج النووي مع وضع قيود عليه. وتركز إيران على هدف استراتيجي، وهو خروج القوات الأمريكية من المنطقة.

وقد بدأ حلفاء الولايات المتحدة يبحثون عن بدائل، ليس لأنهم يرغبون في ذلك، بل لأنهم لم يعودوا يثقون بقدرة الولايات المتحدة على توفير الأمن والحماية. وقد تسمح العودة إلى مذكرة التفاهم، التي يعترض عليها اللوبي الصهيوني، بظهور نهج أمريكي أكثر تواضعاً، يسمح للولايات المتحدة بأن تحظى بمكانة بين الدول، وسط تقدير عام بأن الفشل الأمريكي لم يعد هزيمة عسكرية فقط، بل تحوّل إلى بوابة لانهيار المظلة الردعية التي كانت حجر الزاوية في الوجود الأمريكي في المنطقة.

لكن الواقع الحالي والفشل الواضح يستدعيان الانطلاق نحو استراتيجية جديدة تقوم على الواقعية والتوازن، بدلاً من الأوهام والتبجح، اللذين لن يستطيعا إخفاء تراجع الهيمنة الأمريكية حول العالم، وتراجع قدرات الولايات المتحدة على التأثير العالمي الذي كانت تمارسه خلال العقود الماضية.

لأن وعي الانتصار اليوم وانتصار الوعي يؤكدان أن الحرب لن تنتهي لصالح العدوان.