Menu

هل تنضم سوريا إلى اتفاقية مكة؟ قراءة في المكاسب والمخاطر المحتملة

عزيز موسى

نشر في مجلة الهدف العدد (86) (1560)

 

شكّل الإعلان عن توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، في 7 أغسطس/آب 2026 بمكة المكرمة، خطوة فارقة في إعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي، فالاتفاقية التي تقوم على مبدأ أن "أي هجوم مسلح على إحدى الدول الأعضاء يُعدّ هجوماً على الجميع"، تمثل أول إطار أمني جماعي يجمع دولاً عربية وغير عربية منذ حلف بغداد عام 1955، وأول اتفاق دفاعي توقّعه الرياض خارج مظلة مجلس التعاون الخليجي، وقد جاء هذا التحول في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تلت الحروب الإسرائيلية المتتالية التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023، وبلغت ذروتها في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، مما فتح النقاش حول احتمال انضمام سوريا إلى هذه المنظومة، بعد أن أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن دمشق تدرس فعلياً هذا الخيار خلال زيارته للعاصمة الباكستانية إسلام آباد.

الفرص التي تتيحها الاتفاقية لسوريا

بعد خروج سوريا من حرب استمرت لما يقارب عقداً ونصفاً من الزمن إضافة إلى الانهيار المؤسسي، تعيد سوريا قراءة التحديات الأمنية التي يمكن أن تواجها من وجهة نظر اكثر واقعية، إذ باتت ترى الإدارة السورية ضرورة الانتقال إلى صيغة أمنية تضمن مظلة ردع تعوّض هشاشة قدراتها الذاتية، فمبدأ الدفاع الجماعي الذي شبّهه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو ضمن اتفاقية الدفاع المشترك، وإن ظل رهناً بالتشاور السياسي بين الأعضاء يمنح الدولة العضو ثقلاً ردعياً إضافياً لا يقوم على قدراتها وحدها، بل على الالتزام السياسي لشركائها، وهذا أمر بالغ الأهمية لدمشق التي تواجه ضغوطاً أمنية متعددة المصادر، وتنافساً تركياً-إسرائيلياً متصاعداً حول شكل الترتيبات الأمنية على أراضيها.

من جهة أخرى أما فثمة مؤشرات ملموسة على تعاون متنامٍ حتى قبل حسم مسألة العضوية الرسمية، من بينها إعلان شركة "The Wire" الباكستانية البدء بتزويد الجيش السوري بأنظمة اتصال وقيادة وسيطرة (C2) بتمويل سعودي-تركي مشترك، مثل هذه الخطوات وإن لم ترقَ بعد إلى ربط هيكلي بمنظومات القيادة والسيطرة لدول الاتفاق، فأنها تؤسس لقاعدة تقنية مشتركة يمكن البناء عليها لاحقاً إذا اتجهت الأطراف نحو معايير تشغيل موحدة، بما يشمل التدريب، وإعادة بناء مؤسسة الجيش، وربما التصنيع الدفاعي المشترك مستقبلاً.

أما على المستوى السياسي فيمنح الانضمام لدمشق اعترافاً إقليمياً بموقعها كدولة شريكة لا مجرد ساحة نزاع تتقاسمها قوى خارجية، ويعزز شرعية الحكومة السورية عبر ربطها بمنظومة إقليمية ذات ثقل مالي (السعودية) وصناعي-عسكري (تركيا) ونووي (باكستان).

التحديات والعوائق البنيوية

في المقابل تواجه فكرة العضوية السورية عقبات جوهرية، أولها أن النص الكامل للاتفاقية لم يُنشر بعد، واكتفت الدول الثلاث ببيان مشترك يحدد المبادئ العامة دون توضيح آليات قبول أعضاء جدد أو طبيعة الموافقات المطلوبة، وهو ما يجعل الحديث عن "انضمام" سوريا سابقاً لأوانه من الناحية الإجرائية، إذ لا يوجد حتى الآن أي دعوة رسمية موجهة إليها.

ثانياً، أن سوريا لا تزال دولة تحت الاحتلال الجزئي، مع استمرار الغارات الإسرائيلية المتكررة على أراضيها واحتلال إسرائيل لمرتفعات الجولان منذ 1967، وهو ما يعني أن انضمامها الفعلي قد يضع الاتفاقية أمام اختبار مباشر لمصداقيتها الردعية منذ اللحظة الأولى، فيما لا تزال الدول الثلاث الموقّعة تتباين في علاقاتها مع واشنطن وتل أبيب وطهران، الأمر الذي يجعل الانتقال من صياغة "الهجوم على دولة هجوم على الجميع" إلى استجابة عسكرية موحدة أكثر تعقيداً بكثير مما توحي به اللغة السياسية للبيان.

ثالثاً، هشاشة المؤسسة العسكرية السورية ذاتها التي لا تزال في طور إعادة البناء بعد سنوات الحرب، ما يطرح تساؤلات حول جاهزيتها للانخراط في التزامات تحالف من هذا النوع، ويضاف إلى ذلك تعدد الفاعلين النافذين في الملف السوري، من تركيا إلى الدول الخليجية إلى الفاعلين الدوليين، بما يجعل أي خطوة سورية نحو تحالف عسكري إقليمي محكومة بحسابات توازن دقيقة، لا سيما أن الخبراء يميزون بين احتمال أن تصبح دمشق عضواً رسمياً في الاتفاقية، وبين احتمال أقرب أن تحصل عملياً على جزء من مظلة الردع بشكل غير مباشر عبر شراكتها الأمنية المتعمقة مع أنقرة.

إسرائيل والاتفاقية: من هو المخاطَب الحقيقي؟

على الرغم من أن الاتفاقية لا تسمّي أي طرف بوصفه هدفاً، إلّا أنه تحمل مؤشرات موجهة بشكل أساسي إلى إسرائيل نظراً لاتساع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، بما شمل ضربات طالت أراضي عدة دول، من بينها الهجوم الذي استهدف قيادات حماس في قطر في أيلول/سبتمبر 2025، وهو ما دفع قادة الخليج والقمة العربية-الإسلامية في الدوحة إلى التحذير من أن السلوك الإسرائيلي بات يهدد الأمن الإقليمي برمّته ويقوّض فرص التسويات القائمة والمرتقبة، من هذا المنظور فإن انضمام سوريا الواقعة على خط تماس مباشر مع إسرائيل وتحت غاراتها المتكررة، سيُقرأ في تل أبيب باعتباره تمدداً لمنظومة ردع إقليمية إلى حدودها الشمالية مباشرة، ويحمل احتمال دفع إسرائيل إلى تصعيد استباقي لمنع ترسّخ أي شكل من أشكال الشراكة الدفاعية على حدودها، بدل انتظار تبلور الاتفاقية كأمر واقع.

سيناريوهات مستقبلية

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات تتعلق بمستقبل تطور هذه الاتفاقية والانضمام إليها: الأول هو الانضمام الرسمي الكامل، وهو الأقل ترجيحاً في المدى القريب نظراً للعوائق القانونية والسياسية والأمنية المذكورة آنفاً، أما الثاني، وهو الأكثر واقعية حالياً، يتمثل في تعميق شراكة أمنية وعسكرية ثنائية أو ثلاثية غير مؤسسية مع تركيا والسعودية، تشمل التدريب والتسليح وربما بناء أنظمة قيادة وسيطرة مشتركة، دون رابط رسمي بالاتفاقية، أما الثالث فهو أن تبقى مسألة الانضمام "ورقة تفاوضية" تستخدمها دمشق لتحسين موقعها في مواجهة الضغوط الإسرائيلية والمطالب الدولية المرتبطة بترتيبات أمنية جنوب سوريا، دون أن تتحول فعلياً إلى التزام تعاقدي.

تبقى اتفاقية مكة في مرحلتها الراهنة، إطاراً مؤسسياً وليدًا أكثر منها منظومة دفاع جماعي مكتملة الأركان، وتحوّلها الفعلي رهين بقدرة أطرافها الثلاثة على تجاوز تباين أولوياتهم الاستراتيجية، وبالنسبة لسوريا، فإن الفرص الأمنية والسياسية والعسكرية التي يوفرها الاقتراب من هذه المنظومة حقيقية، لكنها مشروطة بمخاطر واقعية تتصل بالوضع الجيوسياسي الهش للبلاد وموقعها كدولة تحت الاحتلال الجزئي في مواجهة مباشرة مع القوة العسكرية الإسرائيلية المهيمنة إقليمياً، لذلك يبدو المسار التدريجي القائم على تعميق الشراكة الثنائية مع تركيا والسعودية، مع إبقاء خيار العضوية الرسمية مفتوحاً كأداة تفاوضية، السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى المنظور.