Menu

ريشة الأمل في مواجهة الألم: وداعًا سليمان منصور، حارس الذاكرة والهُويّة

ماري قبطي 

بوابة الهدف

رحلَ عن عالمِنا يوم الاثنين 24.8.2026، الفنّان التشكيلي الفلسطيني، المناضل والإنسان   العظيم، سليمان منصور (1947-2026).
رحل مَن رسم كي لا ننسى، وكي تبقى الذاكرة حيّة، ولنسيرَ قُدُمًا نحو فجر الخلاص من العبء الثقيل والهموم، متطلّعين إلى الحريّة والعيش بكرامة، كما أرادَنا الله: أناسًا أحرارًا متساوين، ينبذون الظلمَ وينشدون الخير والتآخي. 

رحم الله الفنّان الفلسطيني سليمان منصور المناضل، الذي أبقى لنا رسالة الحفاظ على الهُويّة وأحيَى ذاكرة كلّ ما حاول الاحتلال طمسَه.
لقد حملَ الراحلُ همَّ الشعب والوطن و القدس على كتفيه، وتجلّى ذلك في أيقونته الشهيرة "جمل المحامل" التي أصبحت رَمزًا للمقاومة والصمود. ولم يقف فنَّه عند حدود توثيق اللجوء، بل رسم الماضي وعيناه ترنوان إلى المستقبل، عبر لوحات النساء الفلسطينيات في مشاهد متعدّدة، حيث تجسّد الوطن وأهله بريشته الجريئة، النابضة بالأمل والعزّة والكرامة. 

لقد ترك لنا إرثًا عظيمًا ورسالة قويّة تُحمّلنا مسؤوليّة قضيَّتِنا. ونحن اليوم على العهد باقون، يا مَن ناضَلت بريشتك من أجل حياةٍ كريمة.

ولم يكن فن سليمان منصور حَبيس المعارض النخبويّة، بل كان مادّة حيّة لبناء عقول أجيال المستقبل. ومِن واقع عملي مرشدةً تربويةً للطفولة المبكرة، حرصتُ على إرشاد المعلّمات إلى تعليم الأطفال التفكير والتأمل من خلال الفن والإبداع، واختبار المفاهيم والمصطلحات عبر الفنون المختلفة. 

ومن خلال إشراك الأطفال في تأمل لوحات الراحل سليمان منصور الجميلة المليئة بالألوان والنابضة بالحياة، استطاع الصغار التعلّم عن فلسطين، عن يافا والقدس.
كما استطاع الصغار التعرّف على جماليّات التراث الفلسطينيّ واستكشاف أبعاد الماضي والحاضر والمستقبل. 

وفي عام 2024، وظّفنا لوحة "يافا" للفنّان سليمان منصور في كتاب" دليل التعلّم باللّعب": أغاني وأنشطة للمربي\ة، لإثراء وتطوير اللغة العربيّة في الطفولة المبكرة. كتاب نشاطات يتيح الفرصة لتعلّم اللغة بمفهومِها الواسع، من إعداد وكتابة ماري قبطي ودعاء أبو الهيجا ذياب، وبإشراف نادية كنانه، وإصدار جمعيّة يدًا بيد، وذلك لشرح مفهوم " البيّارة".

تصف اللوحة بيّارةً في يافا في موسم قطف البرتقال، حيث تحمل المرأة الفلسطينية سلَّة البرتقال على ظهرِها، في رَمزيّة لحمل الماضي والسير نحو المستقبل.
 
"وقد منحت هذه الفعّاليّة التفاعليّة الأطفال، فرصة للتعرّف على لوحة فنيّة وتأمّلها، وتمييز الألوان والأشخاص والأغراض المرتبطة بالبيّارة، كما وأتاحت لهم التعرّف على مصطلح "البيّارة" لُغويًا ورمزيًا، من خلال اللوحة الفنية، والتعرّف على الفنان الفلسطيني سليمان منصور، الذي رسم العديد من اللوحات حول البيّارة الفلسطينيّة، واكتساب المعرفة حول المواد التي استخدمها الفنان سليمان منصور في رسم لوحاته، ومنها الطين والشيد وغيرها من المواد الطبيعيّة، و"فهم رمزية اللوحة وبُعدها الثقافي، والتعرّف على بلادنا التي اشتهرت في الماضي بتصدير البرتقال إلى العالم، ولا سيَّما برتقال يافا، في حين أصبحت البيّارة اليوم، مقارنةً بالماضي، رمزًا تاريخيًا وثقافيًا راسخًا". (من أهداف الفعّاليّة من كتاب " دليل التعلّم باللعب"2024).

ومن خلال هذه اللوحة، استوعب الأطفال مفهوم البيّارة لُغويًّا ورمزيًّا وثقافيًّا. وعبر الأنشطة التفاعليّة المرافقة للّوحة، التي تُظهر المرأة الفلسطينية وهي تحمل سلَّة البرتقال على كتفها، تعلّم الأطفال شيئًا من عمق الثقافة والتراث الفلسطيني. 

وتحمل هذه الصورة الرسالة الفلسفية ذاتها التي يحملها الرجل الشيخ في "جمل المحامل". ففي اللوحتين، بين يافا والقدس، رسالة واحدة وثابتة: ألّا ننسى ماضينا، وأن نمضي في حاضرنا نحو غدِنا الواعد.

"يُصنَّفُ الفنانُ التشكيلي والنحات سليمان منصور كأحدِ أعمدةِ الفنِّ العربي المعاصر، ويُعرفُ بأبِ الفنانين الفلسطينيين الوطنيين الملتزمين، متوجاً مسيرتَه الإبداعية بوصفِهِ الفنانَ المقاوِم.

فإنّه استطاع أن يصوغَ الألم بريشةٍ تفيضُ بالأمل، والإصرار، وأن يحوّلَ الفن إلى لُغة عالميّة تدعو إلى الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. 

وداعًا يا قائد مسيرة المقاومة الفنيّة، وسلامًا لروحك الحيّة التي غادرتنا جسدًا، وبقيت فينا فكرًا وإبداعًا. سيظل ذكرك مؤبدًا، وإرثك العظيم نورًا وبصيرةً ينيران دربَنا نحو التحرّر والحريّة.

رحمَ الله سليمان منصور، وحفظ لنا ما تركه من فنٍّ وذاكرة وهُوية.