لا يزال ملف سفر المرضى والجرحى من قطاع غزة عبر معبر رفح يثير تساؤلات واسعة بين المواطنين، خصوصًا في ظل محدودية أعداد المغادرين، وطول انتظار بعض الحالات، وتضارب الروايات حول الجهة التي تختار أسماء المرضى، والجهة التي تمنح الموافقات النهائية.
وفي ظل تداول اتهامات وتساؤلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن آلية اختيار المسافرين، حاول مسؤولون فلسطينيون توضيح الأدوار التي تؤديها الجهات المختلفة في هذا الملف، مؤكدين أن هيئة المعابر ووزارة الصحة في غزة لا تملكان القرار النهائي بشأن أسماء المسافرين أو الموافقات الأمنية.
هيئة المعابر: لسنا الجهة التي تختار المرضى
يقول مدير هيئة معابر غزة إياد نصر، في مقابلة إذاعية مع صوت الشعب، إنّ الجانب الفلسطيني تعامل مع ملف معبر رفح منذ الهدنة الأولى انطلاقًا من الاتفاقيات الناظمة للمعبر، وصولًا إلى اتفاقية عام 2005، مشيرًا إلى أن الواقع الذي فُرض خلال الحرب كان "كارثيًا"، وأن الجانب الفلسطيني قبل بالتعامل مع الظروف القائمة بهدف تسهيل سفر المواطنين.
ويوضح نصر أن التعامل في ملف المرضى يتم بين ثلاث جهات رئيسية؛ مصر باعتبارها الجهة الأساسية في استقبال المرضى، ومنظمة الصحة العالمية باعتبارها جهة اتصال وتنسيق، ووزارة الصحة في غزة باعتبارها الجهة التي تستقبل طلبات المرضى وتحدد الحالات الطبية المحالة للعلاج خارج القطاع.
أما "الجانب الإسرائيلي"، وفق نصر، فقد أصبح طرفًا مراقبًا في عملية الموافقة، رغم أنه لم يكن موجودًا داخل المعبر وفق الترتيبات السابقة.
ويؤكد أن الجهة الفلسطينية الموجودة في المعبر تتبع للسلطة الفلسطينية بمختلف أجهزتها ووزاراتها المدنية، فيما تتولى جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني الجانب الطبي داخل المعبر.
لكن النقطة الأكثر إثارة للتساؤلات، بحسب نصر، تتعلق بالجهة التي تختار أسماء المرضى.
ويقول نصر إن طلبات المرضى تبدأ لدى وزارة الصحة في غزة، وبعد اعتماد التحويلة الطبية، تُرسل إلى منظمة الصحة العالمية، التي تقوم بدورها بإرسالها إلى الجانب الفلسطيني باعتباره نقطة اتصال بين الأطراف، قبل إحالتها إلى مصر و"إسرائيل" للحصول على الموافقات اللازمة.
ويضيف أن لجنة التحويلات الطبية في غزة هي التي تقوم باختيار الأسماء وترتيبها، مشيرًا إلى أن اللجنة تشكلت خلال الحرب، وتضم أطباء واختصاصيين، إلى جانب أطباء من وزارة الصحة في غزة.
ويشدد نصر على أن هيئة المعابر لا تتدخل في اختيار أسماء المرضى، وأنها تستلم الكشوفات كما ترد إليها، ثم تحيلها إلى الأطراف الأخرى للحصول على الموافقات.
ويقول: "كثير من الحالات نحن عاجزون أمام طلبات المواطنين، لعدم قدرتنا على وضع الأسماء"، مضيفًا أن الهيئة لا تمتلك صلاحية تغيير الأسماء أو إدراج مرضى جدد على الكشوفات.
"لماذا تتهم السلطة بالرشوة؟"
وفي ظل اتهامات وتكهنات تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وجود أموال تُدفع مقابل إدراج أسماء ضمن قوائم السفر، يتساءل نصر: لماذا تُتهم السلطة بالرشاوى، في حين أنها، بحسب روايته، لا علاقة لها بعملية اختيار الأسماء؟
ويقول إن هناك أحيانًا أسماء أو شبكات تعمل خارج الإطار الرسمي، وإن هيئة المعابر لا تستطيع تقييم كل حالة قبل وصولها إليها لمعرفة ما إذا كان الشخص مريضًا أو غير ذلك.
ويؤكد أن دور السلطة الفلسطينية في هذا السياق تشغيلي وليس قرارًا سياسيًا أو طبيًا، وأن عمل المعبر يجري وفق ترتيبات وخطة تنص على السماح بسفر نحو 150 شخصًا يوميًا وعودة 50، مع التأكيد على عدم استخدام المعبر للتهجير، وأن يتساوى عدد المغادرين والعائدين.
لكن نصر يشير إلى وجود "معيقات كبيرة" تحول دون تحقيق هذه الأرقام.
كما يتحدث عن حالات إنسانية عالقة، بينها زوجات منفصلات عن أزواجهن، وأطفال فقدوا ذويهم، وحالات تحتاج إلى الخروج أو العودة بصورة عاجلة، مطالبًا بزيادة أعداد المغادرين والعائدين، خصوصًا أن الأشهر الثلاثة المقبلة ستكون، وفق تقديره، صعبة على هذا الصعيد.
وزارة الصحة: الكشوفات تُعدّ داخل منظومة طبية
من جهته، يرفض مدير عام المستشفيات في قطاع غزة محمد زقوت، الرواية التي تربط قوائم المرضى بجهة إدارية واحدة، موضحًا أن إعداد الكشوفات يمر عبر سلسلة من الإجراءات الطبية والفنية.
ويقول زقوت في تصريح لإذاعة صوت الشعب، إنّ وزارة الصحة في غزة تعمل في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب، وإن أعداد المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج خارج القطاع تفوق بكثير القدرة الحالية على الإجلاء.
وبحسب الأرقام التي عرضها زقوت، غادر القطاع حتى الآن 517 مريضًا من مرضى الأورام، من أصل نحو 2400 حالة، إضافة إلى 642 حالة عظام، فيما تتوزع بقية الحالات على تخصصات مختلفة.
ويشرح أن عملية التحويل تبدأ من الطبيب المعالج، الذي يحدد حاجة المريض إلى علاج أو أدوات غير متوفرة في قطاع غزة، ثم يحيل الحالة إلى رئيس القسم المختص.
بعد ذلك تنتقل الحالة إلى دائرة العلاج بالخارج، حيث تخضع لتقييم لجنة فنية، ثم تُحال إلى لجنة مركزية تضم نحو 18 استشاريًا، لمناقشة الحالات وتصنيفها وتحديد أولوياتها.
ويؤكد زقوت أن اللجنة التي تعمل على الملف مهنية واستشارية، وتضم أطباء واختصاصيين ورؤساء أقسام، وليست لجنة إدارية تتولى اختيار الأسماء وفق اعتبارات غير طبية.
آلاف المرضى على قوائم الانتظار
ويشير زقوت إلى أن الوزارة أعدت حتى الآن نحو 45 كشفًا، يضم كل كشف بين 150 و200 مريض، ليصل إجمالي المرضى المدرجين إلى ما بين 6500 و7000 مريض، وهم بانتظار الموافقات المصرية و "الإسرائيلية".
وبعد إعداد الكشوفات، تُرسل إلى منظمة الصحة العالمية، التي تتولى التواصل مع المرضى وإبلاغهم بمواعيد السفر.
ويشير إلى أن عدد المرافقين يمثل تحديًا إضافيًا؛ فكل مريض يحتاج إلى مرافق، لكن زيادة عدد المرافقين تؤدي إلى تقليل عدد المرضى الذين يمكن نقلهم ضمن الرحلة نفسها، ولذلك تتم دراسة الحالات لتقليل عدد المرافقين إلى الحد الممكن.
أما هيئة المعابر، فيوضح زقوت أن دورها يأتي لاحقًا في متابعة الكشوفات وأسماء المرافقين والسجل المدني، والتحقق من درجة القرابة، باعتبار أن المرافق يفترض أن يكون من أقارب الدرجة الأولى في الحالات المحددة.
من يملك القرار النهائي؟
في المقابل، يؤكد زقوت أن وزارة الصحة في غزة لا تملك قرار الموافقة النهائية على سفر المرضى، وأن الكشوفات التي تُرفع من غزة تمر عبر منظمة الصحة العالمية، ثم تخضع للموافقات المطلوبة من الأطراف المعنية.
ويقول إن الموافقات لا تأتي دائمًا وفق ترتيب الأسماء المرسل من وزارة الصحة، وهو ما يخلق تحديًا كبيرًا أمام الوزارة والمرضى.
ويضيف أن بعض المرضى الذين يتم إدراجهم في الكشوفات قد ينتظرون طويلًا، بينما قد تحصل حالات أخرى على الموافقة في توقيت مختلف، الأمر الذي يزيد من حالة الغموض لدى المرضى وعائلاتهم.
مراحل تغيّرت مع الحرب
ويعرض زقوت عدة مراحل مرت بها عملية إجلاء المرضى منذ بداية الحرب.
ففي مرحلة سابقة، كان يجري السماح بخروج أعداد محدودة من المرضى ومرافقيهم، ثم انتقلت عمليات الإجلاء خلال فترة لاحقة إلى معبر كرم أبو سالم، عبر تنسيق تقوده منظمة الصحة العالمية مع الدول المعنية.
ومع إعادة فتح معبر رفح ضمن الترتيبات اللاحقة، عادت آلية إعداد الكشوفات وإرسالها إلى منظمة الصحة العالمية، ثم إخضاعها للموافقات الأمنية.
ويؤكد زقوت أن الوزارة لا علاقة لها ببعض أنواع التنسيقات، مثل حالات لمّ الشمل أو التنسيقات الفردية التي تتم عبر كرم أبو سالم، مشددًا على أن هذه الحالات لا تخرج من مستشفيات وزارة الصحة ولا تمر بالضرورة عبر منظومة التحويلات الطبية التابعة لها.
1300 مريض مصاب بالشلل.. ولا مستشفى تأهيل
ولا تقتصر المشكلة، وفق زقوت، على قوائم السفر والموافقات، حيث تمتد إلى حجم الاحتياجات الطبية داخل قطاع غزة.
ويقول إنه يلتقي يوميًا بمرضى، بينهم مرضى بالشلل، في وقت لا يتوفر في القطاع سوى نحو 120 سريرًا، ولا توجد مستشفيات متخصصة للتأهيل قادرة على استيعاب هذه الأعداد.
ويعتبر أن محدودية عدد المرضى المسموح لهم بالسفر، إلى جانب الموافقات الأمنية، والقيود على عدد سيارات الإسعاف، تشكل "معضلات كبيرة" أمام إجلاء المرضى.
كما يشير إلى أن المريض الذي يغادر ثم يعود إلى غزة قد يواجه إجراءات وموافقات أمنية جديدة، ما يجعل العملية برمتها طويلة ومعقدة.
أخطاء وتزوير وملاحقة
وفيما يتعلق بالأخطاء التي قد تحدث في عملية التحويلات، يقول زقوت إن بعض الأخطاء البشرية أو التنسيقية تقع أحيانًا، لكن يجري التعامل معها ومتابعتها.
ويكشف عن تشكيل لجان تحقيق في بعض الحالات، وعن اكتشاف حالات تزوير أختام بأسماء أطباء في محاولة لاستغلال المرضى، موضحًا أن الأشخاص المتورطين في ذلك، وفق ما تبين للوزارة، ليسوا موظفين فيها، وأن الإجراءات القانونية تُتخذ بحقهم.
ويؤكد أن اللجنة المهنية والاستشارية التي تتولى تصنيف الحالات لم يثبت حصول أي من أعضائها على أموال من المواطنين، داعيًا أي شخص لديه شكوى أو دليل إلى تقديمه للتحقيق.
ملف لا يزال يثير أسئلة أكثر مما يقدم إجابات
ورغم التوضيحات التي قدمها مسؤولو هيئة المعابر ووزارة الصحة في غزة، فإن ملف سفر المرضى عبر معبر رفح لا يزال يثير تساؤلات كبيرة لدى المواطنين، خصوصًا بشأن الفارق بين أعداد المرضى المدرجين على القوائم وأعداد من يحصلون فعليًا على الموافقات، وترتيب الأسماء، والجهة التي تحدد الأولويات النهائية.
كما تظل الأسئلة قائمة حول المعايير الدقيقة التي تُعتمد في اختيار المرضى، وآلية التعامل مع الحالات الإنسانية العاجلة، وأسباب اختلاف ترتيب الموافقات، والجهة التي تتحمل مسؤولية الحالات التي تتأخر أو تُرفض.
وفي ظل تعدد الجهات المشاركة في العملية — من وزارة الصحة في غزة، ومنظمة الصحة العالمية، وهيئة المعابر، والسلطة الفلسطينية، ومصر، والاحتلال "الإسرائيلي" — يبدو الملف شديد التعقيد، بينما يدفع المرضى وعائلاتهم ثمن هذا التعقيد انتظارًا ومخاطرة وتأخيرًا في الوصول إلى العلاج.
والأهم أن غياب المعلومات التفصيلية والشفافة حول آلية إعداد القوائم والموافقات يجعل مساحة الشائعات والاتهامات أكبر من قدرة الجهات الرسمية على طمأنة المواطنين؛ وهو ما يجعل ملف إجلاء المرضى عبر معبر رفح بحاجة إلى مزيد من الشفافية، ونشر المعايير والإجراءات والأرقام، وتوضيح مسؤولية كل جهة بصورة علنية ودقيقة.

